Ar     En
الفصول اللبنانية ١

الفصول اللبنانية ١

الشخصية اللبنانية المميزة في تاريخ لبنان الحديث
بقلم جواد بولس
إلى هنا، إلى إبراز الشخصية اللبنانية المميزة، تنتهي مجهودات الفصول. فهي إن وضحت، على إكلام كتابها، تكون الفصول قد حققت الأهم من غاياتها. وإلا تكون قد وجدت نفسها سعيدة، بأن اسهمت إسهاماً، مهما يكن متواضعاً، في هذا السبيل.
الأستاذ جواد بولس، المؤرخ اللبناني ذو الشهرة العالمية الواسعة، يطلق قلمه في هذا المضمار، وهو من أبلغ أقلامه المختصة، فعسى أن ينبثق منه نور.
يرى الأستاذ بولس أن الشخصية اللبنانية بدأت تتكون، تتحرك، تظهر، وتتميز، منذ فجر التاريخ لنحو من ستة آلاف سنة خلت. فكانت كل حكبمن حقبه تقدم. في هذا الموضوع، للحقبة التي ستلي، وتلقي الضوء على الحقبة التي سبقت. وهو قد إنطلق، في بحثه، من هذا المنطلق، وركز الكتابة عليه. وله في الموضوع دراسة، ومحاضرات، ومؤلفات وأقره البهاء. غير أنه، أخذ بالاعتبار تشوق القارئ إلى معرفة المراحل الأخيرة لبروز الشخصية اللبنانية المميزة، رأى أن يبدأ كلامه، في هذا المقال، منذ الفتح العثماني (١٥١٧-١٩١٨) على أن يعود، في المقالات التالية التي يعدها لقراء الفصول، إلى المراحل السابقة، بدءًا بأول بزوغ التاريخ، تمشياً مع خطواته المنهملة، حتى يصل إلى يومنا الحاضر.
في عام ١٥١٧٬ سحق الأتراك العثمانيون، وهم مسلمون سنيون، جيوش الأتراك المماليك، المسلمين السنيين أيضاً، في معركة مرج دابق قرب حلب ثم في القاهرة واستولوا على بلدان الشرق الأدنى. فأعلن السلطان العثماني سليم الأول نفسه خليفة رسول الله وأميراً للمؤمنين.
أما السوريون والمصريون فكانوا كما في الماضي القريب والبعد، غير مبالين بالمعارك الدامية الدائرة حولهم بين العثمانيين والمماليك، في حين أنهم كانوا رهاناً لها. ذلك أنه، منذ زوال دولة الخلفاء الأمويون ومركزها دمشق، عام٧٥٠٬ كانت جميع الدول الإسلامية التي تعاقبت سيطرتها، كلياً أو جزئياً، تتابعا أو في آن واحد، على بلدان المشرق (مصر، سوريا، لبنان، العراق)، كالعباسيين، والبهويين، والطولونيين،والاخشيديين، والفاطميين، والسلجوقين، والأيوبيين، والمماليك، كانت قد دابت على جعل كابوسها، ثقيلاً على الشعوب المحلية، إسلامية كانت أو غير إسلامية. وبما أن هذه الشعوب باتت غير مبالية بالتغييرات السياسية، بدت وكأنها أصبحت مستسلمة وخاضغة للطغيان. فقد تلاشت وكأنها عند هذه الشعوب منذ زمان بعيد وأصبحت النفوس في يأس تام.
العهد العثماني
عهد إنحطاط وبؤس ودمار
وفي عهد الدولة العثمانية، كما في عهود الدول الإسلمية المختلفة التي تعاقبت منذ عدة قرون في هذا المشرق، كانت الطوائف الدينية غار الإسلامية السنية، على إختلاف انواعها، تعتبر رعايا من درجة أدنى، وحتى من الأعداء المحتملين. أما السنيون المحليون، فمع أنهم كانوا مستبعدين مثل غيرهم من قبل السلطة التركية ذاتها، إلا أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم متفوقين على موطنهم غير السنيين رفعةً وشرفاً.
كان العهد العثماني عهد إنحطاط إقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي. فكان نسيجاً من المظالم والخيانات والمجازر والحروب ما بين الباشاوات أو مع جيش الإنكشارية.. وتسرب هذا الفجور السياسي الاأخلاقي من الباشوات الأتراك إلى الأمراء وإلى العائلات الحاكمة المحلية”٢”.
وإذا كان نشاط مدن الساحل اللبناني قد توقفت في عهد المماليك حتى غد قرى كبيرة مقفرة من السكان ويعمها الخراب، فقد إزداد تدهور هذه المدن الساحلية مع بداية العهد التركي في أوائل القرن السادس عشر، وذلك بنتيجة حدثين هامين حصلا في زمان واحد تقريباً: الأول إكتشاف القارة الأمركية من قبل الإيطالي كريستوف كولومب سنة ١٤٩٢٬ والثاني إكتشاف رأس الرجاء الصالح، في جنوب أفريقيا، من قبل البحار البرتغالي فاسكوده غاما سنة ١٤٩٧.
فالإكتشاف الأول، وجه نشاط واهتمام الشعوب الأوروبية وهجرتهم نحو العالم الجديد، فأهملوا العالم القديم. أما الإكتشاف الثاني، أي رأس الرجاء الصالح، فقد قضى على الطريق العالمي الذي كان يوصل أوروبا بالهند والصين مروراً ببلدان الشرق الأدنى، وحول هذا الطريق إلى جنوب القارة الأفريقية. فكانت النتيجة أن تخلت منذ ذلك الحين اسكندرية مصر والمرافئ السورية اللبنانية عن تجارة الشرق الأقصى لصلح بلدان أوروبا الواقعة على شواطئ المحيط الأطلسي: إسبانيا، البرتغال، فرنسا، هولندا، انكلترا إلخ.. مما دفع بمدن الشرق الساحلية إلى إحتضار بطيء. وقد حدث الشيء نفسه للمدن البحرية الإيطالية ولجنوب فرنسا.
ففي بلدان هذا الشرق، الذي جعلت منه النكبات صحراء شاسعة من الخراب والعبودية، كان لبنان الجبلي الريفي واحة سلام وحرية وأمن وملجأ للإستقلال القومي.
بروز الذاتية الجماعية
للجبل اللبناني
قومياً وسياسياً
منذ بدئ العهد العثماني المظلم، ارتسمت الذاتية الجماعية للجبل اللبناني قومياً وسياسياً ونشأت امارات المعنيين والشهابيين، التي كانت الخلف البعيد لفينيقيا القديمة، والمعالم الأولى لدولة لبنان الكبير الذي انشئ عام ١٩٢٠ والذي كان السلف المباشر للجمهورية البنانية المعاصرة.
ففي زمان هذه الإمارات، كان الأمراء والزعماء المحليون ينعمون بنوع من الاسقلال الذاتي تجاه السلطة المركزية العثمانية وكان هؤلاء الرؤساء الإقطاعيون، والمجموعات البشرية التي يوسوسنها يؤلفون فسيفساء من الطوائف الدينية والسياسية شبه المستقلة، وقد ضمها العثمانيون إلى سلطتهم عن طريق الإستتباع الإقطاعي، وبروابط الضرائب، على غرار ما فعل السلاجقة والمماليك من قبل.
إن امارات فخر الدين المعني الثاني (١٥٨٥-١٦٣٥) كانت تمثل المعالم الأولى للبنان المعاصر. فإن مجموعات التكتلات الطائفية التي كان يتألف منها سكان هذه الإمارة، كانت الطلائع الأولى للمجتمع الوطني أو للأمة اللبنانية التي برزت بعد ١٩٢٠٬ خصوصاً منذ 1943. فمنذ عهد فخر الدين الثاني، أخذت هذه الجماعات الطائفية المختلفة تتطور معاً، باتجاه إتحاد فدرالي واقعي. أما النزاعات التي عرفتها، غالباً فيما بعد، هذه الجماعات الطائفية بين بعضها البعض، فكان الباعث لها في أكثر الأحيان رغبة كل واحدة منها في إعادة إنشاء إمارة فخر الدين الثاني لصالحها الخاص، أي تحقيق الوحدة السياسية والجغرافية لجميع اقاليم البلاد تحت سلطتها.
ومنذ عهد فخر الدين الثاني، بدأ المجتمع القومي اللبناني، الذي يمكننا أن نسميه ضمنياً إتحاد مختلف الطوائف الدينية في لبنان، بدأ يعي وحدة مصيره، حتى أصبح فيما بعد مجتمعاً قومياً متعدد الطوائف، هو الأمة اللبنانية.
ازدهار جبل لبنان وكثافة سكانه
وإنحطاط المناطق التي
يحكمها الأتراك مباشرة
كان من الطبيعي أن يوافق النظام الإقطاعي في سوريا، الذي بدأت خطوطه الكبرى منذ عهد الدولة العربية الأموية وعاصمتها دمشق، تسلط طبقة المحاربين، بسبب ما لذلك النظام من لا مركزية سياسية في تكوينه، مما أدى إلى إلغاء معالم السلطة العامة. وكانت الأرض، بين أيدي الإقطاعيين الغرباء الذين يتقاسمونها، مورداً للثروة وآلة للتسلط. وفي مجتمع زراعي بكامله طرباً، كان كل قسم من البشر =يشكل في هذا المجتمع دولة صغيرة مجهزة بحكومة خاصة.
وبعد ممارسة هذا النظام الجائر طوال قرون عديدة، كان بنتيجته إن عام الخراب الكامل بلدان المشرق، التي كانت الزراعة موردها الإقتصادي بالدرجة الأولى. وقد افتقرت شيئاً فشيئاً عدة مناطق سورية وفلسطينية. فغدا عدد السكان،حوالي نهاية القرن الثامن عشر، ربع ما كان في عهد البيزنطيين والخلفاء الأمويين، حين كان هذا العدد يراوح بين سبعة وثمانية ملايين نسمة. وفي بدء القرن التاسع عشر، لم تكن قرى (البكاليك) الطبيعة لحلب، والتي كانت تعد ٣٢٠٠ قرية، كما كانت مسجلة في لوائح الضرائب، سوى ٤٠٠ قرية فقط “٣”.
قرب نهاية القرن الثامن عشر، بينما كانت مناطق شرقي المتوسط العثمانية قد آلت خراباً شبه كامل، وقد أقفرت من السكان، كان جبل لبنان، حيث تسود الحرية والأمن، مزدهراً يضيق بسكانه. ففي وسط لبنان كان عدد سكان منطقة كسروان الوعرة (١١٥ ألفاً) يعادل ضعفي سكان فلسطين بالذات (٥٠ ألفاً). وكانت النسبة نفسها في كثافة عدد السكان موجودة في باقي المناطق اللبنانية “٤”.
وبالمقابل كانت مدن الساحل اللبناني (صيدا، وبيروت وطرابلس)، التي يحكمها الباشوات العثمانيون مباشرةً، تعيش في إنحطاط تم. ويذكر رحالة ذلك العهد أن عدد سكان كل من صيدا وبيروت وطرابلس كان يبلغ ما يقارب الخمسة آلاف، وسكان دمشق خمسة عشر ألفاً ومثله في حلب.
وفي العهد ذاته كم الكاتب الفرنسي فولني بزيارة مصر ولبنان سنة ١٧٨٣٬ فعدد سكن مصر بمليونين وخمسماية ألف نسمة، وسكان القاهرة بمئتي وخمسين ألفاً. أما الإسكندرية، التي كانت تعد سابقاً أكثر من نصف مليون، فأمست ضيقة صغيرة المساحة تعد نحو ستة آلاف ساكن.
إن هذا الإختلاف في الحياة الإجتماعية وفي الإزدهار الإقتصادي بين سكان جبل لبنان وسكان البلدان المجاورة المحكومة مباشرةً من قبل الآسيويين الغرباء، ناتج بالدرجة الأولى من معالم لبنان الجبلية، التي سعادة اللبنانيين على المقاومة ضد الأعداء وعلى التضامن فيما بينهم.
يقول فولني عن منطقة الموارنة في لبنان، أن طبيعة الأرض التي توفر الدفاع في كل مكان، اعطت كل قرية، بل غالباً كل عائلة، وسيلة للمقاومة بقوه الخاصة، والتلي لمنع سلطة وحدة (وطنية أو أجنبية) من إزديي نفوذها.. هذا المجتمع،.. الذي كان يحيط به منذ نشأته اعداء أقوياء لم يستطع مقاومتهم إلا بفضل وحدة ابنائه. ولم تقوم هذه الوحدة كما نعلم إلا على قدر ما إمتنع الموارنة عن إضطهاد بعضهم بعضاً وإنصرف بالتناوب إلى حماية أنفسهم وممتلكاتهم. وهكذا.. صان الموارنة أنفسهم إلى هذا اليوم من الظلم والاستبداد والاضطرابات التي تنج عن الفوضى “٥”.
ويلاحظ فولني بحق، أن معنويات الشعوب، كمعنويات الأفراد، ترتبط بنوع خاص بالوضع الإجتماعي الذي يعيشون فيه.. فالناس الذين يتمتعون بحقوقهم الطبيعية وتكون علاقاتهم مواجهة من قبل ساداتهم.. لا يستطيعون أن يكونوا ذوي رغبة شديدة في القتال.. أما الذين يقاتلون من أجل قضيتهم الخاصة.. فلا تنقصهم الشجاعة”٦”.
الحياة الفكرية والثقافية
في لبنان والشرق الأدنى
منذ القرن الحادي عشر حتى
زوال الدولة العثمانية سنة ١٩١٨
إن الغزوات والسيطرات الآسيوية التي تعاقبت على بلدان الشرق الأدنى، إبتداء بالأتراك السلجوقيين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر،قادة على الإزدهار الإقتصادي والحياة الثقافية والأدبية والعلمية وعلى الحضارة في هذا الشرق، الذي كون وطور الحضارات الإنسانية الأولى في التاريخ، وأنشأ الحضارة العربية الإسلامية التي عمت الشرق والغرب في ظل الخلفاء العباسيين في بغداد. وفي القرنين الثالث عشر والرابع عشر، فترت الحركة الأدبية. وفي القرن الخامس عشر، كان الأدباء في الشرق العربي يكتفون بدرس مؤلفات الأقدمين. ومن القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر، لم يعد الأدب الأخبار التاريخية الخلية من النقد ومن جمال الأسلوب.
وفي هذه القرون الوسطى المظلمة التي جثمت فوق الشرق الإسلامي،ظل البلد اللبناني، الذي تركز في جباله، ينعم بحياة من الحرية والطمأنينة والإزدهار النسبي، انعشت فيه الحياة الفكرية، فتحولت القرى إلى تجمعات بشية كبيرة، ولم يتوقف عدد المدارس والاديرة والكنائس عن الإزدياد. وقد اسهمت الارساليات الأوروبية، من كقبل كنيسة روما، في تقدم الأفكار.
وفي القرن السادس عشر تأسست في روما مدار للموارنة. وفي لبنان بالذات انشأت مدارس اكليريكية لإعداد إكليروس مثقف. ومنذ سنة ١٦٩٦٬ تأسست مدارس صغيرة في قرى عديدة من الجبل، كان الرهبان الموارنة يعملون فيها. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، فتحت مدارس، أشهرها مدرسة عينطورة الفرنسية التي أسسها اليسوعيون سنة ١٧٢٨٬ ثم خلفهم فيها اللعازاريون سنة ١٧٨٣. وفي هذين القرنين أخذ المسيحيون في لبنان يتلقنون العلوم العربية، بعد أن تخلوا عن لغتهم القومية الأصلية، وهي الأرامية المسيحية أي السريانية.
ومنذ سنة ١٦٠٠، انشئت مطبعة، مشتراة من أوروبا، في دير مار انطونيوس قزحيا الماروني في لبنان الشمالي، حيث كانت تطبع مؤلفات سريانية وعربية، وبعد قرن من هذا التاريخ تأسست مطبعتان الأولى في حلب والثانية في دير شوير من أعمال لبنان الأوسط. أما في مصر، فأولى المطابع العربية جاءت مع حملة بونابرت الفرنسية سنة ١٧٩٨.
في القرن التاسع عاشر، دفعت نتاجات المفكرين اللبنانيين ومؤلفاتهم كثيرين من الشبان إلى الإقبال على حركة النهضة الفكرية، هذه الحركة التي كانت أساس النهضة العربية الحديثة. وبعد منتصف القرن التاسع عاشر، دأبت الشبيبة المسيحية على درس لغة القرآن الموقدسة والآداب العربية. فبرزت في هذا الحقل أسماء مشهورة وأنشأ عدد آخر من اللبنانيين الذين هاجروا إلى مصر الصحافة المصرية الحديثة، باعثة ومرشدة صحافة المستقبل في الشرق الأدنى.
في هذا الوقت كانت بيروت مركز حركة التعليم بجامعتيها: الأميركية (التي انشئت سنة ١٨٦٦) واليسوعية (التي انشئت سنة ١٨٧٥) ثم بمدارسها الثانوية. وقد أحدث تقدم التعليم في لبنان حركة واسعة في الطباعة والصحافة. فكانت المطابع في لبنان أهم مطابع الشرق الأدنى.؛ ولم تقل الصحافة فيه نشاطاً عن الطباعة.
وذا كانت فينيقيا في أوائل الألف الأول قبل الميلاد، قد نقلت إلى بلاد الاغريق، التي كانت قد هبطت إلى الحياة الهمجية بعد ١٢٠٠ قبل الميلاد، الأبجدية الفينيقية والحضارة الشرقية، فلبنان الحديث، في القرن التاسع عاشر للميلاد، إستعاد دوره القديم، ولكن بإتجاه معاكس، إذ أنه نقل إلى الشرق الأدنى، الذي كان قد سقط من جديد في الظلام، العلم والثقافة اللذين نهلهما من العالم الغربي.
لبنان
من الحرب العالمية الأولى
حتى الإستقلال التام (١٩١٤-١٩٤٦)
منذ بداية الحرب الأولى (١٩١٤-١٩٤٦)، ألغى العثمانيون، بعد انحيازهم إلى جانب ألمانيا، الإستقلال اللبناني الداخلي الذي ضمنته الدول الكبرى عامي ١٨٦١ و ١٨٦٤، فإحتل لبنان عسكرياً وعينوا عليه حاكماً تركياً (١٩١٥). ومنذ السنة الثانية للحرب، أحدث الضيق الذي نتج عن الحصار البحري الذي ضرب الحلفاء الفرنسيون والإنكليز على الدولة العثمانية، وعن سوء الإدارة التركية، مجاعة مروعة في لبنان، ذهبت بسكان مناطق بكاملها. وقضى انهزام الأتراك عام ١٩١٨ على الدولة العثمانية، فوضع الحلفاء المنتصرون يدهم على اراضيها الشاسعة وقسموها بين عدة دول.
وفي سنة ١٩١٨٬ تحرر لبنان من وصاية السلطنة العثمانية، التي قضى عليها إنتصار الحلفاء، فإستعاد حدوده الطبيعية، والتاريخية مع بيروت كعاصمة له. وفي عام ١٩٢٠٬ أعلن لبنان دولة مستقلة بإسم لبنان الكبير تحت وصاية فرنسا، التي عينتها عصبة الأمم كدولة منتدبة على لبنان وسوريا (١٩٢٠). وفي سنة ١٩٢٦٬ تحولت دولة لبنان الكبير إلى جمهورية تنعم بدستور ديمقراطي برلماني، في ظل الإنتداب الفرنسي.
وخلال الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥) نعم لبنان، الذي بقية مفتوحاً على البحر، بإزدهار إقتصادي كبير. وسنة ١٩٤١٬ أعلنت فرنسا الحرة إستقلال لبنان وإعترفت به الدول الكبرى. وسنة ١٩٤٥ حصل لبنان على مقعد في هيئة الأمم المتحدة، وهو أحد أعضاء المؤسسين لجامعة الدول العربية. وسنة ١٩٤٦ تم جلاء قوات الإحتلال الأجنبية (الفرنسية والبريطانية) عن الأراضي اللبنانية.
وكما في تاريخه القريب والبعد، لا يزال لبنان في أيامنا هذه، يلعن دوراً متفوقاً في الحياة الفكرية في الشرق الأدنى. ولا تزال بيروت، عاصمة لبنان السياسية والإقتصادية، مركزاً نشطاً في الحقل الثقافي العربي. وعلاوة على جامعاتها ومؤسساتها التعليمية وصحافتها ومعاهدها ومجامعها وجمعياتها الثقافية والعلمية والفنية ودور النشر فيها ومطابعها الحديثة إلخ، فبيروت هي أيضاً مركز إشعاع للثقافة، حيث يكتب فيها وينشر بجميع اللغات أدباء وشعراء ومفكرون وفلسفة ومؤرخون وعلماء لبنانيون وغير لبنانيين.
وكما في الماضي أيضاً، فإن لبنان، ولغته الوطنية هي العربية، منفتح كل الإنفتاح على جميع الثقافات الأجنبية، وبخاصة الغربية منها. وحياته الثقافية تقتبس من الغرب الكثير من عناصره، لكنها مع هذا تحافظ على طابعها الخاص وعلى اصالتها العريقة. فاللغات الأجنبية انما هي لغات ثقافية وسائل لا غنى عنها للتطور والتقدم. فموقع لبنان ورسالته في الشرق الأدنى حملا دائماً اللبنانيين عبر تاريخهم الطويل على التكلم وحتى على التثقف بلغة أجنبية عدة ولنتذكر أن فروض التلاميذ التي وجدت في أنقاض مدرسة في جبيل تعود لحوالي سنة ٣٢٠٠ ق.م. كانت مكتوبة باللغة الأم، أي الفينيقية، وبالغة البابلية. كما كانت اللغة المصرية تعلم أيضاً.
فالماضي يفسر الحاضر ويناور المستقبل.
الطابع المميز
للبلد اللبناني المعاصر
إن لبنان، بفضل موقعه الجغرافي، له ميدانان أو واجهتان، تجعلان منه بلداً برياً وبحرياً، شرقياً ومتوسطياً. وقد نتج عن هذا الاتجاه المزدوج توازن خاص، يكاد فريداً من نوعه.
فكون لبنان بلداً برياً قارياً ملتحماً جغرافياً بالشرق الآسيوي. فهو مشدود إلى هذا الشرق بروابط طبيعية لا يمكن تحطيمها. فمن هذه الناحية هو قاري شرقي وآسيوي. ولكونه، من الناحية الجغرافية والإقتصادية والثقافية والتاريخية. قطعة أساسية من الخارطة السياسية والعسكرية للشرق العربي، فهو أيضاً جزء مكمل لهذا الشرق. والتاريخ برمته، قديمه وحديثه، يشهد بأن لبنان عنصر لا غنى عنه من عناصر كل خطة سياسية أو عسكرية في الشرق العربي.
. ومقابل هذا، يتطلع لبنان إلى الخارج، إلى الأفق البعيد، منفتحاً على البحر الأزرق من خلال واجهته البحرية. تجذبه جواذب غير قارية، فينطلق بمغامراته البعيدة باتجاه ما وراء البحار. فلبنان الساحل هذا، المنفتح على البحر، التوسعي والإستعماري، الذي يتصل مباشرة بأفريقيا وأوروبا وأميركا، ينتمي إلى مجموعة حضارات حوض البحر المتوسط. هذه الحضارات هي أسلاف الحضارات الغربية الحديثة، التي أسهم لبنان، بطريقة مجدية، بتطويرها عبر الآلاف الماضية من السنين.
ومن جهة أخرى، نجد أن جوار لبنان للبحر، قد نمى بين ابنائه، كما في جميع البلدان المماثلة، طرازاً خاصاً من الحضارة والإقتصاد. أي مجتمعاً بحرياً تجارياً يتجه نحو التبادل الإقتصادي. وبالتالي يكون مفتوحاً للبضائع وللأفكار الواردة من الخارج: إن هذا النوع من المجتمعات هو متعاطف مع جميع البلدان، وهو ديمقراطي متسامح متحرر معتدل ومولع بالتقدم وبالحياة الفكرية والفنية.
ومقابل ذلك نجد أن الأقاليم القرية تعمل بين ابنائها لإنماء طراز من الإقتصاد والحضارة يختلف عن الطراز السابق ولربما يعارضه. ويتمثل هذا الطراز بمجتمع مغلق، قومي محض، يكره الأجانب إلى حد ما، ومنطو على ذاته. وما يوحد أفراد هذا المجتمع انما هو تضامن اتني متن، قومي، ديني، ثقافي وسياسي، تفرضه الدولة أو القبيلة، ويكون هذا المجتمع إقطاعياً، محباً للسلطة والسيادة. وهو توسعي عسكري محب للحروب والفتوحات، ثروته الوحيدة هي الأرض. والوسيلة الوحيدة لإنمائها انما هي الفتح، أي الإستيلاء على أراضي الغير.
وخلاصة هذه الملاحظات هي أن لبنان ليس بلداً متوسطياً بحرياً بوجه عام، كما ليس قارياً شرقياً كاملاً. وإنما هو مركب من العناصر المختلفة التي يتكون منها المجتمعان المذكوران معاً. وبهذه الميزة الخاصة، يمتاز لبنان عن كامل بلدان الشرق المتوسطي أو العربي التي هي بكليتها قارية تقريباً. وبفضل هذه لشخصية المزدوجة، نجد في لبنان مقدرة على مخالطة البلدان الغربية منها، فهذه تفوق مقدرة جميع شعوب حوض البحر المتوسط والغرب، لكون لبنان متصلاً جغرافياً وثقافياً بالعالم العربي، نراه قريباً من الجو العربي بطبيعته ونفسيته. وهذا الجو لا يدهش لبنان، ولو أنه يحمل لو غالباً بعض المخاوف.
إن العلاقات لبنان بالبلدان القارية، كما علاقاته ببلدان ما وراء البحار، هي علاقات إلزامية في الإتجاهين معاً، لكونها مفروضة عليه من خلال حاجات وجوده الحيوية، فالتدهور الإقتصادي وعدم الإستقرار السياسي في البلدان القارية يؤثران على إقتصاد مدن لبنان الساحلية وعلى حركاتها التجارية. كما أن إغلاق البحر من ناحية أخرى، يؤدي بقضاء محتوم، إلى إنهيار حركة المرافئ اللبنانية التجارية والسياحية وإلى خنق اقتصادياتها. وذا ما انحصرت موارد اللبناني بالمواسم الزراعية وحدها، ولأن مساحة أرضه الصالحة للزراعة ضيقة نسبياً، فعليه عندئذ أن يرضى بحياة إقتسدية متوسطة، كتلك التي كان يهرب منها غالباً، في الماضي كما في الحاضر، بهجرته إلى بلدان ما وراء البحار.
وينتج عما سبق ان الطابع الأصيل ما للنفسية اللبنانية يتاتى عن إختلاف العوامل الطبيعية لمحيطه الخارجي، وعن نمط الحياة الذي تفرضه هذه العوامل. وقصارى القول أن الموضوع هو موضوع مجموع متناقض، لكنه متماسك، يتجه في لوقت ذاته نحو القارة ونحو البحر، نحو الماضي كما نحو المستقبل. وبناء على ذلك، وعندما نتكلم عن وجه لبنان الحالي المزدوج وعن طابعه الأصيل ودوره الخاص، لا يكفي أن نفسر هذه القضايا وكأنها عبارة عن الوحدة السياسية لطائفته الكبيرتين، المسيحية والإسلامية، الواجهتان الجغرفيتان لهذا البلد الصغير، اللتان تنفتح واحدة منهما على البحر والعالم الغربي، والأخرى على القارة والعالم الشرقي، بالإضافة إلى المظاهر المعقدة التي يحدثها هذا الإتجاخ المزدوج في الحقول الإقتصادية والنفسية والثقافية والإجتماعية والسياسية،بإستقلال تام عن فكرة العنصر أو الدين، هذه جميعاً تفرض على اللبنانيين وحدتهم الإجتماعية والقومية والسياسية.
وفي النهاية، إن قسمات لبنان الطبيعية هي في أصل ثرواته البشرية. فالجغرافية انما هي التي مكنته من الولادة وأمنت بقاءه.. وفي هذا المجموع، لكن من الجبل والشاطئ دوره الخاص. فالجبل يضفي على البلد سمة ذاتيته الأساسية، فيكون الخلوة السياسية والعسكرية التي تولد الإستقلال.. والشاطئ ومرافئه وسهوله انما هي أساس اقتصاده.. الوحدة في التنوع.. الجو النفسي يتفق والجو الجغرافي. وإن في الإقتصاد أو في السياسة، نجد في كل مكان هذا الإنجذاب المزدوج، فهو كان محفوراً منذ البدء في الوضع الجغرافي.
الخلاصة
قصارى القول، إن لبنان الحاضر، كتكوين سياسي وقومي. انما هو وليد الجغرافية والتاريخ، فهو الحصيلة الحالية لتطور الشعوب التي عاشت في هذا البلد منذ زمان ما قبل التاريخ. وأرضه التي تؤلف فردية جغرافية طبيعية، عملت دون إنقطاع، خلال ألوف السنين الماضية ، لجعله كياناً جماعياً وإقليمياً متميزاً، مؤلفاً من مجتمع قومي وطني متجانس إلى حد ما، تحققت وحدته السياسية، غالباً، بإرادة الجماعات الطائفية والإجتماعية المختلفة التي تؤلف، بصرف النظر عن فكرة العرق أو الدين.
فالأوضاع الطبيعية والإقتصادية التي ألزمت سكان لبنان بنوع من الحياة والنشاط ووسمتهم بطابع خاص، قد ميزت هذا البدل عن باقي بلدان الشرق الأدنى، التي يعتبر جزءًا مكملاً لها. فلبنان دولة فتية انبعثت منذ زمان يسير إلى حياة الإستقلال. ومع هذا فهو من أقدم البلدان في العالم. إذ ولد من التاريخ منذ نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، في الزمان ذاته الذي ولدت في التاريخ فيه مصر ما قبل الفراعنة، ودولة أرض الرافدين السومرية، اللتان تعتبران مركزي أول التجمعات الزراعية والمدنية ومهدي أولى الحضارات التاريخية، الجدات القديمات لحضارات العالم الحديث.
ومنذ فجر التاريخ، وطوال التطور المتولي عبر ألوف السنين الماضية، تميز سكان لبنان (من كنعانيين، وفينيقيين، ومن هم قبل اللبنانيين واللبنانيين) بذاتية جماعية قوية ذات صفات نفسية خاصة وذات رسالة بجوهرها تجارية بحرية وروحية وثقافية، تربطها في خطوتها العامة قربى وثيقة بخصائص اللبنانيين الحاليين.
وكمعظم البلدان الأخرى، عرف لبنان عبر تاريخه الطويل حقبات من التجرؤ والكسوف شبه الكلي، حيث كانت تدوم حقبات هذه قروناً بكاملها، كان السكان يكابدون خلالها الدمار ويعانون العوز والإستعباد. ولكن ما إن كانت تزول تلك الظروف القاهرة، حتى كان سكان لبنان القدماء يعودون، بشكل واضح، لرسالتهم الموروثة عن الأجداد،وللطبائع المتميزة التي اتسموا بها دائماً عبر تطورهم الطبيعي السابق.
يلاحظ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي A. Toynbee أن اللبنانيين الحاليين ليسو خلفاء الفينيقيين بالمعنى الحصري للكلمة.. ومع هذا فإن الفينيقيين واللبنانيين الحديثين يمتلكون معاً تقليد ومؤهلات غاية في الأهمية. فكلاهما أفاد من ملجأ طبيعي _ أبحر للفينيقيين والجبل للبنانيين _ لكي ينصرفوا للأمل التجارية بكليتهم. وكلاهما انشاء إمبراطورية إقتصادية في الغرب، وكلاهما أقام في مستعمرات للتجار في جميع أنحاء العالم الغربي المعروف في أيامه.
ويقول المؤرخ الفرنسي رانا غروسه: إن فينيقيا (لبنان اليوم)، بواسطة الممر الطبيعي الذي يوصل بين طرابلس وحمص تتصل بلا شك بسوريا الداخلية. ولكنها تتطلع بأجمعها نحو البحر المتوسط ولا تحيا إلا للمتوسط وبه. وإن الجبل الذي تستند إليه فينيقيا، الجبل القريب، الجبل الذي تنحدر منه نحو البحر يقذفها إلى البحر…
إن مهارة الفينيقيين البحرية والتجارية تمخضت عن مواهب فكرية.. فبينما تجمدت الحضارات الكبيرة والمجاورة (البابلية والفرعونية) في الكتابات السماوية والهيروغليفية. فإن النبوغ الفينقي إبتكر الأبجدية منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد. ثم إن الحضارة الفينيقية مع الحضارة الإغريقية قد حررتا الإنسان كفرد وأظهرتا شخصيات تاريخية مستقلة تقريباً عن بيئتها وزمنها هانيبعل.. تامستوكل.. السيبياد..
وفي عصرنا الحاضر، إستأنف لبنان إرسال ابنائه على كافة الطرقات البحرية التي تتجه نحو الغرب. انهم فينقيو الزمن الحاضر. فهم لا يكتفون كأسلافهم الأقدمين بالهجرة إلى أفريقيا الشمالية، بل إن محلاتهم التجارية منتشرة في دكار وفي بلدان ما وراء المحيطات البحرية، التي هي مجال جديد لمهارتهم ومهارات أسلافهم التقليدية عبر العصور الماضية “٧”.
إن الشخصية اللبنانية المميزة، على غرار لبنان نفسه، هي ولدى جغرافية هذا البلد وتاريخه الطويل وهذه الشخصية المميزة تتصف بخواص أساسية: النشاط التجاري البحري، والنشاط الفكري والثقافي، والتمسك بالإستقلال والحرية الفردية.
ينتقد البعض اللبنانيين إستهزاء بأنهم فينيقيون، قاصدين بذلك نعتهم بالمركنتيلية، أي بروح تجارية جشعة وبالولع بالربح الماضي بشتى الطرق. وفاتهم أن الفينيقيون الأقدمين وخلفاءهم اللبنانيين الحاضرين، إذ يهتمون بالأمور الإقتصادية والمالية، فهم لا يهملون الأمور الروحية والفكرية والثقافية، كما يثبت ذلك نشاطهم ونجاحهم في كل هذه الحقول، إن في الوطن أو في بلدان الإغتراب.
يقول الكاتب الألماني المعروف اميل لودويغ، إن التاريخ مدينة أتينا (القديمة) يثبت نهائياً أن الشعوب يمكنها في وقت واحد أن تحب المال والفكر، التجارة والجمال.. إن مصادر حياتنا الروحية، جميعها تقريباً، مستوردة من اليونان ونادراً من روما.

جواد بولس

THE DISTINCTIVE PERSONALITY OF THE LEBANESE NATION
By Jawad Boulos

Like most of the countries of the word, Lebanon is the product of both geography and history, if is natural geographic individuality, in the midst of which lives and develops since no less than five thousand years a human group (people, nation, etc.) whose basic and distinctive national traits, be they physical or particularly psychological through heredity, are relatively permanent. Matters of race, language and religion which united individuals belonging to primitive societies (tribal nomads or semi-nomads) are in sedentary and evolved communities very secondary elements, and are unable to modify the essential national characteristics which constitute the veritable driving force of human undertakings. “Foreign races living together on the same land will finally with time be assimilated into one group”. (Schubart).
Lebanon is a high mountain open on the Mediterranean and situated at the crossroads of the highways of the old world’s intercontinental traffic. Like all high mountains, those of Lebanon develop in its inhabitants a sense of independence and of individual liberty. As to the sea, it develops in the peoples living on its shores, a taste for travel and adventure and contact with foreign countries and the exchange with them of ides and goods.
Lebanon’s vocation is, therefore, commercial, maritime and cultural: this particular character has constantly impressed the country Lebanon all through its long and normal historical evolution, through a historical process covering several millennia.
The French historian R. Grousset notes that: —- “Phœnicia (actual Lebanon) communicates no doubt with its hinterland Syria; but this does not hinder it from turning entirely towards the Mediterranean, and it does not live except for and by the Mediterranean. The mountain against which Phœnicia leans… the mountain from which it comes down to the sea, which, in fact, launches it towards the sea… The maritime and commercial agility of the Phœnicians manifested itself very early in an acute intellectual agility. That is how, whilst the great civilizations of neighboring countries had reached a standstill with their cuneiform script (Mesopotamia) and their hieroglyphics (Egupt), the Phœnician genius in the 15th century B.C. invented the Alphabet”. (La face de l’Asie, p.23 n25).
The original character of Lebanese psychology is, therefore, the product of the diverse natural conditions of its environment and of the type of life that these conditions determine. In short, we have a host of contradictory factors in play, which pull simultaneously towards opposite poles: some oriented towards the continent, others towards the sea, some towards the past and others toward the future. Furthermore, when we talk of the two facets of present Lebanon, is it sufficient to interpret this fact as being the expression of the political union of the two important religious communities of the country: the Christians and the Moslems. It is also determined by the double front occasioned by the geography of this small country of which one side has its eyes turned towards the sea, and the Western world, while the other side looks towards the continent and the Eastern world, with all the complex phenomena which such a double orientation may provoke in the country in the economic, psychological, cultural, social and political domains; all this independently of the influence of racial factors and religious ideas.
In conclusion, “the physical characteristics of Lebanon are the basics of its human resources. It is geography that permitted its birth and that ensures its perennity… In this unity, be it the mountains or the coast, each has its role. The mountain conveys to the country its fundamental trait of individuality; it is the political and military refuge and the driving force of independence… Economically, it is the coast with its ports and plains which are so essential… Unity in diversity. The psychic landscape corresponds to the geographic landscape. Be it in economy or in politics, we everywhere come across this double attraction: it was initially inscribed in the geography”.

قضايا وشوؤن لبنانية
جواد بولس
الشخصية البنانية
المميزة
إن الأسباب العامة التي حركة المجتمعات البشرية، وأثرت في تكوينها وتطويرها، عبر العصور، وفي تكييف شخصيتها المختلفة وتتميز كل وحدة منها عن الأخرى، تتلخص بالعناصر التالية: البيئة الجغرافية، والطبائع الأتنية، ومقتضيات الصراع من أجل الوجود. ولكن البيئة الجغرافية، المكونة من المناخ وطبيعة الأرض والموقع الجغرافي معاً، هي العامل الأول في هذا المجال.
لقد اسهمت البيئة الجغرافية البنانية، ولا تزال تسهم، في تكوين الشخصية الجماعية وإستمرارها بالنسبة لسكان لبنان وطبائعهم المميزة. كما أن البيئة الجغرافية، في معظم بلدان العالم، قامت وتقوم، بلا إنقطاع، بدور مماثل في تلك البلدان.
تقول المؤرخ الفرنسي سينيوبوس: Ch. Seignobos
“إن الأمة الفرنسية تأثرت بطبيعة أرض البلد الذي تكونت فيه والتي حددت نوع معيشة السكان، كما تأثرت بموقع البلد الجغرافي الذي أقر علاقات شعبه بالشعوب الأخرى في العالم”.
إن النصوص المصرية القديمة والأشورية – البابلية والتوراتية تثبت أن الخصائص الجسمانية والطبائع النفسية لكل شعب من شعوب الشرق الأدنى، في الماضي القديم، بما فيها سكن البلد البناني، تشبه، في معظمها، خصائص كل شعب من الشعوب التي تعيش اليوم في ذات بلدان هذه المنطقة. لذلك قيل “إن السياسة هي بنت التاريخ، والتاريخ إبن الجغرافية، والجغرافية لا تتغير”.
يقول العالم الفرنسي “بلانهول”: Planhol
” إن الجبل لبنان هو أعلى جبل في بلدان الشرق الأدنى، إذ يتجاوز علوه ٣٠٠٠ متر، كما هو الأكثر حظوة بالثروات المالية… وينعم، علاوة على هذا، باتصال مباشر بالبحر المتوسط، إذ تعلو سفوحه الموعرة خلجان الشاطئ ومرافئه…وهذا التابع المزدوج، الذي يجعل من لبنان الجبل العالي صنوا للإستقلال، ومن لبنان الجبل البحري إنفتاحاً على التأثيرات الخارجية، يفسر لنا كون لبنان دعامة لبناء سياسي من أقوى التكوينات السياسية في شرق الأدنى ومن أكثرها أصالة”.
على هذا الأساس، إن الشخصية البنانية المميزة قد كونتها البيئة الجغرافية البنانية المؤلفة من جبل شهيق مفتوح على البحر المتوسط. فجبل لبنان، ككل جبال العالم، ينشط عند سكانه روح الإستقلال والحرية والفردية. والبحر، وخصوصاً عندما يكون ممراً عالمياً كالبحر المتوسط، ينشط، عند الشعوب التي تعيش على شواطئه، النزوع إلى الأسفار والمغامرات والإتصال بالبلدان الغربية وتبادل البضائع والأفكار معها.
ففي مصر والعراق، حيث الأنهر الكبرى، النيل والفرات ودجلة، تروي أراضي خصبة وشاسعة الأرجاء، تتركز أسس المجتمع والإقتصاد والحضارة على النشاط الزراعي. ولما كانت أراضي البلد اللبناني لا تكفيه لسد حاجاته الغذائية من المنتجات الزراعية، فقد عوض عن ذلك بالتجارة البحرية مع العالم الخارجي.
لذلك نرى أن أحداً من شعوب جميع بلدان الشرق الأدنى، خلال تاريخها المديد، لم يحترف مهنة البحر. فلقد ظلت هذه المهنة، في هذا القسم من العالم، من إختصاص وإحتكار البلد اللبناني (الكنعانيين والفينيقيين في التاريخ القديم). وقد إقتسمج اللبنانيون والسوريون الأقدمون، أي الفينيقيون والآراميون، العلاقات التجارية مع الخارج. فإحتفظ الفينيقيون بالنشاط التجاري البحري، الذي امتد إلى بلدان البحر المتوسط كافة حتى إسبانيا والمغرب والبرتغال، واختص الآراميون (السوريون) بلنهسات التجاري البري، الذي امتد حتى الهند والصين، كما اثبتت ذلك الإكتشافات الأثرية في آسيا الشرقية، التي ابرزت كتابات آرامية قديمة.
إن التطور التاريخي الطويل للبلد اللبناني، الذي يبدأ في الألف الرابع قبل الميلاد، يقسم إلى شطرين أو حقبتين يمتد كل منهما إلى فترات عدة طويلة أو قصيرة: فالقسم الأول يشمل الحقبة البحرية أو الفينيقية، التي تمتد من الألف الرابع حتى الفتح العربي الإسلامي (٦٤٠ بعد الميلاد)، حيث كانت الحيات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في البلد اللبناني قائمة على إستقلال المدن الفينيقية وعلى نشاطها التجاري البحري والثقافي، باستثناء بعد الفترات حيث كان يتوقف النشاط البحري مؤقتاً لأسباب سياسية وأمنية. أما القسم الثاني فيشمل الحقبة القارية أو الإسلامية التي تمتد من الفتح العربي الإسلامي حتى أوائل القرن العشرين، حيث قامت حياة البلد اللبناني الإقتصادية، بصورة رئيسية، على النشاط الزراعي الريفي، باستثناء بعد الفترات، حيث كان يعود النشاط التجاري البحري إلى حين.القسم الأول
الحقبة البحرية أو الفينيقية (٤٠٠٠ ق.م. – ٦٤٠ ب.م.)
“إن التجارة البحرية والإستعمار هو حدثان كبيران في تاريخ العالم. فنحن نجد فيها أسلوباً للتوسع بمختلف كل الإختلافات عن الهجرة الجماعية وعن فتوحات التسلط… انها طريقة لفتح العالم دون فتوحات عسكرية”.(H. Berr)
١
النشاط التجاري البحري واستمراره
في الألف الرابع قبل الميلاد، ظهرت مدينة جبيل – ببلوس بنشاطها التجاري والبحري وبدورها البارز في هذا المجال: بحرياً كوسيط بان مصر وقبرص وكريت، وبريان مع سوريا والعراق والأناضول. وفي الألف الثالث قبل الميلاد ظهرت مدن صور وصيدا وأرواد وأوغاريت، وقامت هي أيضاً بالنشاط ذاته والدور نفسه مع كل بلدان البحر المتوسط والشواطئ الأوروبية والأفريقية للمحيط الأطلسي. وقد إستمر هذا النشاط البحري للمدن الفينيقية باتجاه الغرب، في الألف الثاني قبل الميلاد وزاد حجماً واتسعاً في الألف الأول قبل الميلاد.
وعلى أثر ما يسميه المؤرخون بغزوات “شعوب البحر والشمال” لبلدان الشرق الأدنى، حوالي سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد، تقلصت الأراضي الفينيقية، التي كانت تمتد على كل شواطئ لبنان وسوريا وفلسطين منذ الألف الثالث قبل الميلاد، فأصبحت، بعد ذلك الحين، تقتصر على الأراضي اللبنانية وحدها: أرض فينيقيا الكلاسيكية، أي البلاد البناني الحاضر.
وعلى أثر ذلك، غصت المدن الفينيقية اللبنانية بمجموعة كبيرة من اللاجئين الكنعانيين أو الفينيقيين التي أجلها الغزاة عن الشواطئ الفلسطينية والسورية الشمالية. فلحل هذه المشكلة الخطيرة، إتجه الفينيقيون، غداة سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد. نحو البحار البعيدة، مدشنين بذلك سياسة جديدة من التوسع الإقتصادي والبشري بالإسطيان في ما وراء البحار. وفي سنة ٨١٤ قبل الميلاد، تأسست مدينة قرطاجة في أفريقيا، حيث تقع بلاد تونس اليوم. وهكذا، فمنذ أوائل الألف الأول قبل الميلاد، قفزت فينيقيا إلى المرتبة الأولى على مسرح السياسة الشرقية والعالمية، واستمرت محافظة على هذا الدور قرناً عدة بعد ذلك التاريخ.
٢
الحياة الثقافية
(إكتشاف الأبجدية الفينيقية)
إن الحضارة الفينيقية، التي تطورت في الألف الثالث قبل الميلاد، تجلت بحلة أبهى في الألف الثاني. ففي النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، اكتشفت في مدينة جبيل الأبجدية الفينيقية، التي هي أم الكتابات الهجائية الحديثة جميعاً. ويقول علم الآثار الفرنسي “دينان” (Dunamd):
“إن الأبجدية الفينيقية “كانت أحد الإختراعات الإنسانية الأكثر كمالاً. فلقد صمدت، رغم جميع التطورات الحضارية، في علم راح، بعد أربعة آلاف سنة، يعيد النظر في مناهجه كافة”.
ويقول “بارو” Parrot: “إن إكتشاف الأبجدية هو أحد القاب الفخر للفينيقيين. فهي تضعهم في مصاف الشعوب التي اسهمت في تطوير الفكر والحضارة العالمية”.
ثم إن الفينيقيين نظراً لتمسكهم بشخصيتهم الإقليمية وذاتيتهم المميزة، استعملوا الإختراع الهجائي الجديد لنقل لغتهم الكنعانية الفينيقية، وهي لغة بلدهم فقط، وأهملوا اللغة المصرية، وهي لغة بلد وحضارة كبيرين، كما أهملوا اللغة الأكادية البابلية، التي كانت، انذاك، لغة الدبلوماسية” والتجارة الدولية.
إن هذا الحدث مهم. فهو يظهر أن فينيقيا ظلت تلك الشخصية الفريدة رغم تسلط اللغات القوية التي كانت تتقاسمها” (Dumand)
يضاف إلى ذلك ان الهجائية قد ولدت الكتاب، الذي كانت تصنعه جبيل من ورق البردى المستورد من مصر وتوزعه في عالم البحر المتوسط. ومن هنا تسميتها “بيبلوس”، من الكلمة اليونانية “بيبلو”، التي تعني “كتاب”، والتي كان الإغريق يشيرون بها إلى جبيل.
ومن جهة أخرى، فإن اللوحات التي اكتشفت سنة ١٩٢٩٬ في خرائب مدينة أوغاريت الفينيقية (رأم شمرا) قرب اللاذقية، والتي يعود تاريخ تحريرها إلى حوالي سنة ١٤٠٠ قبل الميلاد، وكانت تشكل مكتبة مدينة أوغاريت الفينيقية التي دمرت بكاملها حوالي سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد، كانت مكتوبة بأحرف هجائية لغتها ذات لهجة كنعانية فينيقية.
يقول المستشرق الفرنسي “بريون” عن هذه المكتبة: (Brion)
“إن القيمين عليها كانوا يلمون بمختلف اللغات المستعملة في رأس شمرا (أوغاريت)… فقد كان عليهم اىن يجيدوا ست لغات: الكنعانية والبابلية… والمصرية… والحثية… والفينيقية التي كانت مكتوبة بحروف هجائية”.
ويقول عالم الآثار الفرنسي “فيرولو” Virolieaud عن هذه المكتبة:
” كان يقول في عهد الروماني أن فينيقيا انجبت، منذ حرب طروادة (١٢٠٠ ق.م.)، مؤرخين وفلاسفة… ولكن من المؤكد على الأقل أن فينيقيا قد انجبت قبل حرم طروادة شعراء اكتشفت مؤلفاتهم حديثاً… في سوريا الساحلية وفي أنقاض مدينة كانت أسستها صيدون أو صور، وهي متروكة منذ ٣٠٠٠ سنة… ويلاحظ أيضاً أنه، بينما كانت مصر قد اقتبست الكثير من منجزات “الخيال” من فينيقيا، لا نجد هناك شيئاً مصرياً أو بابلياً في الأساطير أو الميتولوجيا الكنعانية إذا ما أخذنا بعين الإعتبار قصائد رأس شمرا”.
٣
الحياة الدينية
خلال الألف الثالث والألف الثاني قبل الميلاد، بقي ألدين الفينيقي محافظاً على الخصائص الكبرى التي تميزه. إلى أنه في نهاية الألف الأول قبل الميلاد، تأثرت فينيقيا بالتقلبات التي نتجت عن تغلغل النفوذ الهلنسي في جميع أنحاء الشرق الأدنى.
ويستدل من نصوص رأس شمرا أن الفينيقيين كانوا انقسموا بين أنصار الإله “ايل” وأنصار للإله “بعل”. وبعد زوال الوثنية، بآلهتها الكثيرة وأتباعها، خلفتها المسيحية في لبنان، وقد توزع سكانه في الإنتماء إلى طوائفها المتعددة. وبعد إنتشار الإسلام، أضيفت شيعه المختلفة إلى الطوائف المسيحية في لبنان. مما يفيد أن تعدد الطوائف الدينية في لبنان، كما هو الحال في الزمن الحاضر، ليس أمراً جديداً على هذا البلد بل أنه ظاهرة إجتماعية تنم عن روح الحرية والتسامح التي تحلى بها اللبنانيون في كل زمان.
٤
النظام السياسي:
ملكية مقيدة بمجلس شيوخ
بعد ١٢٠٠ قبل الميلاد، شهادة الأراضي الفينيقية ظهور أربع مدن مستقلة، هي، من الشمال إلى الجنوب: ارواد، جبيل، صيدا، وصور. وبما أن الإتصال مع الدخل السوري كان أشار على صور وصيدا وأرواد، فإن هذه المدن تفوقت على جبيل في حقلي الملاحة والتجارة. غير أن جبيل احتفظت بتفوقها الثقافي، بفضل دورها الديني الرئيسي كمركز لعبادة أدونيس ولصناعة الكتاب.
وكانت صور، بجذرتها، القلعة التي لا تقهر، وأصبحت المدينة الأولى في كنعان. وعلى الرغم من ذلك، فقد بقيت المدن الفينيقية مستقلة الواحدة منها عن الأخريات.
“وبفضل النقوش الكتابية، أصبح بإمكاننا تكوين فكرة واضحة عن طريقة سير الدولة الفينيقية. التي تكاد لا تتغير على مار العصور… فقد كان يحكم من بعد العائلات التي تدعى تحدرها من أصل الهي. كانت، إذاً، في فينيقيا، سلالة مالكة حقيقية، غير أن سلطة الملك كانت، على ما يبدو، مقيدة من قبل مجلس الشيوخ، يتم إختيار اعضاءه من بين أغنى تجار المدينة.
“وفي اواخر العهد الفينيقي، أصبحت لمجالس الشيوخ هذه سلطة تقارب سلطة الملك… كما أن هؤلاء الملوك كانوا، في الغالب، مستقلين بعضهم عن البعض الآخر. إلا أنهم كانوا يتحدون عند مقاومة الغزاة”.
وهكذا، نجد أن المدن – الدول الفينيقية كانت ترفض أن تنصهر كلهف دولة موحدة ومطلقة. فبقيت سيادة هذه المدن تجارية أكثر منها عسكرية، وبحرية أكتر منها برية، وأساسها الأول الحرية والإستقلال. وعلى خلاف باقي شعوب الشرق المعاصرة، حيث كان الملك ظ سلطة غير محدودة، فإن سلطات الملك الفينيقي كانت مقيدة بمجلس شيوخ، كثيراً ما كان يتخذ قرارات مخالفة لرأي الملك.
٥
الفينيقيون ينقلون الحضارة
إلى بلاد الإغريق
في الألف الأول قبل الميلاد، كان الاغريق أنفسهم يعترفون بأن الفينيقيين هم رواد نهضة الحضارة الهيللينية. فإذا عدنا إلا قصص الإغريق الأكثر شهرة وأمانة، نجد أن “قدموس” الفينيقي، إبن “أغينور”، ملك صور في فينيقيا، الذي ذهب للتفتيش عن شقيقته “أوروبة” لما خطفها الإله “زفس”، قد أسس مدينة “طيبة” في بلاد الإغريق، حيث نشر الأبجدية وعالم الإغريق فن حراثة الأرض واستغلال المناجم وصهر المعادن.
ثم إن هناك فلاسفة وعلماء عظماء ممن اعتبروا اغريقيين، لأن مؤلفاتهم مكتوبة باللغة اليونانية، هم، باعتراف الإغريق أنفسهم، من أصل فينيقي. ومن هؤلاء الفينيقيون الكبار. “طالس”، و”فيتاغورس” و”أوكليدا” و”زينون” و”موخوس الصيدوني” الذي إفترض المذهب الذري (قاعدة النظرية الذرية المعاصرة) وغيرهم…
٦
الفينيقيون واستعدادهم للحرم
دفاعاً عن حرياتهم
ومصالحهم الحيوية
لم يكن سكان فينيقيا رجال مل وأعمال وعلم وثقافة فحسب، بل كانوا مقاتلين، عندما كان يستوجب الأمر الدفاع عن بلدهم واستقلالهم وحرياتهم ومصالحهم الحيوية.
ثم أن علاقاتهم مع مستعمراتهم العديدة، المنتشرة على الشواطئ الغريبة للبحر المتوسط، كانت علاقات تجارية إقتصادية ثقافية عاطفية دينية، ولم تكن قط علاقات سياسية مفروضة بالقوة العسكرية. لذلك، فقد استمرت هذه العلاقات بين المستعمرات والوطن الأم بضعة قرون، حتى في ظل سيطرة الأجانب (الأشوريين والكلدانيين والفرس).
ففي سنة ٣٣٣ قبل الميلاد، زحف الملك اسكندر المقدوني على الإمبراطورية الفارسية، التي كانت تمتد من بحر إيجه والبحر المتوسط غرباً حتى الهند شرقاً، فقضى على الجيش الفارسي الجرار في معركتين، الأول في آسيا الصغرى (٣٣٣) والثانية في كيليكيا (٣٣٢). وكانت كل معركة تنتهي في بضع ساعات.
ولكن الحال تبدل مع الاسكندر عندما وصل إلا مدينة صور، عاصمة فينيقيا وأقوى قوة بحرية في المتوسط الشرقي، والمنافسة الكبرى للإغريق في النشاط البحري. فرفضت صور أن تفتح ابوابها أمام العاهل الغربي، الذي كان قد قضى بمعركتين على أعظم وأوسع إمبراطورية في ذلك العصر. فحاصر الإسكندر صور بذاته حصاراً دام سبعة أشهر إنتهى بتدمير المدينة تدميراً كلياً بعد قتال دام وعنيف ٩٣٣٢). إلا أن صور تمكنت من أن تنبعث سريعاً من انقاضها رغم الإجراءت السلبية التي أخذها الإسكندر ضدها، ذلك بفضل عتاد ومثابرة سكانها الذين كانوا قد اشتهروا بالصناعات منذ زمن طويل. لكن اسطولها وقوتها البحرية والمالية والسياسية لم يبق منها إلا الذكرى.
٧
المدن لفينيقية في عهد اليونان
والرومان والبيزنطيين ٩٣٠
(٩٣٣٠ ق.م. – ٦٤٠ ب.م.)
في العهد الذي تتابعت فيه الفتوحات في هذا الشرق، منذ الفتح اليوناني (الاسكندر) (٣٣٣ – ٦٤ ق.م.) والروماني (٦٤ ق.م. – ٣٣٠ ب.م.) والبيزنطي )٣٣٠ – ٦٤٠)، نعمة المدن الفينيقية باستقلال داخلي وبازدهار مرموق في حياتها الإقتصادية والثقافية والأمنية، بالرغم من السيطرات الأجنبية عل الأرض والبحر. ومنذ القرن الثالث بعد الميلاد، غدت بيروت حاضرة ثقافية كبرى ومركزاً لمدارس مهمة، كان ابرزها مدرسة حقوق شهيرة وصفت بأنها أحد أنشطة مراكز علم الحقوق في الإمبراطورية الرومانية.
وفي روما وباريس كان عدد الفينيقيين، في العهد البيزنطي، غفيراً، وكان نفوذهم مرموقاً في المراكز الكبرى وخصوصاً الكهنوتية، حتى وصل بعضهم في فرنسا إلا أسقفية باريس وأسقفية أورليان، حيث كانوا يلقون بعد مواعظهم بلغتهم السريانية (الآرامية المسيحية). وتبوأ البعض الآخر في روما الكرسي البابوي.
القسم الثاني
الحقبة القارية أو الإسلامية (٦٤٠ – ١٩٤٦)
بعد الفتح العربي الإسلامي (٧٣٥ – ٦٤٢)، حل محل فينيقيا، أو بتعبير أصح حل محل لبنان البحري، لبنان آخر، هو لبنان الجبلي، المنعزل عن البحر والمتراجع إلا حياة إقتصادية ريفية الأساس، بسبب تجميد كل نشاط بحري من الخارج في جميع المرافئ والمدن البحرية للدولة العربية الجديدة. واستمر هذا الوضع عموماً حتى أوائل القرن العشرين، باستثناء بعد الحقبات حيث كان النشاط البحري ينبعث بصفة مؤقتة نسبياً.
١
سكان لبنان يرحبون بالفاتحين العرب
ثم يقاومونهم (٦٣٥ – ٦٦٦ م.)
إن الفتح العربي الإسلامي، الذي راعى، في البدء، المصالح الإقتصادية لشعب فينيقيا المسيحية، لاقى الترحيب من قبل الفينيقيين المسيحيين. فقد أتاح الفتح لهؤلاء توسيع نطاق نشاطهم البحري في المتوسط الشرقي، الذي كان وفقاً على البيزنطيين، كما أتاح لهم تنمية العلاقات التجارية، بطريق البر، مع البلدان الآسيوية، التي أصبحت تنتمي، مثلهم، إلى دولة وحدة، هي الدولة العربية الإسلامية، المتخذة من دمشق عاصمة ايها، والتي كانت سيطرتها تمتد، شرقاً إلى حدود الهند.
وتحت تأثير الأوسط الإقتصادية المسيحية في مدن الساحل، وإرثة التقاليد البحرية والتجارية الفينيقية، صمم الخليفة معاوية (٦٦١ – ٦٨٠)، وهو الممثل لشعب صحراوي بري ليست له أية خبرة بحرية، على مواجهة العدو في البحر، أي في المجال المنبع لهذا العدو. وبهذا الدفع، قام بإنشاء أسطول بحري عربي قام ربابنته وملاحوه من الشعوب المسيحية اللبنانية.
“وهذا الأسطول الفتي، الذي كان يعد، كما يروي المؤرخون العرب، ألفا وسبعمئة قطعة، كان بقيادة لبنانيين وسوريين معظمهم من المسيحيين”.
حوالي ٦٦٠، بعد أن أقام العرب بحملات برية عدة في آسيا ال؛صغرى، راحوا يستعدون لمهاجمة القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. ولتلافي هذا الخطر، قرار البيزنطيون خلق المشاكل للعرب في السوحل السورية اللبنانية. فاتجهوا نحو سكان جبل لبنان، نظراً للأهمية البحرية لبلادهم المشابهة لقلعة جبلية. وإذ رأى اللبنانيون المنعزلون في مرتفعاتهم أن التدخل العسكري من جانبهم ضد العرب قد يفتح له طارق البحر، استجابوا لدعوة بيزنطيا، التي ارسلت لهم مدداً من المحاربين، هم الجراجمة أو المردة، قبائل مسيحية محاربة من جبل طورس الشرقي.
وحوالي ٦٦٦٬ قام الجراجمة، الذين بلغت مجموعتهم عدة آلاف من الرجال، قد احتلوا كامل المنطقة الممتدة من جبال طورس حتى فلسطين، وسيطروا على جميع قمم جبل لبنان، فانضمت اليهم جماعات كثيرة من سكان الجبل اللبناني والبلدان والمجاورة، خصوصاً الموارنة. ولكي يوقف الخليفة معاوية هذه الحركة الخطرة، دخل في محادثات مع الإمبراطور قسطنطين بوغوناتا، انتهت بإتفاق يتعهد بموجبه العاهل العربي بدفع ضريبة سنوية للعاهل البيزنطي.
وفي زمن الخليفة عبدالملك إبن مروان (٦٨٥ – ٧٠٥)، إضطر هذا العاهل إلى عقد إتفاق مع الإمبراطور يوستينيانوس الثاني تخلى بموجبه عن نصف خراج قبرص وأرمينيا للأمبراطور الذي سحب من لبنان إثني عشر الفن ن الجراجمة أو المردة التي بقيت في لبنان، فقد اندمجت بالسكان المسيحيين المحليين وبنوع خاص بالموارنة.
٢
إحتجاب فينيقيا عن البحر وانقطاعها
عن بلاد الغرب
وفي سنة ٧١٨ م. قناة بيزنطيا قد اعادت بناء قوتها البحرية والعسكرية. فدحرت الجيش والأسطول العربيين الذين كانا قد عادامن جديد لحصار القسطنطينية، وتمكنت من إعادة سيطرتها على شواطئ آسيا الصغرى.
فمنذ ذلك الحين، غدا البحر، الذي سيطر عليه تماماً العدو البزنطي، محظوراً على رعايا الدولة العربية الذين لم يعد بإمكانهم الإتجار مع الأعداء. فانقطعت المواصلات البحرية بين الشرق والغرب انقطعن شبه تام، وأصبح هناك حضارتان مختلفتان ومتباغضتان، هما الإسلام والمسيحية، منتشرتان على شواطئ البحر المتوسط، بعد أن كانت هذه الشواطئ مفتوحة منذ فجر التاريخ لجميع الأمم والشعوب. وأصبحت الدول الإسلامية، التي تولت من ذاك الزمان حتى أوائل القرن العشرين، في نزاع يكاد يكون دائماً مع القوة الأوروبية. فالبحر المتوسط كان يعتبر منطقة معادية للعالم الإسلامي ولأتباع دوله، وكان محظوراً عملياً على تجارتهم وأسفارهم. فقد كانت السفن البحرية وحدها أو سفن القراصنة هي التي تقوم بمخاطرة الإبحار فيه.
يقول البارخ البريطاني أرنولد توينبي (A. Toynbee)
“منذ الفتح العربي، فقدت موانئ البحر المتوسط نشاطها التجاري مع الغرب. وغادة الشاطئ المتوسطي للبرزخ السوري جبهة عسكرية بين الإمبراطورية الأموية والإمبراطورية الرومانية منذ فشل المحولين الأمويتين لفتح القسطنطينية”.
وغدت فينيقيا جبهة حرم بين الإسلام والمسيحية. وهكذا شل النشاط التجاري تماماً منذ ذلك التاريخ، وغدت المدن أهلوها إلى الجبل أو إلى الخارج، مخلفين وراءهم قرى خاملة الذكر. وأصبحت المدن السورية الداخلية، كمحطات للطريق البرية الكبرى بين العراق ومصر، تتمتع بنشاط إقتصادي محدود نسبياً، إذ إن ازدهارها تراجع نتيجة إضطراب الحياة الإقتصادية المتوسطية وخراب المدن البحرية اللبنانية. وبرزت الإقطاعية، فاستقرت في بلدان الشرق الأدنى كنتيجة حتمية للتقهقر الإقتصادي الذي عام هذا القسم من العالم.
٣
ظهور لبنان الجبلي على المسرح التاريخي:
جبل لبنان موطن الحريات وملجأ الأقليات
كان جبل لبنان، قبل الفتح العربي، موطناً لبعض الجماعات المسيحية، التي كان يرأسها زعماء وطنيون يخدعون للإمبراطور البيزنطي. وقد تركهم العرب على هذه الحالة، مكتفين منهم بتبعية إسمية رأوها أفضل لهم من الفتح العسكري لبلاد أولئك الجبلين الشديدي المراس.
وعندما حرمت المودم الفينيقية من نشاطها البحري بعد الفتح العربي، وتقهقرت إلى مستوى قرى عادية، إتجه سكانها إلى استثمار القسم الجبلي من البلاد. وبسبب تكاثر عدد سكان الجبل عقب النزوح الكبير من المدن نحوهم، بدأوا يعملون لزيادة انتاجهم الزراعي بالإعتماد على الزراعة الكثيفة. فتغير معها الدور التاريخي القديم، وبدل النشاط التجاري البحري، الذي كم لهذا البلد طول الأزمة السابقة، أصبح النشاط الإقتصادي الزراعي الريفي هو الذي سينال إهتمام الأهلين طوال القرون المقبلة التالية. وفي هذه الحقبة الطويلة، تحول اللبناني من التاجر إلى قروي فلاح أو رع، وفي الوقت ذاته إلى جبلي محارب مهيأ للدفاع عن أرضه وحريته وعقائده.
“نكرر، أن الجبل هو أساس وجود البلد اللبناني (قبل وبعد الإسلام). فهو الذي أعطى هذا البلد السمة الجوهرية لذاتيته، وهو الحصن السياسي والعسكري الذي يولد الإستقلال والحرية ولذي أصبح، بتطور طبيعي، ملجأ دينياً”.
مع أنا إسم لبنان، وهو لفظ سامي يعني “البياض”، قد استعمل منذ الألف الثالث قبل الميلاد كتسمية لمجموعة القمم الجبلية العالية التي تنحدر نحو الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، فاسم جبل لبنان، منذ الفتح العربي، انحصر بالمناطق الجبلية التي كان يسكنها المسيحيون الموارنة. فالمنطقة الوسطى، التي اقامت فيها أكثرية التقافة الدرزية، كانت تحمل في القرن الحادي عشر إسم “جبل الدروز” أو الشوف. ولم تحميل مجموعة المناطق الجبلية في شمالي البلاد وفي وسطها إسم جبل لبنان إلى بعد الإستقلال الذاتي لجبل لبنان سنة ١٨٦١. أما الجزء الجنوبي من الجبل، حيث يقيم الشيعة (المتاولة) فقد كان يعرف باسم “بلاد بشاره” أو “جبل عامل”.”.
فمنذ الفتح العربي، غادة لبنان ملجأ للأقليات الباحثة عن الحرية والأمن، مهما كان الإنتهاء الديني لتلك الأقليات، مسيحية وغير مسيحية، وسواء أكانت من المواطنين الأصليين أو من المهاجرين القادمين ن البلدان المجاورة، فكانت تلقى فيه ملاذاً لها وبذلك أصبح لهذا الجبل شخصية متفردة سياسياً وقومياً، ولا تزال لو حتى الآن. وقد بدأ تطور الشخصية الجماعية لسكن الجبل اللبناني منذ الفتح العربي، واستمر دون توقف، بين يسر وعسر، حتى إنحلال الدولة العثمانية سنة ١٩٢٠، إذ أعيدت إلى الجبل المدن البحرية والمناطق البرية التي كانت معه في العهود الفينيقية القديمة.
عامل العباسيون لبنان، كما عاملوا سوريا وفلسطين ومصر، معتبرين هذه البلدان مناطق مفتوحة بالحرب. في سنة ٩٥٧٬ وبسبب الطغيان وظلم الولاة، إضطر مسيحيو لبنان إلى حمل السلاح، منتهزين فرصة وجود قوة بيزنطية في منطقة طرابلس. فثار جبليو منطقة المنيطرة، شرقي جبيل.
“فاستولوا على قرى البقاع ثم زحفوا على بعلبك. وقد وقعوا في كمن…ودحروا إلى الجبل وقبض على العصاة في قراهم، وتم تشريد معظم اللبنانيين في الأرض السورية. فأثارت هذه الأعمال الجائرة إحتياجات الإمم الأوزاعي فقيه بيروت الشهير”.
٤
عهد الأمراء أو الصليبيين
فتح الموانئ اللبنانية للتجارة الأوروبية
(١٠٩٨ – ١١٩١)
“إن التجزئة السياسية لسوريا وتعدد المذاهب الدينية،… فتحا الباب على مصراعيه للغزو الأجنبي. وكان الشعب، الذي عانى من الظل والفقر طوال قرون عدة بسبب الجور العباسي والفاطمي والسلجوقي التركي، لا يبالي عند تبادل من يسوده. ففي تلك الحقبة التي انتهت بنهاية القرن الحادي عشر،كان المغامرون الغرباء والمرتزقة الأتراك والبربر يحتلون المسرح… وجميعهم في حرب بعضهم ضد البعض الآخر، يحاولون التوسع على حساب جيرانهم… كانت الأرض الصالحة للزراعة تخص الإقطاعيين العسكريين من الأتراك السلجوقيين ومن أمراء التركمان… وبهذه الطريقة إنتقل أفضل الممتلكات السورية إلى أيدي المغامرين الغرباء، الذين كانوا يتدافعون لجني الثروة عل حساب البلاد وموطنها الأساسيين”.
ومن جهة أخرى، ففي الفترة التي نحن بصددها، كان الدين، كما رأيناه، يمثل القومية والوطن. وكانت كل من الجماعات الطائفية المختلفة، الإسلامية والمسيحية، تعتبر نفسها غريبة عن الأخرى، بل وعدوا لها.
ففي هذا الزمن، كانت الشعوب الإسلامية في سوريا ولبنان وفلسطين، بأغلبيتها الكبرى، مؤلفة من عناصر شيعية خاضعة لمتسلطين سنيين غرباء الأصل هم الأتراك السلجوقيون، الذين أتوا حديثاً من آسيا الوسطى فاعتنقوا الإسلام وتبنوا المذهب السني.
أما المسيحيون، الذين كانوا يشكلون في هذه البلدان اقليات هامة، فكانوا رعايا للسلطان السلجوقي، ولكن، بسبب دينهم، كانوا رعايا من الدرجة الثانية ومستبعدين سياسياً. وفوق ذلك، فأن الدين المسيحي قرب بين المسيحيين الشرقيين وبين الفرنج نظرائهم في الدين.
فعندما امتدت الموجة الصليبية الأولى نحو الجنوب بعد انتزاع أنطاكيا من أيدي الأمراء الأتراك السلجوقيون (١٠٩٨)، استقبلت، في البلدلة اكتسحتها، بلا مبالاة من جانب الشيعة وبمعطف من جانب المسيحيين.
وخلال سيطرة الصليبيين (١٠٩٨ – ١٢٩١)، أعد الفرنج ” فتح الموانئ للتجارة الأوروبية… وكان هذا الحدث، كما يقول المؤرخ دينان، بدء ازدهار كبير دم قرنين”… وكانت الملاحة بيد الجاليات التجارية الغربية وعلى الأخص الإيطالية، فعادت موانئ طرابلس وصور وعكا، وكأنها في العهد الفينيقي، مخازن لجميع تجارة الشرق. هذا الإزدهار عام جميع سكان البلاد، الفرج أولاً ثم سكان البلاد الأصليين، من مسلمين ومسيحيين على السواء.
٥
عهد المماليك (١٢٥٠ – ١٥١٧)
بعد زوال سيطرت الفرنج، خلفتها، في لبنان، سيطرت المماليك. والمماليك يتحدرون من أصول أجنبية، معظمهم من الأتراك والشركس المسلمين السنين الذين اعتنقوا الإسلام في سن مبكرة. وكانوا يربون بعناية ويصنفون في مراتب منظمة، حتى اصبحوا جيشاً شديد السطوة. وفي سنة ١٢٥٠، انقلب زعيمهم على أسياده الأيوبيين واستولوا على السلطة وأصبح سلطاناً على مصر وسوريا.
ظل لبنان، الذي لم يحتله المماليك عسكرياً، ملجأ، كما في السابق، لمختلف الأقليات في المنطقة. وكان له نظام خاص. وقد بقيت جماعاته الطائفية المختلفة تحتفظ كل منيحة برئيسها المحلي المستقل داخلياً والطبع للنائب المملوكي المكي في طرابلس أو دمشق،
وفي عهد السلاطين المماليك، وعصمتهم القاهرة، ازداد تقهقر مددن الساحل اللبناني، بفعل الحروب وأعمال التخريب التي أدت إلى الطرد النهائي للفرنجة، فعمها انحطاط تام. ويقول “لامنس” اسمه بالفرنسية: Lammens
“إنه خوفاً من عودة عدائية يقوم بها اللتين، تام تخريب الساحل اللبناني بصورة منظمة. فدمرت الحصون وأجلي السكان إلى الداخل أو هاجروا إلى قبرص”.
لكن العلاقات التجارية بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، التي كانت منقطعة تماماً منذ إجلاء الفرنجة، ما لبثت أن استؤنفت من جديد. فالمماليك كانوا واقعيين، وبسبب حاجاتهم للمال، شجع الغربيين على التعامل مع بلاد الشرق. وكانت الإسكندرية وبيروت مركزين لهذا النشاط التجاري، وبدئ ايطاليون وفرنسيون واسيان يعودون بالتدريج للتعامل مع بلاد الشرق. ثم عاد التمثيل القنصلي إلى الظهور، وسبحت بيروت ملتقى لشعوب المتوسط.
جواد بولسJawad Boulos
La personnalité distinctive de la nation libanaise
L’auteur poursuit, dans ce deuxième article, son analyse historique des principaux traits de la personnalité spécifique de la nation libanaise ; Après avoir rappelé que le Liban, création de la géographie et de l’histoire, représente une individualité naturelle à l’intérieur de laquelle vit et se développe, depuis plus de cinq mille ans, une collectivité humaine dont les caractères distincts sont relativement permanents, et que la montagne libanaise développe chez ses habitants le sentiment de l’indépendance et de la liberté, alors que son ouverture sur la mer développe le goût pour les voyages, les aventures et les échanges des idées et des marchandises avec le monde extérieur, il montre comment cette vocation commerciale, maritime et culturelle a constamment marqué le Liban tout au long de sa longue évolution historique, laquelle commence au quatrième millénaire avant notre ère et se divise en deux parties distinctes :
1. La période maritime ou phénicienne, qui s’étend du quatrième millénaire (avant J.-C.) jusqu’à la conquête arabe islamique (640 après J.-C.), et au cours de laquelle la vie sociale, économique et politique du pays libanais était basée sur l’indépendance des villes phéniciennes ainsi que sur leurs activités commerciales, maritimes et culturelles florissantes ;
2. La période continentale ou islamique, qui s’étend de la conquête arabe islamique jusqu’au début du XXe siècle, et au cours de laquelle la vie économique était essentiellement dominée par des activités agricoles rurales, avec, de temps à autre, une reprise intermittente de l’activité commerciale et maritime.
La conclusion que l’auteur réaffirme dans ce deuxième article est que les traits physiques du Liban, cette haute montagne ouverte à la Méditerranée, son à la base de ses fortunes humaines, que la montagne et la côte ont chacune leur rôle… unité dans la diversité, que le paysage psychique correspond au paysage géographique et que cette double attraction se retrouve dans les différents domaines de la vie économique et politique de la nation.

20150410_211358