Ar     En
لبنان وسوريا وفلسطين منذ الإسلام: الفصول اللبنانية 1 – ربيع 1980

لبنان وسوريا وفلسطين منذ الإسلام: الفصول اللبنانية 1 – ربيع 1980

لبنان وسوريا وفلسطين منذ الإسلام عرض تاريخي مقارن

عرض تاريخي مقارن


تمهيد


 

المجموعة الجغرافية: لبنان وسورية وفلسطين

يعطي البعض لكلمة “سوريا” معنًى واسعاً لكي تشمل بلدان سوريا ولبنان وفلسطين، أي ما يسمونه: سوريا الكبرى أو الجغرافية. ففي هذا المعنى الواسع. إن كلمة سوريا هي تعبير جغرافي لا سياسي ولا إثني. فهي ككلمة “بلكان” أو شبه الجزيرة البلكانية، التي تشمل ألبانيا وبلغاريا واليونان وتركيا وأوروبا وقسم من يوغوسلافيا، التي تشمل نروج وأسوج والدانمرك. وكذلك كلمة شبه الجزيرة العربية، التي تشمل العربية السعودية واليمن الشمالية واليمن الجنوبية والكويت وباقي دول الخليج.

في مراحل التاريخ الطويل لبلدان هذا الشرق، كان اسم سوريا الحاضرة، في البدء، آرام. وعاصمتها دمشق. ولبنان الحاضر وفلسطين كانا بلاد كنعان. ثم أطلق الإغريق إسم سوريا على بلاد كنعان الجنوبية إسم فلسطين. وعلى بلاد كنعان اللبنانية إسم فينيقيا. وبقيت هذه الأسماء مستعملة حتى الفتح العربي الإسلامي، في النصف الأول من القرن السابع. أما العرب المسلمون، فقد أطلقوا على سوريا إسم “الشام”.

إن بلدان لبنان وسوريا وفلسطين، المتلاصقة والواقعة على مفترق طرق عالمية تظهر على الخريطة، لأول نظرة كوحدة جغرافية طبيعية، يؤلف مجموعها نوعاً من ممر أوبرزخ بين البحر الأبيض المتوسط غرباً وصحراء سوريا وأرض الرافدين شرقاً وسفح طورس شمالاً والصحراء العربية الفلسطينية جنوباً. إلى أن تعقيدات تكوين هذا المستطيل ومناخاته وتناقضاته الطبيعية الداخلية، حكمت عليه بالتجزؤ القومي والديني والسياسي عبر عصور التاريخ. كما هو الحال اليوم.

إن الصور المزدوج من الجبال (جبل لبنان وسلسلة جبال لبنان الشرقية، التي تفصل بين البلد اللبناني وسوريا الوسطية أي دمشق ومنطقتها). قد ولد وسطين طبيعيين مميزين: الواحد (لبنان) إلى الغرب والثاني (سوريا) إلى الشرق. يختلفان في المناخ والتكوين الطبيعي. ففي حين أن لبنان، المفتوح على البحر المتوسط والمنعزل عن الصحراء، يؤلف منطقة بحرية وجبلية محضة. تؤلف سوريا الداخلية (دمشق ومنطقتها)، المفتوحة على الصحراء والمنعزلة عن البحر المتوسط، سهلاً قارياً مرتفعاً، يغلب عليه المناخ الصحراوي.

ثم إن سوريا الشمالية وفلسطين، رغم انفتاحهم مثل لبنان على البحر المتوسط غرباً، إلى انهما، على عكس لبنان المعزول عن السحرة الشرقية بجباله العالية، منفتحتان نوعاً ما، من جهة الشرق، على الصحراء السورية، التي تمتد حتى العراق والجزيرة العربية، انفتاحاً يجلب لها الغزوات الخارجية.

ثم إن جبال لبنان العالية، وهي أعلى جبال في الشرق الأدنى، إذ يتجاوز بعدها ٣٠٠٠ متر، تساعد اللبنانيين على الدفاع عن بلدهم، بجهد قليل نسبياً، ضد الغزوات الإقليمية، في حين يصعب ذلك على سوريا وفلسطين المنفتحتين شرقاً للغارات الأجنبية. وبخاصة لنزوح القبائل البدوية من الصحراء الكبرى. في الأزمنة القديمة.

إن الموقع الطبيعي للبنان وسوريا وفلسطين، الذي جعل من مجموعها ممراً عالمياً، من الشرق والغرب والشمال والجنوب، قد هيأ هذا المجموع الجغرافي لأن يكون مركزاً سياسياً لدولة كبرم تضم تحت لوائها كل بلدان هذا الشرق.

إلى أن تعقيد التكوين الجغرافي لهذه البلدان الثلاث وتناقضات عواملها الطبيعية التي تحكم عليها بالتجزئة السياسية والإقليمية، حالت مع الأسف دون قيامها بدور إمبراطوري، بل حالت أيضاً دون توحيدها هي ذاتها سياسياً عبر العصور. إذ أنها تولد دوماً مجتمعات وجماعات بشرية متميزة، تختلف في اقتصادها وطرق عيشها وطبائعها النفسية العامة.

وتأتينا الشهادة على استمرار هذه الشخصيات الجغرافية والإتنية والتاريخية من تاريخ كل منها المتتابع، الذي يرجع إلى أقدم العصور الماضية. ونكتفي هنا أن نلقي نظرة مختصرة على هذا التاريخ منذ الفتح العربي وانتشار الإسلام حتى عصرنا الحاضر.

ونبدأ عرضنا اليوم، بإيجاز، عن لبنان وسوريا وفلسطين في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين.


حقبة أولى
عهد الخلفاء الراشدين والأمويين (٦٣٥ – ٧٥٠)
دولة عربية إسلامية


 ١


السوريون والفلسطينيون؛
المسيحيون بأكثريتهم، يستسلمون للفاتحين
العرب المسلمين ويتعاونون معهم.


 

في سنة ٦٣٥ ميلادية، إن القبائل العربية، في شبه الجزيرة العربية، التي اعتنقت الدين الإسلامي حديثاً، انطلقت من وطنها الأصلي نحو العالم الخارجي لجهة الشمال. فانتزعت، في زمان قصير نسبياً، من الإمبراطورية البيزنطية، سوريا وفلسطين ولبنان ومصر، وأكثرية سكانها مسيحية، ومن دولة الفرس الساسانيين بلاد الرافدين (٦٣٥ – ٦٤٢).

إستسلام المدن
السورية والفلسطينية واللبنانية
(٦٣٥٦٣٨)

  • دمشق:

إن دمشق كانت أول مدينة فتحت ابوابها للغزاة الجدد. لقد حصل ذلك سنة ٦٣٥،على أثر مفاوضات مع أسقف المدينة، أدت إلى انسحاب الجنود البيزنطيين نحو الشمال، ولا تعهد المسلمين للمسيحيين ببقاء أرضهم وبيوتهم وكنائسهم وحرية عقائدهم الدينية، مقابل الإلتزام بدفع ضريبة، والتعهد بدفع جزية، كان مبلغها أقل مما كانوا يدفعونه للبيزنطيين.

يقول المستشرق الفرنسي اليساآف، في الموسوعة الإسلامية: “كان سقوط دمشق حدثاً ذا أهمية كبرى. فهذا الفتح ضد وضع نهاية لعهد دم ما يقارب الألف سنة السيطرة الغربية. وقد عادت منذئذٍ المدينة إلى مدارها السامي (نسبة إلى العرق السامي) واتجهت من جديد نحو الشرق والصحراء. كانت اللغة والثقافة الساميتان، مع المونوفيزية (شيعة مسيحية منتشرة بكثرة في سوريا ومصر) تشكل عناصر معادية للكنيسة الارثوذكسية المتكلمة باليونانية (ولرئيسها الإمبراطور البيزنطي(. فاستقبل سكان دمشق الفاتحين بدون تحفظ، لكونهم أقرب اليهم من البيزنطيين بأصلهم ولغتهم ودينهم. بل هم لم يروا في الإسلام غير شيعة مسيحية منشقة، أملوا أن ينالوا حرية أكثر معها. وفي دمشق أكثر من أي مكان آخر… لم تستقطب الهلينية (الثقافة اليونانية) سوى عدد قليل من الشعب، الذي كان بمجموعه يتكلم اللغة الآرامية. وقد بقيت أنظمة الإدارة البيزنطية سارية المفعول.

  • القدس:

سنة ٦٣٧، سلمت القدس للخليفة عمر بن الخطاب بالذات. فمنح السكان المسيحيين الأمان لأشخاصهم وأملاكهم وكنائسهم وحريتهم الدينية، لقاء التعهد بدفع ضريبة عادية.

  • إستسلام حمص وحماه وحلب وانطاكيا والمدن الفينيقية أو اللبنانية

وفي خلال سنتي ٦٣٧ و ٦٣٨ سقطت في أيدي العرب واستسلمت كل من: حمص، وحماة، وحلب، وانطاكية، والمدن الساحلية الفينيقية أو اللبنانية وهي: صور وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس.

  • التنظيم السياسي

قسم الفاتحون العرب بلدان المشرق (سوريا وفلسطين ولبنان) إلى خمس مناطق أو ولايات عسكرية سميت “جند”، كانت مراكزها بعيدة عن البحر وهي: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن، وقنسرين. وقد ابعدت انطاكيا عن دورها الذي دام ألف سنة، كعاصمة لسوريا في عهود اليونان والرومان والبيزنطيين. وكانت الإدارة غير مركزية في الدولة، فكان الخليفة يفوض سلطاته المطلقة إلى حكام المناطق أو الجند.

ومنذ استسلام دمشق، سنة ٦٣٥ ، عين عربي بارز حاكماً لجند دمشق، وهو يزيد بن ابي سفيان، الذي يلتقي نسبياً بجد النبي الأعلى “عبد مناف”. وبعد موت يزيد سنة ٦٣٩ ، خلفه في الحكم في جند دمشق أخوه معاوية، وكان أحد كتبة النبي، وقد أصبح معاوية نفسه، فيما بعد، رئيس الدولة العربية الفتية، أي خليفة رسول الله وأمير الأمويين (٦٦١ – ٦٨٠) ومؤسس دواة الخلفاء الأمويين (٦٦١ – ٧٥٠) .

وقد ألحقت مدن الشاطئ الفينيقي اللبناني، أي صور وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس وغيرها، بحاكم جند دمشق، الذي كان يزيد بن ابي سفيان ثم أخوه معاوية.

  • عهد الخلفاء الأمويين عصر ذهبي لسوريا

إن المعارضة العنيفة التي واجهت معاوية في العراق وفي الحجاز، بعد انتصاراته على علي بن ابي طلب واعتلائه سدة الخلافة، جعلته يتخذ من دمشق، عاصمته كحاكم لجند هذه المدينة، عاصمة سياسية للدولة العربية الأموية الإسلامية، بدلاً من المدينة المنورة عاصمة النبي والخلفاء الراشدين. وان استمرار هذه المعارضة العنيفة حملت معاوية على أن يعطي اهتمامه الكلي إلى دمشق والقدس. وفي عهد الأمويين “حصلت دمشق بسرعة كبيرة على طابع مقدس… فتزايدت حركة الحج إليها… وقد دفع الأمويين العاصمة الجديدة إلى الأوج. وفي خلال قرن من الزمن، غدت المركز المديني لعاصمة الخلافة والقلب لواحدة من الدول الكبرى التي عرفها العالم”

وفي عهد الخليفة يزيد الأول (٦٨٠ – ٦٨٣ م.) بن معاوية، شيد في دمشق الجامع الأموي الكبير. يقول المستشرق الفرنسي اليساآف: “لقد ثبت اليوم أن هذا الجامع، الذي يعتبر تحفة رائعة في الهندسة المعمارية الإسلامية، لم يكن في الأصل كاثدرائية مسيحية، كما ظن البعض. بل إنه بني منذ البدء لكن يكون معبداً إسلامياً”.

وأصبحت القدس، هي أيضاً، مركزاً دينياً محترماً للإسلام، في عهد بني أمية. وفي القدس نودي بمعاوية خليفة رسول الله (٦٦١). وفي عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان (٦٨٤ – ٧٠٥) تم تشييد بناءين عظيمين هما: قبة الصخرة والمسجد الأقصى (٦٩٢). ولكن المركز الرسمي للمنطقة، أي لجند فلسطين، كان في “اللد”، ثم بعد ذلك في “الرملة”.

  • دولة الخلفاء الأمويين عربية إسلامية.

ذكرنا سابقاً أن الأموي يزيد بن ابي سفيان، منذ استسلام دمشق سنة ٦٣٥ ، كان حاكماً لهذه المنطقة، وإن أخاه معاوية قد خلفه في مركزه سنة ٦٣٩، ثم أصبح خليفة سنة ٦٦١. وبصفته حاكماً لجند دمشق فقد شارك يزيد، وبعده معاوية، في احتلال سوريا من قبل الجيوش العربية الإسلامية. وبعدا ان أصبح معاوية خليفة وأميراً للمؤمنين فقد نقل، كما ذكرنا، مركز الخلافة الأولى، لأن الحجاز العراق كان ضد تسلمه الحكم.

لذلك يمكن القول أن بدء عهد الخلفاء الأمويين، في البلدان السورية، يعتبر، واقعياً وفعلياً، إبتداءً من استسلام دمشق وتعيين الأموي يزيد بن ابي سفيان حاكماً لها، أي منذ سنة ٦٣٥.

إن دولة الخلفاء الأمويين، التي اتخذت دمشق عاصمة لها والتي امتدت حتى الهند شرقاً وحتى المحيط الأطلسي غرباً، كانت دولة عربية إسلامية. فالقبائل العربية التي خرجت من الجزيرة هي التي قامت بالفتوحات وكونت الدولة، حاملة معها العناصرالمادية للحضارة الإسلامية . ” إن الأجيال الأسلامية الأولى كانت تنظر إلى الإسلام على أنه دين عربي، يضع الشعب العربي في مركز متميز.

فالأرستقراطية العربية لم تمد جذورها في الأرض التي أصبحت لها… ولهذا نجد الخليفة الأموي مشغولاً بالأمور السياسية أكثر منه بالتوجه الديني، وكان الدنيوني لديه غالباً على الروحي، ولكن اندماجهما بقي كاملاً… وقد تابع الخليفة سياسة الحماية بالنسبة المغلوبين،… فكان خضوع الرعايا يقابل حماية الخليفة… وبالمقابل كان (الرجل المحمي) يدفع ضريبة سنوية على ممتلكاته التي يتصرف بها بتسامح من الخليفة”.

إن سكان بلدان الخلافة كانوا مقسومين إلى أربع طبقات: العرب المسلمون والموالي (المسلمون غير العرب) والذميون أو أهل الكتاب (مسيحون ويهود وصبائبون) واخيراً العبيد، اسراء الحرب.

  • سوريا المسيحية
    تتعاون مع الحكام العرب المسلمون
    في إدارة المصالح العامة

إن دولة الخلفاء الأمويين، باتخاذها من دمشق عاصمة لها، كانت ترتكز على سوريا الآرامية، التي ظلت مسيحية بأكثرية سكانها حتى زوال الدولة الأموية. كان الأمويون متساهلين، كما ذكرنا، ولا يرغبون في أن يعتنق الإسلام غير العرب الأصليين. يقول المستشرق الفرنسي كاللو (Callot) : حوالى سنة ٧٢٢ ، كان يقدر عدد السكان (في سوريا) بأربعة ملايين وعدد المسلمين بمائتي ألف. وإن اللغة المستعملة هي السريانية”.

ففي هذه الإمبراطورية العربية الإسلامية، لعب سكان دمشق، الآراميون بلغتهم والمسيحيون بدينهم، دوراً نافذاً في الإدارة بخلال عهد الخلفاء الأمويين الأول. فكان سرجون بن منصور، وهو سوري مسيحي، المستشار الأول للخليفة معاوية ولابنه وخليفته يزيد الأول (٦٨٠ – ٦٨٣). وقد انتقلت مسؤليته بالوراثة إلى ابنائه. و”كانت دواوين الدولة غاصة بالكتبة المسيحيين”. ولغة الدواوين: اليونانية. وبقي المسيحيون يسيطرون في البلاط الأموي حتى خلافة عبدالملك بن مروان (٦٨٥ – ٧٠٥)، الذي أقر بإحلال اللغة العربية محل اللغة اليونانية كلغة رسمية في دوائر الدولة، وذلك بعد أكثر من ستين سنة على بدء السيادة العربية.

إن الدولة الأموية العربية الإسلامية لم تكن تهتم إلا قليلاً جداً بالمشاكل الداخلية. وفي المناطق المسيحية، كان الأساقفة هم الذين يصرفون الأمور المدنية لأتباعهم. ولم يحدث التمييز بين المسلمين وغير المسلمين إلا في عهد الخلفاء العباسيين، وعاصمتهم بغداد، وبالأخص في زمن الخليفة العباسي المتوكل على الله (٨٤٧ – ٨٦١).

يستغرب الكثيرون اللامبالاة التي قابل بها سكان سوريا وفلسطين ولبنان إجتياح بلدانهم من قبل العرب المسلمين، ثم التعاون معهم.

“الجواب هو أولاً أن هذه البلدان، منذ ألف سنة تقريباً، كانت مستعمرات محتلة عسكرياً ومستثمرة من قبل شعوب اندو أوروبيين (يونانيين ورومانيين ثم بيزنطيين). وقبل ذلك كانت محتلة ومحكمة من قبل الفارس مدة مايتي سنة تقريباً. فلم تكن هذه البلدان مستقلة ولم يكن لديها جيوش خاصة بها لكي تدافع عن استقلالاتها بقواتها العسكرية الخاصة.

وثانياً إن سكان هذه البلدان التي احتلها العرب المسلمون كانوا ساميين، أي من العرق السامي. نذكر أن آرامي سوريا في ذلك الوقت؛ وكذلك كنعانيي فلسطين وفينيقي لبنان وآشوريي وبابليي العراق، هم أيضاً كالعرب يمثلون العرق السامي، وإن أجدادهم الأقدمين جازوا قبل أجيال عديدة، مثال عرب الإسلام، من شبه الجزيرة العربية. ونذكر أيضاً أن البيزنطيين والرومان واليونان، وحتى الفرس الذين استعمروا، مدات طويلة، بلدان المشرق، كانوا عرقياً أو لغوياً من الشعوب الاندو أوروبية لا السامية.

ثورة الخراسانيين الإيرانيين
وانتصارهم على الأمويين
سقوط الخلافة الأموية
وقيام الخلافة العباسية في بغداد.

ذكرنا سابقاً أن دولة بني أمية قد بنت قوتها السياسية والعسكرية على القبائل العربية: اليمنيين، عرب الجنوب أو اليمن، والقيسيين، عرب وسط الجزيرة أي الحجاز ونجد. ولكن هذه القبائل لم تنس تقاليدها الخاصة وخصوماتها الوراثية، التي قادتها إلا صراع داخلي. وهذا الخلاف الذي دام طوال عهد الدولة الأموية، أدى بالنتيجة إلى ضعضعة دولة الخلفاء الأمويين ثم إلى سقوطها سنة ٧٥٠. والى قيام دولة الخلفاء العباسيين في بغداد.

قامت بالثورة جيوش العباسيين، المؤلفة بأكثريتها من الخراسانيين، وهم شعب محارب من خراسان في شمالي إيران، اعتنقوا الدين الإسلامي حديثاً وكموالي، أي مسلمين غير عرب وشعوبين لم تعط لهم حقوق المسلمين العرب. وبقيادة أبو مسلم الخراساني، هزموا الخليفة الأموي مروان الثاني في العراق، اثر إنشقاق بين المقاتلين العرب اليمنيين والقيسيين (٧٥٠). فانسحب مروان إلى دمشق، وبسبب مطاردة الخراسانيين له فقد لجأ إلى مصر، حيث لاقى حتفه (٧٥٠). ثم إجتاح الخراسانيون سوريا فاحتلوا العاصمة دمشق وقتلوا أفراد العائلة الأموية (ما عدا واحداً منهم تمكن من الفرار إلى الغرب) ورموا جثثهم بالشوارع. وانتهكوا قبور الخلفاء السابقين. ثم اعلنوا في الكوفة أبو عباس، من أحفاد العباس عام النبي، خليفة رسول الله وأمير المؤمنين، واصبحت بغداد، في العراق، عاصمة الخلافة الجديدة، بدلاً من دمشق التي أضحت، منذ ذلك الحين، مدينة إقليمية. وأصبحت سوريا بلداً ومستعمرة تحتلها وتحرسها قوات عسكرية عدوة غير عربية (خراسانيون وأتراك وغيرهم). فسقطت زعامتها وسيطرتها على دولة الخلفاء الجدد وأصبحت هي نفسها طبيعة وخاضعة سياسياً وعسكرياً لسلطات وشعوب إسلامية غير عربية (فرس وأتراك وأكراد وبرابرة وغيرهم). وظلت على هذه الحال منذ ذلك الحدث، في سنة ٧٥٠ ، حتى استقلال الجمهورية السورية في عصرنا الحاضر. سنة ١٩٤٦ ،  باستثناء الأدوار العسكرية والسياسية التي قام بها الأمير التركي السلجوقي نور الدين زنكي (١١٤٦ – ١١٧٤) والسلطان الكردي صلاح الدين الأيوبي (١١٧٤ – ١١٩٣)، اللذين اتخذا من دمشق مركزاً حربياً وسياسياً في نضالهما ضد الصليبيين، على رأس جيوش تركية وكردية.

٢

المدن الفينيقية أي اللبنانية المسيحية،
ترحب بالفاتحين العرب المسلمين ثم
تناهضهم بسبب اقفالهم البحر.


 

ذكرنا سابقاً أن مدن الشاطئ اللبناني أي صور، وصيدا، وبيروت، وجبيل، وطرابلس، ألحقت منذ الفتح العربي الإسلامي بالحاكم العربي لجند دمشق، الذي كان وقتئذٍ يزيد بن ابي سيفان، ثم أخوه معاوية الذي أصبح بعدئذٍ خليفة الرسول وأمير المؤمنين، ونقل إلى مركزه دمشق مركز الخلافة، وقد كان قبل ذلك في المدينة المنورة.

وذكرنا أيضاً أن السوريين استقبلوا الفاتحين العرب، حال دخولهم دمشق، بلا مبالاة، ثم تعاونوا معهم بنشاط وإخلاص في خدمة الدولة، لأنهم جعلوا من مدينتهم عاصمة لإمبراطورية عربية عظيمة الأركان وواسعة الأرجاء.

وعلى عكس السوريين، فإن اللبنانيين، الذين رحبوا بالفاتحين العرب المسلمين عند قدومهم إلى البلاد، أملاً أن يتخلصوا بواسطتهم من سيطرة البيزنطيين على البحر، ما لبثوا أن اضطروا إلى مناهضة ومناوئة العرب ومقاومة سيطرتهم، لأنهم بدلاً أن يفتحوا البحر ويجعلوه حراً للملاحة، اضطروا إلى اقفاله إقفالاً تاماً أمام اللبنانيين وغير اللبنانيين.

  • تعاون اللبنانيين المسيحيين والعرب المسلمين للسيطرة على البحر.

تحت تأثير الأوسط الإقتصادية المسيحية في الساحل الفينيقي أو اللبناني المسيحي، وارث التقاليد البحرية والتجارية الفينيقية، صمم معاوية، كحاكم دمشق مطلق الصلاحيات أولاً (٦٣٩ – ٦٦١) ثم كخليفة بعدئذٍ (٦٦١ – ٦٨٠) وهو الممثل لشعب ليست له أية خبرة في الأمور البحرية، على مواجهة العدو في البحر، أي في المجال المنيع لهذا العدو. وبهذا الدفع قام، بمناصرة البحارة اللبنانيين المسيحيين في موانئ طرابلس وصور وعكا، ببناء أسطول عربي. وقد قدمت غابة لبنان الخشب ألزم لتحقيق هذا المشروع. إن هذا الأسطول، “كان يعد، كما يروي المؤرخون العرب، ألفاً وسبعمئة قطعة، بقيادة لبنانيين وسوريين، معظمهم من المسيحيين (عادل اسماعيل).

ففي سنة ٦٤٩ ، هاجم الأسطول العربي، جزر قبرص ورودس وقرية، وفي سنة ٦٥٥ ، هزل الأسطول البيزنطي عند الشاحل الجنوبي للأناضول. وبعد محاولة جديدة من العرب المسلمين للإستيلاء على القسطنطينية بحراً، سنة ٦٧٧٬ إنسحب الأسطول العربي، فكانت نتيجة هذه النكبة أن تنازل العرب عن البحر وتركه للبيزنطيين.

الخلاصة، أن الفتح العربي الإسلامي، الذي راعى في البدء المصالح الإقتصادية لشعوب فينيقيا، قد لاقى الترحيب من قبل الفينيقيين أو اللبنانيين المسيحيين. فقد أتاح لهم هذا الفتح في البدء تنمية نشاطهم البحري في المتوسط الشرقي، الذي كان وقفاً على البيزنطيين. ورغم أن العرب كانوا يمثلون رسالة دينية جديدة، فإناً نكرر أنهم لم يضطهدوا أحداً لأسباب دينية. فما دام الرعايا المحكومون يدفعون الضرائب فإن حياتهم وممتلكاتهم مصونة ودينهم يحظى بالإحترام. فالدولة الاموية، كما ذكرنا سابقاً لم تكن تهتم الا قليلاً جداً بالمشاكل الداخلية. وفي المناطق المسيحية كان الأساقفة هم الذي يصرفون الأمور المدنية لأتباعهم. ولم يحدث التمييز بين المسلمين وغير المسلمين إلا في عهد الخلفاء العباسيين (٧٥٠ – ١٢٥٠) وعاصمتهم بغداد. وهذه الدولة لم يكن لها من العروبة غير اللغة العربية، كما سنرى ذلك في مقالات مقبلة.

  • المنافسة بين الشرق البري الإسلامي والغرب البحري المسيحي.

ولكن حالة الحرب بين الأمويين والبيزنطيين لم تنته. وعندما سيطر البيزنطيون من جديد على البحر، غدا هذا محظوراً على رعايا الدولة العربية، الذين لم يعد بإمكانهم الإتجار مع الأعضاء. وحوالي هذا التاريخ (سنة ٧٠٠) انقطعت المواصلات البحرية بين الشرق والغرب إنقطاعاً تاماً تقريباً. وبهذه العملية تم انفصال الشرق عن الغرب، وأصبح هناك حضارتان مختلفتان ومتباغضتان، هما الإسلام والمسيحية. وغدا هذا التصدع هو القاعدة طول القرون التي تلت في هذا الشرق – وأصبحت الدول الإسلامية التي تتالت بعد ذلك التاريخ (الأمويون والعابثين والسلجوقيون والأتراك والفاطميون والأيوبيون والمماليك والعثمانيون)، في نزاع دائم مع القوى الغربية التي كانت تسيطر على البحر (كالإمبراطورية البيزنطية والإمارات الإيطالية وأوروبا الغربية).

وفي خلال القسم الأكبر من هذه الحقب التاريخية، التي دامت حتى أوائل القرن العشرين، وباستثناء فترة السيطرة الصليبية، فإن البحر المتوسط، وهو ميدان منيع للغربيين المسيحيين، كان يعتبر منطقة معادية للدول الإسلامية في الشرق الأدنى ولأتباع هذه الدول. وكان محظوراً، عملياً على تجارتهم وسفرهم. فقد كانت السفن الحربية وحدها أو سفن القراصنة هي التي تقوم بالمخاطرة فيه.

احتجاب فينيقيا البحرية
وانقطاعها عن الغرب

يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: “فقدت موانئ البحر المتوسط نشاطها التجاري مع الغرب منذ الفتح العربي. وغدا الشاطئ المتوسطي للبرزخ السوري جبهة عسكرية بين الإمبراطورية الأموية والأمبراطورية الرومانية، منذ فشل المحاولتين الأمويةً لفتح القسطنطينية” (A.Toynbee).

فمنذ ذلك التاريخ، غدت المدن الفينيقية مقفرة بائسة، بعد أن نزح عنها أهلوها إلا الجبل تاركينها قرى خاملة الذكر. وقد بقيت المدن السورية الداخلية (دمشق وحمص وحماه وحلب) كمحطات للطريق البرية الكبرى بين العراق ومصر. ولكن ازدهارها تراجع مضطراً بسبب خراب المدن البحرية اللبنانية.

وكان هذا الإنقطاع الكامل تقريباً للنشاط التجاري والبحري، مع تفوق الجبل على المدن الساحلية التي تقهقرت إلى منزلة القرى، بالإضافة إلى ما حدث في إستبدال اللغة والدين، هو ما حمل الى الإعتقاد عند الكثيرين بأن الفينيقيين قد بادوا وانقرضوا بعد الفتح العربي، دون أن يتركوا عقاباً لهم من سلالتهم. ولكن الحقيقة هي ما تكرره من أن الفينيقيين قد بقوا في بلادهم، وبخاصة في المنطقة الجبلية، وإن استبدلوا اللغة والدين ونوع العمل. وكذلك الآراميين المسيحيين في سوريا هم ذاتهم قد تحولوا مع الزمن إلى مسلمين عرب.

  • ظهور لبنان الجبلي على المسرح التاريخي

تحت ضغط العوامل الإقتصادية والسياسية، بدأت عملية تهجين كبرى تفرض نفسها في البلاد الفينيقية اللبنانية. فتغير معها الدور التاريخي القديم والميزات التقليدية التي كانت لها. وبدل النشاط الإقتصادي التجاري البحري الذي كان العمل الرئيسي لفينيقيا طوال معظم الأزمة المادية، أصبح النشاط الإقتصادي الريفي هو ما يستوعب إتهام الأهلين طوال القرون التي تلت. وفي هذه الحقبة تحول اللبناني بالنتيجة إلى قروي فلاح أو راع، وفي الوقت ذاته إلى محارب جبلي ليحمي أرضه وعقائده وحرياته. فهو لم يترك أقل جزء من الأرض قابلاً للزراعة بدون إستثمار. وهذا اللبنان الجبلي الريفي هو الجد البعيد لسكان لبنان في الأزمة الحاضرة.

  • جبل لبنان ملجأ الأقليات

“الجبل هو أساس وجود البلد اللبناني ماضياً وحاضراً. فهو الذي أعطى هذا البلد السمة الجوهرية لذاتيته، وهو الحصن السياسي والعسكري الذي يولد الإستقلال والذي أصبح بتطور طبيعي ملجأً دينياً”.

غدا جبل لبنان منذ ذلك الزمن ملجأ للأقليات الباحثة عن الحرية والأمن، فتلقى فيه ملاذاً لها. وبذلك أصبح لهذا الجبل شخصية منفردة سياسياً وقومياً، وما تزال له حتى الآن. وقد بدأ تطور هذه الشخصية الجماعية للبنان منذ الفتح العربي واستمر بدون توقف بيسر وعثر في خلال هذه الحقبة التاريخية، مغتنماً الفرصة بين وقت وآخر ليعيد إنشاء فينيقيا القديمة في حدودها التاريخية، أي لبنان الحاضر، وريث التقاليد التجارية والبحرية والثقافية الفينيقية، كما فعل الأمير فخرالدين المعني الثاني (١٥٨٥ – ١٦٣٥). وكما حاول غيره أن يفعل.

الجبليون اللبنانيون يناهضون العرب.
الجراجمة أو المردة في لبنان
(٦٦٠٦٩٠)

حوالي سنة ٦٦٠ ، بدأ العرب يستعدون لمهاجمة القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، بطريق البر. ولتلافي هذا الخطر، إتجه البيزنطيون نحو سكان جبل لبنان، نظراً للأهمية الحربية لبلادهم. واذ رأى اللبنانيون المنعزلون في مرتفعاتهم، أن التدخل العسكري من جانبهم ضد العرب قد يفتح البحر امامهم ويمكنهم من ممارسة نشاطهم البحري المكبوت، استجابوا لدعوة بيزنطيا. فأرسلت لهم عدداً من المحاربين، هم الجراجمة، نسبة إلى بلدة “جرجومة” في جيل امانوس (طورس الشرقي)، وهم قبائل مسيحية محاربة. وقد عرفهم المؤرخون البيزنطيون باسم “المردة”.

وحوالي سنة ٦٦٦ ٬ كان الجراجمة، وعدد كبير من السكان المحليين الذين انضموا اليهم، يسيطرون على جميع النقاط البحرية في لبنان. وفي وقت قليل، بلغت مجموعتهم عدة آلاف من الرجال. ولكي يوقف الخليفة معاوية هذه الحركة الخطرة، قبل بمعاهدة ٣ ، الإمبراطور قسطنطين الرابع يتعهد بموجبها بأن يدفع لو ضريبة سنوية. وقد جدد هذه المعاهدة الخليفة يزيد الأول (٦٨٠ – ٦٨٣) بن معاوية.

وفي زمن الخليفة عبدالملك بن مروان (٦٨٨ – ٦٨٩) “رفع الإمبراطور جوستينيان الثاني مطالبه… فاضطر الخليفة للتخلي عن نصف خراج قبرص وارمينيا وايبريا للإمبراطور. وبهذا الثمن قبل جوستينيان سحب المردة. فانسحب القسم الأكبر منهم. والذين بقوا في لبنان اندمجوا بالسكان المسيحيين، وبنوع خاص بموارنة الجبل، الذين بدأوا الهجرة من شمالي سوريا إلى لبنان منذ نهاية القرن السادس.

وفي زمن المردة هؤلاء (٦٦٦ – ٦٩٠)، بدأ دور جبل لبنان يبرز كملجأ للأقليات الطائفية شاب المستقلة التي راحت تظهر على المسرح التاريخي والسياسي للشرق الإسلامي. وقد دام ذلك خلال القرون التي تلت بعدئذٍ.

٣


الموارنة في سوريا ولبنان


 

  • الموارنة في سوريا

إن أول مجتمع للموارنة ظهر في وادي العصي، في سوريا الشمالية، حيث كانت موجودة ثلاث كنائس وطوائف كبرى متميزة: الكنيسة الملكية أو  الأرثوذكسية، وهي كنيسة رسمية تخضع للتوجهات الإمبراطورية البيزنطية، والكنيسة التستري والكنيسة المونوفيزية أو اليعقوبية. ثم ظهرت كنيسة رابعة في القرن الخامس هي الكنيسة المارونية. وكانت اللغة الدينية والأدبية لهذه الكنائس الأربع اللغة الآرامية أو السريانية، وهي اللغة الدارجة لبلدان الهلال الخصيب حينذاك. وفي الكنيسة الملكية أو الارثوذكسية، حالة بعدئذٍ اللغة اليونانية محل اللغة الآرامية كلغة للطقوس الكنسية.

في نهاية القرن الرابع كان حبيس يدعى “مارون” يعيش في ضواحي افاميا، على العاصي، شمال غربي حماه. وجذبت قسوة حياته وصلاته الجماهير والتلاميذ الذين اعتنقوا مذهبه. وبعد موته (حوالى سنة ٤١٠) أسس تلامذته مركزاً لنشاطهم، هو دير القديس مارون في ضواحي افاميا على العاصي، عاصمة سوريا الثانية. فكونوا النواة الأساسية للكنيسة المارونية، التي كان اتباعها، قبل ذلك، مندمجين بمسيحيي سوريا الآخرين. وعلى أثر إنعقاد مجمع خلقيدونيا سنة ٤٥١ ٬ وانشقاق المونوفيزيين، وتمسك الموارنة بتعاليم هذا المجمع، انفصلوا عن بقي مسيحي سوريا وأسسوا مجتمعاً طائفياً متميزاً. وقد تكاثرت اديرتهم على ضفاف العاصي، وأشهرها دير القديس مارون، حيث أصبح المركز المسيحي الأكثر أهمية في سوريا للشعب الماروني.

وفي السنوات الأولى للقرن السادس، اسفر النزاع بين الموارنة والمونوفيزيين الذين كانوا كثيري العدد ونافذين، أن لاقى ٣٥٠ راهيباً مارونياً حتفهم وأحرق عدد من أديرتهم.

وبعد الفتح العربي الإسلامي للشرق الأدنى (٦٣٥ – ٦٤٢)، غدا للمونوفيزيين، الذين رحبوا بهذا الفتح بسبب كرههم للبيزنطيين حماة اخصامهم الملكيين أو الأرثوذكسيين، نفوذاً لدى العرب.

إن الصراعات الدينية والسياسية التي قادها الموارنة ضد أعدائهم وقد أنمت لديهم حس المجتمع الخاص وجعلتهم يشعرون بالحاجة إلى رئيس واحد ينتخب من بينهم، وذلك لتوحيد جهودهم وتنسيق نشاطهم. وهكذا، عندما خلت الكرسي البطريركية في انطاكيا لوقت طويل (٦٠٩ – ٧٤٢)، حيث كانت القسطنطينية تعين من يشغل هذا المنصب ولم تفعل لأسباب أمنية، قام الموارنة سنة ٦٨٧، بإعلان المطران يوحنا مارون، اسقف البترون في لبنان، بطريركاً عليهم. وقد حمل لقب بطريرك أنطاكيا، وهو اللقب الذي حمله خلفاءه في سوريا، ثم في لبنان حتى اليوم. واتخذ هؤلاء من دير القديس مارون على العاصي كرسياً لبطريركيتهم قبل أن ينزحوا إلى لبنان. وقد تعزز هذا الوضع بالحقوق الزمنية التي اقرها العرب للرؤساء الروحيين.

  • الموارنة في لبنان

في أواسط القرن السابع، كان الموارنة قد انتشروا إنتشاراً وسعاً في جميع مناطق سوريا الشمالية. ولكي يتخلصوا من إضطهاد خصومهوم، أخذ بعضهم، إبتداءً من نهاية القرن السادس، يتجه نحو قبرص وآخرون نحو المنحدرات شبه القاحلة في جبل لبنان. وتوالت هجرة الموارنة إلى لبنان من سوريا الشمالية بنشاط. “فأقام هؤلاء في منطقة الشمال في أول الأمر، وبخاصة عند سفح الكتلة الجبلية التي يعلوها الأرز، ثم اندفعوا نحو الوسط والجنوب… وقد بقي القسم الشمالي كمركز لتجمعهم… فنحتوا الصخور بصبر لا ياكل وأوجدوا فيها جلولاً للزراعة وبساتين معلقة وجنائن شرحة… ومنذ أواسط القرن الثامن نجد كنائس مارونية، مثل كنيسة “مار ماما” في اهدن، وهي بنيت سنة ٧٤۹. وكان القادمون الجدد على إتصال بالسكان المحليين، من بينهم عناصر غريبة كالجراجمة (المردة)، فدمجوهم، بحيث اضحوا شعباً واحداً.

وقد نتج عن إندماج الموارنة والمردة والمسيحيين المحليين، حوالي سنة ٧٠٠٬ ظهور الطائفة المارونية ودورها ودورها التاريخي على مسرح الأحداث في لبنان، وغدت اللغة السريانية، وهي لغة آرامية مسيحية، اللغة الدينية والأدبية والشائعة لهذه الطائفة.

إن الهجرة المارونية إلى لبنان لم تشمل جميع أفراد هذه الطائفة، لأن قسماً كبيراً من الموارنة بقي في سوريا الشمالية، منتشرين في مختلف مناطقها، وملتفين حول أساقفتهم وكهنتهم والأديرة المارونية، في مناطق حمص، وحماه، ومعرة النعمان، وحلب، وأنطاكيا وغيرها. ولكن المركز الرئيسي للطائفة المارونية أصبح في جبل لبنان منذ إنتقال السدة البطريركية إلى هذا البلد.

  • الموارنة والخلفاء الأمويون

إن الموارنة، الذين أسسوا في سوريا منذ القرن السابع كنيسة خاصة، مستقلة عن الكنيسة الملكية أو الأرثوذكسية وعن بيزنطيا، لغتها الآرامية أو السريانية لا اللغة اليونانية، كانوا يعاملون بمراعاة من قبل الأمويين، الذين اعتبروا أن الكنيسة المارونية هي كنيسة سريانية أو سورية وطنية، لأنها مستقلة عن بيزنطيا عدوة الخلافة ولغتها السريانية المحلية، التي هي لغة سوريا في ذاك الزمن، لا اللغة اليونانية.

إن عدداً من الخلفاء أحبوا الإقامة في أماكن منعزلة نوعاً ما: في الأديرة المارونية في سوريا، أو في قصور، بنوها على حدود الصحراء السورية الفلسطينية: مشتى، قصير، عمره، وغيرها.

وقد ذكر إبن عساكر في كتابة “تاريخ دمشق” أن “عدة خلفاء امضوا قسماً من حياتهم وتوفوا في أديرة مارونية. فالخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز (٧١٧ – ٧٢٠) كان ينزل في خلال سنوات خلافته، في دير مار سمعان الماروني، قرب معرة النعمان (جنوبي حلب)، حيث ما يزال هناك قبره. لم أن الخليفة عبدالملك بن مارون (٦٨٥ – ٧٠٥) كان يمضي فصل الرابع في دير المران (مارون)، الواقع في جوار دمشق. والخليفة الوليد بن عبدالملك (٧٠٥ – ٧١٥) توفي في دير مارون هذا، ودفن فيه… وفي هذا الدير نفسه اقيمت إحتفالات أعراس بعض (أمراء) بني مارون…(والخليفة) يزيد بن معاوية (٦٨٠ – ٦٨٣) (والخلفاء العباسيون) هارون الرشيد (٧٨٦ – ٨٠٩) والمأون (٨١٣ – ٨٣٣) كانوا كذلك يقيمون للستجمم في دير مارون.وقد بنى المأمون القبة التي تقوم فوق جبل دير المران (مارون).

***

إنتهى الموجز التاريخي المقارن لبلدان لبنان وسوريا وفلسطين، في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين. وسنقدم في أعداد مقبلة عرضاً مماثلاً في عهد الخلفاء العباسيين وغيرهم من الملوك والسلاطين والحكم، الذين كان لهم اليد الطولى في تسيير مقدرات هذه البلدان، على الأصعدة السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

جواد بولس