Ar     En
خطاب في مهرجان كتلة التحرر الوطني 1947

خطاب في مهرجان كتلة التحرر الوطني 1947

أيها السادة

لأول مرة في تاريخ لبنان تجتمع في عاصمة الشمال الفيحاء وفود كريمة من مختلف الأنحاء والمذاهب تضامناً مع أبناء طرابلس الكرام. فسبحان من يوحد القلوب والأهداف ويقضي على النزاعات والعنعنات.

نجتمع اليوم أيها السادة، لا لنرحب بضيف كريم أو لنحتفل بعيد مجيد انما نجتمع لننظم صفوف الأمة في سبيل غاية سامية إلا وهي الدفاع عن حقوق الأمة اللبنانية وعن حريتها وسيادتها وللمطالبة بالإصلاح. هذه هي الغاية التي ترمي إليها كتلة التحرر الوطني وعلى رأسها دولة الرئيس عبد الحميد أفندي كرامه.

يعترض البعض قائلاً: من الذي يهدد هذه السيادة وكل ينادي بالدفاع عنها وعن الإستقلال؟

الجواب على هذا القول هو أن سيادة الأمة اللبنانية ليست بخطر فحسب بل انها أمست منذ حين إسماً لغير مسمى. لقد إعتدى على هذه السيادة بعض المواطنين فاحتكروا السلطة لأنفسهم بوسائل غير مشروعة معتدين بذلك على حرية الأمة وأسس استقلالها.

في ٢٥ ايار سنة صودرت ١٩٤٧ هذه الحريات فسلب حق الناخب اللبناني بانتقاء ممثليه. ووصل إلى الندوة أشخاص ترفض البلاد بأكثريتها الساحقة أن تتعرف على انتخابهم بالطرق التي حصل فيها. فهذا ما يسمى عرفاً وعلماً مصادرة السيادة الشعبية واحتكار الإستقلال الذي نزع من قبضة الأمة.

هذه هي الغاية الأولى التي من أجلها نحن اليوم مجتمعون.

أما الغاية الثانية فهي لمطالبة المسؤولين بالرجوع إلى احضان الأمة اي بإعادة الأمور إلى مجراها العادي ومحو آثار فاجعة ٢٥ ايار. فهذا الطلب الذي ينصر عنه الدستور ويقره الحق الطبيعي لا يعد عملاً ثورياً بل هو الأساس لكل برنامج إصلاحي.

إن ٢٥ ايار قد برهن عن وعي الأمة اللبنانية. فهو قد وحد ضد المسؤولين جميع الطبقات والأحزاب ويمكن القول من هذه الجهة أن ٢٥ ايار قد مكن اواصر القومية اللبنانية لأن من ميزات القومية ذكريات واحدة أفراحاً كانت أو ملمات.

يزعم بعد المعترضين أن ابطال الإنتخابات المطعون فيما ينال من هيبة الحكم. ولكن فات هذا البعفران هذه الحجة حرية بالقبول في الحكومات الدكتاتورية حيث السلطة تستعد من شخصية الطاغية وبطشه. أما عندنا أيها المعترضون فإن الحكم والسيادة هما للأمة دون سواها. وأن حق الأمة وكرامتها هما فوق هيبة وكلائها سواء كان هؤلاء شرعيين أو غاصبين.

من المعروف علماً واجتهاداً أن حل الهيئات النيابية ثم إعادة انتخبها لا يعني تخاذل السلطات العامة. بل هو إستشارة الأمة في النزاع القائم بين المسؤولين والقسم الأكبر من الأهلين. فالأمة وهي مصدر السلطات لها وحدها القول الفصل في صحة الإنتخابات أو عدمها. فإذا كان الأمر الأول عاد النواب الخارجون إلى الندوة والعكس. أما واجب السلطات في هكذا نزاع فإنما ينحصر في تمهيد السبل لإجراء هذه الإستشارة العامة بصورة أمينة. فمن كانت وظيفته الأصلية هي هذه وقام بها بأمانة وإخلاص لا يتهم بالتخاذل بل بالعكس إن شعبيته تزداد ومكانته تعلو لقيامه بواجب وطني.

يزعم البعض أن للجنة الطعون والمجلس النيابي من وراءها سلطتهم للفصل بهكذا أمور. إن هذا القول قد يكون مسموعاً حينما تكون الشكوى صادرة من بعض الناخبين وضد بعد المنتخبين. أما حينما تعترض الأمة بأكثريتها على إنتخاب مجلس بكامله فعندئذ تصبح لجنة الطعون ولهيئة المنبثقة عنها هما أيضاً موضوع الريبة والشكوى. فيصبحان بآن واحد الخصم والحكم ويكون رأيهما بالقضية والأخذ به من قبيل الإستهزاء.

فالنزاع القوائم عندنا بين الأمة وحكامها لا ينكره إلا المكابرون. وهذا النزاع ناتج عن أمور جوهرية أخصها عدم صحة وكالة الأشخاص الذين يدعون تمثيل الشعب اللبناني. فأقل ما يتوجب على السلطة التنفيذية تجاه هذا النزاع الهام هو إستشارة الموكل بالذات. أما أن يكتفي بتصريح الوكيل أي لجنة الطعن والمجلس وهما متهمين بالقضية فهذا ما لم تسمع به آذان.

لسنا وحدنا في المعمور بلاد برلمانية. فقد وقع ويقع عند الغير نزاعات أقل أهمية من التي نحن بصددها. أما النتيجة عند الغير فهي دوماً تحكيم الأمة لاستطلاع رأيها بالأمر. حتى إن الدكتاتوريات نفسها لا تترد عن اللجوء إلى طريقة الإستفتاء العام كلما اصطدمت بقضية هما أو اضطرت إلى تعديل في سياستها العامة.

يزعمون أيضاً أن البلاد ليست بأجمعها ساخطة ولا بأكثريتها شاكية. فعلى هذا الزعم وعلى غيره من نوعه نجيب برد وحده هو حقيقة راهنة للأمة وحدها أن تقول إذا كانت المعارضة إقليمية وهي المؤلفة من كافة الطبقات والأحزاب ومن جميع المفكرين المخلصين أو انما تمثل البلاد بأكثريتها الساحقة.

أيها المسئولون

لقد طال امد هذه الراوية المحزنة إذا كنتم مخلصين لهذا الوطن وتقدرون المسؤلية الملقاة على عاتقكم بادروا بلا ابطاء إلى إجراء ما يتوجب عليكم خدمة لهذا البلد الكريم الذي منحكم من ثقة وسلطان ما لم ينله قيصر لا تدفعوا به إلى الياس والقنوط فالصبر له حدود.

لقد ساد الإستياء والتذمر وعمت الشكوى من حالة البلاد الحاضرة. فالفوضى والتلاعب والسرقات بأنواعها تحتل جميع الميادين. الأزمة على الأبواب. البطالة شاملة. العدل مسخر. الإدارة مشلولة. الحريات مقيدة. الحقوق غير مضمونة. مال الأمة يبذر يميناً وشمالاً.

هذه الصورة الإجمالية عن حالتنا الحاضرة. هي مطابقة للواقع إذ اني لم أتعود المبالغة ولا التهجم مجانا على أحد فرداً كان أو شخصاً معنوياً. لقد عرفني الشمال والبلد اللبناني نقيباً للمحامين ونائباً ووزيراً بصلاحيات مطلقة. فشهد الجميع أني لم أكن يوماً لأحد ضد أحد أو لفئة ضد أخرى، بل كنت دوماً ولم أزل في حياتي الخاصة والعامة لجميع أبناء وطني على السواء. فلولا اقتناعي بسوء الحالة وسوء المصير لما رفعت صوتي اليوم أمام جمعكم الكريم آملاً أن يكون لصداه نتائج إيجابية.

لقد سكت الشعب اللبناني عن أخطاء حكامه في الماضي لأن الإستقلال كان هدف البلاد الأوحد. أما وقد أصبح هذا الإستقلال أمراً مفروغاً منه فلبنان لا يقبل بمستقبل قائم يطل عليه من جميع النواحي. فكما هاج وماج ضد الأجنبي سنة ١٩٤٣ فهو لا يتردد عن القيام بذات الدور ضد كل معتد آخر لبنانياً كان أو أجنبياً. وما غضبته بعد ٢٥ ايار المشئوم تلك الغضبة الصارخة إلا لأنه كان يأمل بمناسبة حلول موعد الإنتخات الأخيرة أن يرسل إلى الندوة رجالاً يعتقد فيهم الخير فيضبطون أموره الداخلية وينظمون البيت

اللبناني لجعله متيناً وسلحاً للسكن ولكنه لسوء الحظ فوجئ بفاجعة ٢٥ ايار التي جرحت الجسم اللبناني جراحاً بليغاً فالجراح لا تزال نامية وصراخ العليل سيبقى داوياً.

يأمل البعض أن ينسى اللبناني هذا المصاب أو يسلاه مع الوقت. فليثق هؤلاء أن الشعب اللبناني لن ينسى فاجعة ٢٥ ايار طالما اثاراها المائلة أمامه تحرك دوماً في صدره الألم والأحقاد.

أيها المسئولون

إن الشعب اللبناني مقيمه ومغتربه يطلب حقاً صريحاً. فهو لا يزال يأمل بأن تعاد إليه حرياته المصادرة. حكموه بالنزاع الذي يهدد وحدة الأمة ويضعف ثقة الناس بالدولة ورجالها.

فإذا لبيتم صوت الحق والضمير وأنتم انشا الله فاعلون تكونون خدمتم هذا الوطن الذي غمركم بمنه وكرمه.

أما إذا كنتم مصرين على متابعة ذات السير وعلى تجاهل الهوة التي حفرها بيتكم وبين الشعب اللبناني يوم ٢٥ ايار فإن امامكم وأمامنا جميعاً حكماً أكبر هو تاريخ لبنان قديمه وحديثه. ففيه الخير وفيه العبر.

 

Scan_Pic0001
Scan_Pic0002
Scan_Pic0003
Scan_Pic0004