Ar     En
جريدة العمل 6 أيلول 1982

جريدة العمل 6 أيلول 1982

جواد بولس معرّفاً عن جديده في مؤتمر صحافي :

كتابي يحلّل اسباب عدم استقرار المنطقة و تحوّلاتها المهمّة

المؤرّخ هو طبيب المجتمع السياسي و الاقتصادي و الثقافي و النفسي

عقد المؤرّخ جواد بولس مؤتمراً صحافياً عند العاشرة من قبل ظهر أمس عرف فيه عن كتابه الجديد و التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام .

حضر المؤتمر الأباتي بولس نعمان رئيس عام الرهبنة المارونية ، و المدير انطوان صيفي ، و امين سر عام الرهينة اللبنانية يوسف محفوظ و الدكتور شارل مالك ، و الاستاذ ادوار حنين و الأب انطوان ضو و مجموعة من الادباء و رجال الفكر و الصحافة .

قدم المؤتمر الاستاذ ادوار حنين ، فألقى الكلمة الآتية :

جواد بولس،
الذي دعاكم، اليوم، ليقدم إلى اللبنانيين، على يدكم، كتابة الجديد في موضوع “التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الأدنى، منذ الإسلام”.
ولد مع القرن العشرين، في السنة ١٩٠٠، وهو يتمتع بصحة قد لا يتمتع بمثلها القرن العشرين بالذات.
جواد بولس
من عائلة شمالية زغرتاوية من العائلات الخمس الكبيرة.
جده كان قائداً، ولا يزال: لعشيرته (آل المكاري)
مارس المحاماة: فانتخب، بالإجماع، مرتين نقيباً للمحامين في الشمال.
ومارس السياسة: فانتخب نائباً عن زغرتا، وعين وزيراً للخارجية في حكومة الثلاثاء: أيوب تابت، خالد شهاب، وهو.
وإذا بعد عشرات السنين يضع، بالفرنسية، موسوعة من خمسة أجزاء في موضوع: “شعوب الشرق الأدنى وحضاراته” الذي استحق له شهرة دولية بين المؤرخين العالميين.
ثم وضع بالعربية كتابه: “لبنان والبلدان المجاورة”.
إلى أن وضع الكتاب الذي نحن بصدده، الآن.

وأضاف أدوار حنين:

جواد بولس
نظر إلى التاريخ، على طريقة هيرودوس وابن خلدون، كعله وكفلسفة.
الأمر الذي قاد خطاه إلى استخلاص الثوابت التاريخية التي هي منارات منقذة في الأمم والشعوب. والتي بدون أضوائها تظل الحوادث الجارية متقطعة الصلة بين ما سبب حدوثها، وبين ما ستسبب، بدورها، من حوادث.
في كل ما قرأت من المواضيع التاريخية، القديم منها والحديث. كتاب واحد يمكن أو يتميز عن كل ما كتب في التاريخ كفلسفة وعلم وهو كتاب “ثوابت التاريخ، لرينيه غروسيه.
وهناك موسعة: واحدة للويس مادلان في الثورة الفرنسية.
والثانية في موضوع الإمبراطورية النابليونية الفرنسية لجاك بانفيل.
هاتان الموسوعتان يتساويان، من حيث القمة التاريخية، مع موسوعة جواد بولس.
أما الكتاب الذي يطرح عليكم الآن فمتميز، في الشرق، عن كل ما سبقه في موضوعه. وكاد يكون متميزاً، في العالم، عن كل ما صدر في موضوع الشرق الأدنى.
ويوم تقرأونه تحكمون.

والكلمة الآن إلى الاستاذ جواد بولس

“أشكركم جميعاً على تلطفكم بحضور هذا الإجتماع الثقافي، وخصوصاً الزملاء الصحافيين، الذينسيتولون نقل وقائع هذا المؤتمر الصحافي الى القراء .
إن وصفي الصحافيين بالزملاء ليس ناتجاً عن زلة لسان او قلم ، ان هذه التسمية ، في نظري ، تعبر عن حقيقة واقعية راهنة .
أولاً انني أحد أفراد اسرة مجلة ” الفصول اللبنانية ” و أحرّر فيها مقالاً رئيسياً منذ صدور العدد الأول منها .
ثانياً إنني اعتبر أن مهنة المؤرّخ و مهنة الصحافي تتشابهان ، اذ تجمعان أحداثاً و أخباراً و تتوليان وصفها و تحليلها و عرضها كتابة على القرّاء .
مع فارق ان المؤرّخ يهتم بالأحداث الماضية ، و الصحافي بالأحداث الحاضرة .
على أي حال ، فالتاريخ أي الماضي ، و السياسة اي الحاضر ، يتفهم احدهما الآخر . فرجل السياسة، كالصحافي، لكي يفهم حقيقة الحاضر ، عليه ان يتفهم الأسباب التي يعود أصلها ، في معظم الأحيان، الى الماضي البعيد او القريب ، اي الى التاريخ . كما ان المؤرّخ ، لكي يفهم الحاضر اي السياسة و تعقيداتها ، عليه ان يبحث عن الأسباب العميقة أي الثوابت التاريخية التي وراء الأحداث الحالية و تعقيداتها السياسية. و هذا ما يؤمنه للقرّاء كتابي الجديد .
ان المؤرّخ جواد بولس ، الحاضر بينكم الآن ، لم يكن مؤرّخاً في البدء ، لولا ان السياسة العملية دفعته دفعاً الى التعمّق في علم التاريخ .
وُلدت في زغرتا ، من أعمال لبنان الشمالي ، السنة 1900 ، في بلدة و أسرة ساهمتا فعليّاً مع الغير من اللبنانيين في عهد الدولة التركية العثمانية و بعد هذا العهد ، في ساحات القتال و غيرها من أجل الحرية و الاستقلال في لبنان .
بدأت نشاطي في الحياة الاجتماعية كمحام ، السنة 1923 ، مسجلاً في نقابة محامي طرابلس و لبنان الشمالي . ثم انتخبت نقيباً للمحامين مرتين ، الأولى في دورة 1932 _ 1933 و الثانية في دورة 1938 _ 1939 .
دخلت المجلس النيابي ، كنائب عن الطائفة المارونية وعن لبنان الشمالي ، السنة 1937 . هذا المجلس الذي صارتعليقه ، السنة 1939 ، من قبل المفوض السامي الفرنسي بحلول الحرب العالمية الثانية . و في آذار من السنة 1943 ، عُيّنت ، عن الطائفة المارونية ، وزيراً للخارجية و الاشغال العامة و الصحة و الاسعاف العام ، في حكومة ثلاثية مكلفة اجراء الانتخابات النيابية و إعادة الدستور اللبناني المعلق و السير بالبلاد نحو الاستقلال. الا أن حكومتنا استقالت في تموز 1943 لأسباب سياسية يعرفها كثيرون .
و في السنة 1945 ، و رغبة مني بالتعمق علميّاً في معرفة الأسباب الحقيقية و الخفية للمشاكل السياسية الكبيرة في بلدان الشرق الادنى ، و لبنان منه و فيه ، و طرق معالجتها بصورة ناجحة ، تركت المسرح السياسي و السياسة العملية و تخليت عن مهنة المحاماة ، و انصرفت كليّاً الى الدرس و التأليف ، في تاريخ شعوب الشرق الادنى و حضاراتها قبل الاسلام و بعده . ذلك ان التاريخ هو سياسة الماضي . و سياسة الحاضر هي تاريخ المستقبل .الخلاصة ان حياتي السياسية الماضية هي التي قادتني نحو التعمق في علم التاريخ .
إن الأحداث السياسية الكبيرة ، الداخلية و الخارجية ، التي عرفتها بلدان الشرق الادنى و منها لبنان ، منذ سقوط الدولة العثمانية السنة 1918 ، احتلالات و سيطرات و انتدابات أجنبية فضلاًعن ظهور دولة غربية بالقوة في فلسطين ، استقلالات و نزاعات و ثورات و معارك و حروب دامية و شبه دائمة ولّدتها هذه الأحداث المؤلمة ، ليست ، كما يشهد التاريخ النزيه ، سوى تكرار لأحداث مماثلة حصلت مراراً في هذه البلدان خلال العصور الغابرة ثم زالت مع الزمن . و بقي هذا الشروق لابنائه الأصليين و للذين اندمجوا معهم في حضارة مشتركة .
و انتقل الآن الى الموضوع الذي من أجله دعيتم أي الى الكلام ، بصورة مختصرة ، عن كتابي الجديد .
ان الدافع العميق الذي حملني على وضع هذا الكتاب و اصداره هو هو الذي حملني ، في الستينات ، على كتابة مؤلفي ، باللغة الفرنسية ذي الخمسة اجزاء ، و عنوانه :
” شعوب الشرق الادنى و حضاراتها ” ، هذا المؤلف الذي لقي رواجاً واسعاً في البلدان الأوروبية و الأميركية ، و الذي قدر أهميته عدد كبير من المؤرّخين و اساتذة الجامعات الأجنبية و بالأخص الجنرال ده غول و المؤرّخ و الفيلسوف البريطاني ارنولد توينبي ، الذي كتب مقدمته ، و هي المقدمة الوحيدة التي كتبها توينبي لغير مؤلفاته الشخصية .
و أذكر هنا بعض ما قاله توينبي عن مؤلفي ، في مقدمته المذكورة :
. . . ” كان الفضل ، في معظم التآليف الحديثة عن تاريخ آسيا الغربية . لمؤلفين أوروبيين أو أميركيين ، الى ان صدر آخر الأمر تاريخ دباجته براعة علاّمة موطنه لبنان ، باب هذه المنطقة التي هي في الصميم من العالم المتحضر . . . كما ان السيد بولس كشف عن وجود عوامل ثابتة جغرافية ، كانت أو نفسية ، تتوقف فيما بينها من خلال جميع مظاهر التغييرات الطافية على صفحة الحياة ” .

و بعد ان اطلق على المؤلف لقب مؤرّخ ، و هو ضنين في اطلاق هذا اللقب . ختم مقدمته بالعبارة التالية : ” إن القرّاء العرب و القرّاء الغربيين يتعلمون كثيراً من مطالعة هذا الكتاب ” .
( أرنولد توينبي 13 أيار السنة 1957 ) .
و في بعض ما قاله ده غول عن مؤلفي المذكور في رسالة : ” و إني لقادر كون هذا المؤلف ، الذي سيلقى رواجاً كبيراً ، قد كتب باللغة الفرنسية ” ( شارل ده غول . باريس 18 تشرين الأول 1961 ) .
أما كتابي الصادر باللغة العربية و عنوانه ” لبنان و البلدان المجاورة ” . و الذي أعيد طبعه السنة 1973 . فهو تاريخ مقارن للبنان و سورية و فلسطين ، منذ الأصول حتى اليوم يبقى الحديث عن كتابي الجديد ، و عنوانه ” التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الأدنى منذ الاسلام ” و الذي تولت اصداره ” دار عواد للطباعة و النشر في بيروت ” فإن الغاية الأولى من كتابته و اصداره في هذا الوقت بالذات و باللغة العربية . هي اطلاع القراء . و خصوصاً في البلدان العربية ، على الأسباب العميقة و الحقيقية التي جعلت من بلدانهم و سائر بلدان الشرق الادنى ، منذ استقلالاتها ، مناطق لم تعرف الاستقرار و لا الأمن و لا الراحة فكما ان اطباء الجسم هم اطباء الافراد ، و رجال الدين هم اطباء النفوس ، فان المؤرّخين هم اطباء المجتمعات البشرية على الصعيد السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و النفسي .

قال الشاعر :
” و من وعى التاريخ في صدره أضاف أعماراً الى عمره ” .

ان معظم البلدان و الدول الراقية و المتطورة ، في العالم الحاضر ، يسوسها حكام و مسؤولون يحسنون تاريخها و تاريخ البلدان المجاورة لها . أو يعاونهم اختصاصيون في هذه المواضيع .
و لسوء الحظ ، فمعظم المسؤولين عن مقدرات البلدان العربية ، بما فيها لبنان ، يجهلون تاريخ بلدانهم الحقيقي . فأكثرهم يخلط بين تاريخ عرب الجزيرة العربية ، الذي برز لامعاً في القرن السابع بعد الميلاد ، هذا التاريخ الذي هو من أمجد التواريخ التي اعطتها الانسانية ، و بين تاريخ بلدانهم الخاص ، الذي هو أقل من عادي منذ الاسلام، جاهلين أو متجاهلين أن بلدانهم قد فتحت من قبل عرب الجزيرة في القرن السابع الميلادي ، الذين حرروها من قهر الأجنبي ( الغربي و الفارسي ) ، الذي كان مسيطراً عليها منذ بضعة قرون ، أما هم ، فاكتفوا مجداً بأن اعتنقوا الاسلام تدريجياً ، فيما بعد ، و حلت اللغة العربية تدريجياً كذلك ، محل لغاتهم الاصلية . الخلاصة ان مجد العرب التاريخي هو لعرب الجزيرة العربية ، دون سواهم من المسلمين و المتعربين . فتاريخ البلدان العربية خارج الجزيرة هو تاريخ الشعوب الآسيوية ، الاسلامية و غير الغربية ، التي سيطرت على هذه البلدان بعد سقوط الدولة العربية الأموية السنة 750 ، كالفرس و الأتراك و غيرهم من المسلمين الآسيويين .

مفهوم التاريخ و فوائده

أثبت العلم الحديث ” أن التاريخ هو سياسة الماضي ، و سياسة الحاضر هي تاريخ المستقبل و ” السياسة هي بنت التاريخ و التاريخ هو ابن الجغرافيا ، و الجغرافيا لا تتغير نسبياً ” .
يزعم البعض ، و منهم مفكرون و علماء ، أن التاريخ لا مفهوم له و لا وضوح فيه ، و انه لا يصلح لأن يكون مرشداً للشعوب في مشكلاتها الداخلية و الخارجية .
قد يكون هذا القول صحيحاً في اطار التاريخ التقليدي ، الذي يكتفي بجمع الوقائع و الأحداث الماضية و سردها و وصفها و تحليلها ، أما في اطار التاريخ كعلم و فلسفة ، فالأمر يختلف ، اذ ان المؤرّخ يبحث عندئذ عن السنن و الأسباب و الثوابت التاريخية التي توجّه الاحداث و تسيّر مجراها ، ” ان التاريخ ، بمنظار العلم ، هو البحث عن الأسباب التي ، من أقدم العصور و خلال الأزمات العديدة ، انتجت الحضارة و دفعتها قدماً الى الأمام ” ( أش . برّ ) .
فالأحداث الماضية هي الأسباب و النتائج معاً ، و هذه الاسباب ، منها ما هو عميق و بعيد و منها ما هو مباشر . فالأسباب العميقة و البعيدة هي التي تحتّم الأحداث او تجعلها ممكنة ، بينما الاسباب المباشرة تثيرها و تفجرها . و لسوء الحظ ، و في اغلب الأحيان ، نرى رجال السياسة المسؤولين يعالجون الأسباب المباشرة ، التي قد تسكّن الأزمة مؤقتاً ، و لكنها لا تشفي من الداء .
فالتاريخ العلمي ينحو الى ارساء حقائق عامة تستخلص من تنوع الاحداث الخاصة ، و الى اكتشاف الاسباب العميقة ، اي السنن و الثوابت التاريخية ، التي يمكن من خلالها شرح تسلسل الاحداث المعروفة .
و في تتابع الاحداث ، كما في تسلسلها المنطقي المتتالي ، لا ينبغي التوقف الا عند الوقائع الكبيرة المألوفة ، التي تجري بصورة ” ثابتة ” او ” دورية ” . و ينبغي ايضاً النظر الى مجرى التاريخ من مدى شاهق . للاحاطة بأكبر زمن و أوسع نطاق ممكن . باختصار ان التاريخ بات ” علماً حقيقياً ” ، له سننه و له مفهومه . و على هذا الاساس ، فهو يمد السياسة و علم الاجتماع بتوجيهات مفيدة ، شرط ان نحسن تفسيره .
و في هذا العلم ، ان الجغرافيا هي عامل جوهري ، بسبب تأثيرها العميق في الافراد و الجماعات ، جسمياً و نفسياً .
زعم البعض ان نظريات جواد بولس في علم التاريخ هي نظريات غربية جديدة ، لا مفعول لها في بلدان الشرق و في تطورات شعوبها .
ان هذا القول مرتجل و غير مسؤول ، فسنن التاريخ ، كسنن الطبيعة ، تفعل فعلها في كل مكان و زمان ، رضي الناس أو أبوا .
ان التاريخ كعلم و فلسفة ليس بجديد . فأول من قال بسنن التاريخ هم علماء و فلاسفة اغارقة قدامى ، مثل هيرودوتس و توسيدليس و كزينافون ، في القرن الخامس قبل الميلاد . ثم خلَفهم ، بعد زمن طويل ، أي في القرن الرابع عشر بعد الميلاد ، عالم مسلم عربي من تونس ، هو ابن خلدون . فهو اول من اعتبر التاريخ علماً و فلسفة بعد الاغارقة ، و أول من قال بتأثير العوامل الجغرافية على البشر و تصرفاتهم ، افراداً و جماعات . و قد ألّف ، في هذا الموضوع كتابه المعروف ” المقدمة ” و لم يظهر بعد ابن خلدون علماء في هذا الميدان قبل ماكيافيللي ، في ايطاليا ، في القرن الخامس عشر ، و بوسوييه و مونتسكيو ، في فرنسا ، و فيكو ، في ايطاليا ، في القرن السابع عشر ، و غيرهم في أزمنة لاحقة .
أما انتشار التاريخ كعلم ، فقد بدأ في القرن التاسع عشر على أثر تقدم الثورة التقنية و انتشارها في أوروبا.
و في القرن العشرين ، و مع ازدياد التقدم التقني و التكنولوجي ، ازداد الاهتمام بالتاريخ العلمي و الفلسفي ، كما بغيره من العلوم الانسانية . و في العالم العربي الحديث ، يوجد مفكرون و أدباء كبار يقرّون هذه الحقائق التاريخية العلمية .
ان لدي كتاباً من الأديب و المفكر المصري طه حسين ، وصلني منه قبل صدور مؤلّفي باللغة الفرنسية . و كان قد اطلع مني إثر علاقات ثقافية نشأت بيننا ، على الخطوط الرئيسة للكتاب . قال في احدى فقرات كتابه : ” و اني انتظر الكتاب الذي تضعونه في تاريخ الشرق الادنى و فلسفته . واثقاً بأن المؤرّخين سيجدون فيه غذاء و متعة . و بأن الشرقيين سيجدون فيه توجيهاً لما سيرسمون لحياتهم الحاضرة و المستقبلية من خطط ( طه حسين ) ” .
و لسؤ الحظ لم يأخذ السياسيون الشرقيون ، على علمي ، بنصيحة طه حسين في كتابه المذكور .
و هناك أيضاً مصري آخر شغل مسؤوليات حساسة في زمن كان فيه الثقل العربي لمصر هو الاستاذ محمد حسنين هيكل ، رئيس تحرير صحيفة ” الأهرام ” سابقاً ، و قد قرأت له حديثاً أجري معه في تونس في اطار ندوة ” جامعة الدول العربية ” و نقلته جريدة ” النهار ” في عددها الرابع من أيار 1982 .
قال هيكل بالحرف : ” علينا أن نوازن بين الحقائق السياسية ، التي قد نتفق عليها أو لا نتفق ، و الحقائق التاريخية غير القابلة للاجتهاد ” . . .
ثم قال : ” ما تملكه الحكومات ، يمكن التصرّف فيه بقرار ، اما ما تملكه الشعوب فيخضع لثوابت الجغرافيا و التاريخ و الحضارة ” .
فهل يكون سبب اقصاء الاستاذ هيكل عن مسرح السياسة في مصر معرفته بثوابت التاريخ و السياسة؟

الاستقلال

و الاستعمار و الامبريالية

تتحمس شعوب بلدان الشرق الادنى عند ذكر كلمتي الاستقلال و الحرية ، و تغتاظ عند سماع كلمتي الاستعمار و الامبريالية .
اني شخصياً ، كأي انسان يحترم نفسه ، أقدر فكرة استقلال كل البلدان و حرية كل الشعوب ، و أشجب فكرة الاستعمار . و لكني ، كمؤرّخ و رجل خبر الحياة و البشر ، أرى ان الاستعمار ، بمفهومه التقليدي القديم ، قد ولّى ، لأنه أصبح يكلف المستعمر جهوداً عسكرية و نفقات مالية تفوق قيمة المنافع التي يتوخاها من البلد المستعمر .
قال المؤرّخ توينبي : ” ان الاستعمار هو اختبار غير مستحب ، و لكنه ، عند معظم البلدان ، ثمن يُدفع لتعلم الحياة العصرية .
اما الامبريالية ، اي النفوذ و السيطرة الاقتصادية و السياسية التي تمارسها دولة او بلد على بلد آخر و التي ما تزال موجودة في أيامنا هذه . فهي ناتجة غالباً عن قوة هذه الدولة على الصعيد الاقتصادي و المالي و العلمي و التكنولوجي و العسكري . فهذه الامبريالية تصعب مقاومتها . اي الوقوف امام انتشارها و توسعها ، بواسطة الخطب و الاحتجاج و التغني بالماضي المجيد ، او بالاستناد الى القوانين و الشرائع الدولية . ان مقاومتها يجب ان تحصل بواسطة التقدم الاقتصادي و العلمي و الثقافي و التكنولوجي ، و بمساعدة الزمن .
قال توينبي : ” في عصرنا الحاضر ، تقاس حيوية الشعوب و قوتها بعدد الناس الملمين بالمعارف العلمية ، و الذين يملكون كفاءات تقنية ” .
ان الشعوب القوية ، علمياً و ثقافياً و اقتصادياً ، و التي هي مستقلة فعلاً ، لا تتغنى بالاستقلال و الحرية لأنهما حق طبيعي لها .
قال الفيلسوف الاماني نيتشه : ” ان الحرية هي فكرة عبيد ” .
و قال العالم آينشتاين : ” ان القومية هي مرض أطفال ” .
هذا بعض ما رأيت ان اعرضه عليكم الآن بمناسبة صدور كتابي الجديد ، الذي يحتوي على الكثير من المواضيع التي تهم كل سكان بلدان الشرق الادنى ، و خصوصاً في الزمن الحاضر .

 

IMG_9369