Ar     En
جواد بولس الشخصية البنانية المميزة: الفصول اللبنانية 1 –  شتاء 1980

جواد بولس الشخصية البنانية المميزة: الفصول اللبنانية 1 – شتاء 1980

جواد بولس
الشخصية البنانية
المميزة

إن الأسباب العامة التي حركت المجتمعات البشرية، وأثرت في تكوينها وتطويرها، عبر العصور، وفي تكييف شخصيتها المختلفة وتتميز كل وحدة منها عن الأخرى، تتلخص بالعناصر التالية: البيئة الجغرافية، والطبائع الأتنية، ومقتضيات الصراع من أجل الوجود. ولكن البيئة الجغرافية، المكونة من المناخ وطبيعة الأرض والموقع الجغرافي معاً، هي العامل الأول في هذا المجال. لقد اسهمت البيئة الجغرافية اللبنانية، ولا تزال تسهم، في تكوين الشخصية الجماعية وإستمرارها بالنسبة لسكان لبنان وطبائعهم المميزة. كما أن البيئة الجغرافية، في معظم بلدان العالم، قامت وتقوم، بلا إنقطاع، بدور مماثل في تلك البلدان.

يقول المؤرخ الفرنسي سينيوبوس : Ch. Seignobos

إن الأمة الفرنسية تأثرت بطبيعة أرض البلد الذي تكونت فيه والتي حددت نوع معيشة السكان، كما تأثرت بموقع البلد الجغرافي الذي أقر علاقات شعبه بالشعوب الأخرى في العالم“.

إن النصوص المصرية القديمة والأشورية – البابلية والتوراتية تثبت أن الخصائص الجسمانية والطبائع النفسية لكل شعب من شعوب الشرق الأدنى، في الماضي القديم، بما فيها سكان البلد البناني، تشبه، في معظمها، خصائص كل شعب من الشعوب التي تعيش اليوم في ذات بلدان هذه المنطقة. لذلك قيل “إن السياسة هي بنت التاريخ، والتاريخ إبن الجغرافية، والجغرافية لا تتغير”.

يقول العالم الفرنسي “بلانهول ” : Planhol

إن الجبل لبنان هو أعلى جبل في بلدان الشرق الأدنى، إذ يتجاوز علوه ٣٠٠٠ متر، كما هو الأكثر حظوة بالثروات المالية… وينعم، علاوة على هذا، باتصال مباشر بالبحر المتوسط، إذ تعلو سفوحه الموعرة خلجان الشاطئ ومرافئه…وهذا الطابع المزدوج، الذي يجعل من لبنان الجبل العالي صنوا للإستقلال، ومن لبنان الجبل البحري إنفتاحاً على التأثيرات الخارجية، يفسر لنا كون لبنان دعامة لبناء سياسي من أقوى التكوينات السياسية في شرق الأدنى ومن أكثرها أصالة“.

على هذا الأساس، إن الشخصية البنانية المميزة قد كونتها البيئة الجغرافية البنانية المؤلفة من جبل شهيق مفتوح على البحر المتوسط. فجبل لبنان، ككل جبال العالم، ينشط عند سكانه روح الإستقلال والحرية والفردية. والبحر، وخصوصاً عندما يكون ممراً عالمياً كالبحر المتوسط، ينشط، عند الشعوب التي تعيش على شواطئه، النزوع إلى الأسفار والمغامرات والإتصال بالبلدان الغربية وتبادل البضائع والأفكار معها.

ففي مصر والعراق، حيث الأنهر الكبرى، النيل والفرات ودجلة، تروي أراضي خصبة وشاسعة الأرجاء، تتركز أسس المجتمع والإقتصاد والحضارة على النشاط الزراعي. ولما كانت أراضي البلد اللبناني لا تكفيه لسد حاجاته الغذائية من المنتجات الزراعية، فقد عوض عن ذلك بالتجارة البحرية مع العالم الخارجي.

لذلك نرى أن أحداً من شعوب جميع بلدان الشرق الأدنى، خلال تاريخها المديد، لم يحترف مهنة البحر. فلقد ظلت هذه المهنة، في هذا القسم من العالم، من إختصاص وإحتكار البلد اللبناني (الكنعانيين والفينيقيين في التاريخ القديم). وقد اقتسم اللبنانيون والسوريون الأقدمون، أي الفينيقيون والآراميون، العلاقات التجارية مع الخارج. فاحتفظ الفينيقيون بالنشاط التجاري البحري، الذي امتد إلى بلدان البحر المتوسط كافة حتى إسبانيا والمغرب والبرتغال، واختص الآراميون (السوريون) بالنشاط التجاري البري، الذي امتد حتى الهند والصين، كما اثبتت ذلك الإكتشافات الأثرية في آسيا الشرقية، التي ابرزت كتابات آرامية قديمة.

إن التطور التاريخي الطويل للبلد اللبناني، الذي يبدأ في الألف الرابع قبل الميلاد، يقسم إلى شطرين أو حقبتين يمتد كل منهما إلى فترات عدة طويلة أو قصيرة: فالقسم الأول يشمل الحقبة البحرية أو الفينيقية، التي تمتد من الألف الرابع حتى الفتح العربي الإسلامي (٦٤٠ بعد الميلاد)، حيث كانت الحيات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في البلد اللبناني قائمة على إستقلال المدن الفينيقية وعلى نشاطها التجاري البحري والثقافي، باستثناء بعد الفترات حيث كان يتوقف النشاط البحري مؤقتاً لأسباب سياسية وأمنية. أما القسم الثاني فيشمل الحقبة القارية أو الإسلامية التي تمتد من الفتح العربي الإسلامي حتى أوائل القرن العشرين، حيث قامت حياة البلد اللبناني الإقتصادية، بصورة رئيسية، على النشاط الزراعي الريفي، باستثناء بعض الفترات، حيث كان يعود النشاط التجاري البحري إلى حين.


القسم الأول
الحقبة البحرية أو الفينيقية (٤٠٠٠ ق.م. – ٦٤٠ ب.م.)


“إن التجارة البحرية والإستعمار هما حدثان كبيران في تاريخ العالم. فنحن نجد فيهما أسلوباً للتوسع بمختلف كل الإختلافات عن الهجرة الجماعية وعن فتوحات التسلط… انها طريقة لفتح العالم دون فتوحات عسكرية “.(H. Berr)

١


النشاط التجاري البحري واستمراره


في الألف الرابع قبل الميلاد، ظهرت مدينة جبيل – بيبلوس بنشاطها التجاري والبحري وبدورها البارز في هذا المجال: بحرياً كوسيط بان مصر وقبرص وكريت، وبريان مع سوريا والعراق والأناضول. وفي الألف الثالث قبل الميلاد ظهرت مدن صور وصيدا وأرواد وأوغاريت، وقامت هي أيضاً بالنشاط ذاته والدور نفسه مع كل بلدان البحر المتوسط والشواطئ الأوروبية والأفريقية للمحيط الأطلسي. وقد إستمر هذا النشاط البحري للمدن الفينيقية باتجاه الغرب، في الألف الثاني قبل الميلاد وزاد حجماً واتساعاً في الألف الأول قبل الميلاد.

وعلى أثر ما يسميه المؤرخون بغزوات “شعوب البحر والشمال” لبلدان الشرق الأدنى، حوالي سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد، تقلصت الأراضي الفينيقية، التي كانت تمتد على كل شواطئ لبنان وسوريا وفلسطين منذ الألف الثالث قبل الميلاد، فأصبحت، بعد ذلك الحين، تقتصر على الأراضي اللبنانية وحدها: أرض فينيقيا الكلاسيكية، أي البلاد اللبناني الحاضر.

وعلى أثر ذلك، غصت المدن الفينيقية اللبنانية بمجموعة كبيرة من اللاجئين الكنعانيين أو الفينيقيين التي أجلاها الغزاة عن الشواطئ الفلسطينية والسورية الشمالية. فلحل هذه المشكلة الخطيرة، إتجه الفينيقيون، غداة سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد، نحو البحار البعيدة، مدشنين بذلك سياسة جديدة من التوسع الإقتصادي والبشري بالإستيطان في ما وراء البحار. وفي سنة ٨١٤ قبل الميلاد، تأسست مدينة قرطاجة في أفريقيا، حيث تقع بلاد تونس اليوم. وهكذا، فمنذ أوائل الألف الأول قبل الميلاد، قفزت فينيقيا إلى المرتبة الأولى على مسرح السياسة الشرقية والعالمية، واستمرت محافظة على هذا الدور قرناً عدة بعد ذلك التاريخ.

٢


الحياة الثقافية
(إكتشاف الأبجدية الفينيقية)


إن الحضارة الفينيقية، التي تطورت في الألف الثالث قبل الميلاد، تجلت بحلة أبهى في الألف الثاني. ففي النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، اكتشفت في مدينة جبيل الأبجدية الفينيقية، التي هي أم الكتابات الهجائية الحديثة جميعاً. ويقول علم الآثار الفرنسي “دينان” (Dunamd):

“إن الأبجدية الفينيقية “كانت أحد الإختراعات الإنسانية الأكثر كمالاً. فلقد صمدت، رغم جميع التطورات الحضارية، في عالم راح، بعد أربعة آلاف سنة، يعيد النظر في مناهجه كافة”.

ويقول “بارو” Parrot: إن إكتشاف الأبجدية هو أحد القاب الفخر للفينيقيين. فهي تضعهم في مصاف الشعوب التي اسهمت في تطوير الفكر والحضارة العالمية”.

ثم إن الفينيقيين نظراً لتمسكهم بشخصيتهم الإقليمية وذاتيتهم المميزة، استعملوا الإختراع الهجائي الجديد لنقل لغتهم الكنعانية الفينيقية، وهي لغة بلدهم فقط، وأهملوا اللغة المصرية، وهي لغة بلد وحضارة كبيرين، كما أهملوا اللغة الأكادية البابلية، التي كانت، آنذاك، لغة الدبلوماسية” والتجارة الدولية.

“إن هذا الحدث مهم. فهو يظهر أن فينيقيا ظلت تلك الشخصية الفريدة رغم تسلط اللغات القوية التي كانت تتقاسمها” (Dumand)

يضاف إلى ذلك ان الهجائية قد ولدت الكتاب، الذي كانت تصنعه جبيل من ورق البردى المستورد من مصر وتوزعه في عالم البحر المتوسط. ومن هنا تسميتها “بيبلوس”، من الكلمة اليونانية “بيبلو”، التي تعني “كتاب”، والتي كان الإغريق يشيرون بها إلى جبيل.

ومن جهة أخرى، فإن اللوحات التي اكتشفت سنة ١٩٢٩ ، في خرائب مدينة أوغاريت الفينيقية (رأس شمرا) قرب اللاذقية، والتي يعود تاريخ تحريرها إلى حوالي سنة ١٤٠٠ قبل الميلاد، وكانت تشكل مكتبة مدينة أوغاريت الفينيقية التي دمرت بكاملها حوالي سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد، كانت مكتوبة بأحرف هجائية لغتها ذات لهجة كنعانية فينيقية.

يقول المستشرق الفرنسي “بريون” عن هذه المكتبة:  (Brion)

إن القيمين عليها كانوا يلمون بمختلف اللغات المستعملة في رأس شمرا (أوغاريت)… فقد كان عليهم ان يجيدوا ست لغات: الكنعانية والبابلية… والمصرية… والحثية… والفينيقية التي كانت مكتوبة بحروف هجائية“.

ويقول عالم الآثار الفرنسي “فيرولو” Virolieaud عن هذه المكتبة:

كان يقول في عهد الروماني أن فينيقيا انجبت، منذ حرب طروادة (١٢٠٠ ق.م.)، مؤرخين وفلاسفة… ولكن من المؤكد على الأقل أن فينيقيا قد انجبت قبل حرم طروادة شعراء اكتشفت مؤلفاتهم حديثاً… في سوريا الساحلية وفي أنقاض مدينة كانت أسستها صيدون أو صور، وهي متروكة منذ ٣٠٠٠ سنة… ويلاحظ أيضاً أنه، بينما كانت مصر قد اقتبست الكثير من منجزات “الخيال” من فينيقيا، لا نجد هناك شيئاً مصرياً أو بابلياً في الأساطير أو الميتولوجيا الكنعانية إذا ما أخذنا بعين الإعتبار قصائد رأس شمرا“.

٣


الحياة الدينية


خلال الألف الثالث والألف الثاني قبل الميلاد، بقي الدين الفينيقي محافظاً على الخصائص الكبرى التي تميزه. إلى أنه في نهاية الألف الأول قبل الميلاد، تأثرت فينيقيا بالتقلبات التي نتجت عن تغلغل النفوذ الهلنسي في جميع أنحاء الشرق الأدنى.

ويستدل من نصوص رأس شمرا أن الفينيقيين كانوا منقسمين بين أنصار للإله “ايل” وأنصار للإله “بعل”. وبعد زوال الوثنية، بآلهتها الكثيرة وأتباعها، خلفتها المسيحية في لبنان، وقد توزع سكانه في الإنتماء إلى طوائفها المتعددة. وبعد إنتشار الإسلام، أضيفت شيعه المختلفة إلى الطوائف المسيحية في لبنان. مما يفيد أن تعدد الطوائف الدينية في لبنان، كما هو الحال في الزمن الحاضر، ليس أمراً جديداً على هذا البلد بل أنه ظاهرة إجتماعية تنم عن روح الحرية والتسامح التي تحلى بها اللبنانيون في كل زمان.

٤


النظام السياسي:
ملكية مقيدة بمجلس شيوخ


بعد ١٢٠٠ قبل الميلاد، شهدت الأراضي الفينيقية ظهور أربع مدن مستقلة، هي، من الشمال إلى الجنوب: ارواد، جبيل، صيدا، وصور. وبما أن الإتصال مع الداخل السوري كان أسهل على صور وصيدا وأرواد، فإن هذه المدن تفوقت على جبيل في حقلي الملاحة والتجارة. غير أن جبيل احتفظت بتفوقها الثقافي، بفضل دورها الديني الرئيسي كمركز لعبادة أدونيس ولصناعة الكتاب.

وكانت صور، بجزيرتها، القلعة التي لا تقهر، وأصبحت المدينة الأولى في كنعان. وعلى الرغم من ذلك، فقد بقيت المدن الفينيقية مستقلة الواحدة منها عن الأخريات.

وبفضل النقوش الكتابية، أصبح بإمكاننا تكوين فكرة واضحة عن طريقة سير الدولة الفينيقية. التي تكاد لا تتغير على مر العصور… فقد كان يحكم من بعد العائلات التي تدعى تحدرها من أصل الهي. كانت، إذاً، في فينيقيا، سلالة مالكة حقيقية، غير أن سلطة الملك كانت، على ما يبدو، مقيدة من قبل مجلس الشيوخ، يتم إختيار اعضاءه من بين أغنى تجار المدينة.

وفي اواخر العهد الفينيقي، أصبحت لمجالس الشيوخ هذه سلطة تقارب سلطة الملك… كما أن هؤلاء الملوك كانوا، في الغالب، مستقلين بعضهم عن البعض الآخر. إلا أنهم كانوا يتحدون عند مقاومة الغزاة“.

وهكذا، نجد أن المدن – الدول الفينيقية كانت ترفض أن تنصهر كلها في دولة موحدة ومطلقة. فبقيت سيادة هذه المدن تجارية أكثر منها عسكرية، وبحرية أكتر منها برية، وأساسها الأول الحرية والإستقلال. وعلى خلاف باقي شعوب الشرق المعاصرة، حيث كان الملك ذا سلطة غير محدودة، فإن سلطات الملك الفينيقي كانت مقيدة بمجلس شيوخ، كثيراً ما كان يتخذ قرارات مخالفة لرأي الملك.

٥


الفينيقيون ينقلون الحضارة
إلى بلاد الإغريق


في الألف الأول قبل الميلاد، كان الاغريق أنفسهم يعترفون بأن الفينيقيين هم رواد نهضة الحضارة الهيللينية. فإذا عدنا إلا قصص الإغريق الأكثر شهرة وأمانة، نجد أن “قدموس” الفينيقي، إبن “أغينور”، ملك صور في فينيقيا، الذي ذهب للتفتيش عن شقيقته “أوروبة” لما خطفها الإله “زفس”، قد أسس مدينة “طيبة” في بلاد الإغريق، حيث نشر الأبجدية وعلم الإغريق فن حراثة الأرض واستغلال المناجم وصهر المعادن.

ثم إن هناك فلاسفة وعلماء عظماء ممن اعتبروا اغريقيين، لأن مؤلفاتهم مكتوبة باللغة اليونانية، هم، باعتراف الإغريق أنفسهم، من أصل فينيقي. ومن هؤلاء الفينيقيون الكبار. “طالس”، و”فيتاغورس” و”أوكليدا” و”زينون” و”موخوس الصيدوني” الذي إفترض المذهب الذري (قاعدة النظرية الذرية المعاصرة) وغيرهم…

٦


الفينيقيون واستعدادهم للحرم
دفاعاً عن حرياتهم
ومصالحهم الحيوية


 

لم يكن سكان فينيقيا رجال مال وأعمال وعلم وثقافة فحسب، بل كانوا مقاتلين، عندما كان يستوجب الأمر الدفاع عن بلدهم واستقلالهم وحرياتهم ومصالحهم الحيوية.

ثم أن علاقاتهم مع مستعمراتهم العديدة، المنتشرة على الشواطئ الغريبة للبحر المتوسط، كانت علاقات تجارية إقتصادية ثقافية عاطفية دينية، ولم تكن قط علاقات سياسية مفروضة بالقوة العسكرية. لذلك، فقد استمرت هذه العلاقات بين المستعمرات والوطن الأم بضعة قرون، حتى في ظل سيطرة الأجانب (الأشوريين والكلدانيين والفرس).

ففي سنة ٣٣٣ قبل الميلاد، زحف الملك اسكندر المقدوني على الإمبراطورية الفارسية، التي كانت تمتد من بحر إيجه والبحر المتوسط غرباً حتى الهند شرقاً، فقضى على الجيش الفارسي الجرار في معركتين، الأولى في آسيا الصغرى (٣٣٣) والثانية في كيليكيا (٣٣٢). وكانت كل معركة تنتهي في بضع ساعات.

ولكن الحال تبدل مع الاسكندر عندما وصل إلى مدينة صور، عاصمة فينيقيا وأقوى قوة بحرية في المتوسط الشرقي، والمنافسة الكبرى للإغريق في النشاط البحري. فرفضت صور أن تفتح ابوابها أمام العاهل الغربي، الذي كان قد قضى بمعركتين على أعظم وأوسع إمبراطورية في ذلك العصر. فحاصر الإسكندر صور بذاته حصاراً دام سبعة أشهر إنتهى بتدمير المدينة تدميراً كلياً بعد قتال دام وعنيف (٣٣٢). إلا أن صور تمكنت من أن تنبعث سريعاً من انقاضها رغم الإجراءت السلبية التي أخذها الإسكندر ضدها، ذلك بفضل عتاد ومثابرة سكانها الذين كانوا قد اشتهروا بالصناعات منذ زمن طويل. لكن اسطولها وقوتها البحرية والمالية والسياسية لم يبق منها إلا الذكرى.

٧


المدن لفينيقية في عهد اليونان
والرومان والبيزنطيين ٩٣٠
(٩٣٣٠ ق.م. – ٦٤٠ ب.م.)


 

في العهد الذي تتابعت فيه الفتوحات في هذا الشرق، منذ الفتح اليوناني (الاسكندر) (٣٣٣ – ٦٤ ق.م.) والروماني (٦٤ ق.م. – ٣٣٠ ب.م.) والبيزنطي )٣٣٠ – ٦٤٠)، نعمة المدن الفينيقية باستقلال داخلي وبازدهار مرموق في حياتها الإقتصادية والثقافية والأمنية، بالرغم من السيطرات الأجنبية عل الأرض والبحر. ومنذ القرن الثالث بعد الميلاد، غدت بيروت حاضرة ثقافية كبرى ومركزاً لمدارس مهمة، كان ابرزها مدرسة حقوق شهيرة وصفت بأنها أحد أنشطة مراكز علم الحقوق في الإمبراطورية الرومانية.

وفي روما وباريس كان عدد الفينيقيين، في العهد البيزنطي، غفيراً، وكان نفوذهم مرموقاً في المراكز الكبرى وخصوصاً الكهنوتية، حتى وصل بعضهم في فرنسا إلى أسقفية باريس وأسقفية أورليان، حيث كانوا يلقون بعض مواعظهم بلغتهم السريانية (الآرامية المسيحية). وتبوأ البعض الآخر في روما الكرسي البابوي.


القسم الثاني
الحقبة القارية أو الإسلامية (٦٤٠ – ١٩٤٦)


 

بعد الفتح العربي الإسلامي (٧٣٥ – ٦٤٢)، حل محل فينيقيا، أو بتعبير أصح حل محل لبنان البحري، لبنان آخر، هو لبنان الجبلي، المنعزل عن البحر والمتراجع إلى حياة إقتصادية ريفية الأساس، بسبب تجميد كل نشاط بحري من الخارج في جميع المرافئ والمدن البحرية للدولة العربية الجديدة. واستمر هذا الوضع عموماً حتى أوائل القرن العشرين، باستثناء بعد الحقبات حيث كان النشاط البحري ينبعث بصفة مؤقتة نسبياً.

١


سكان لبنان يرحبون بالفاتحين العرب
ثم يقاومونهم (٦٣٥ – ٦٦٦ م.)


إن الفتح العربي الإسلامي، الذي راعى، في البدء، المصالح الإقتصادية لشعب فينيقيا المسيحية، لاقى الترحيب من قبل الفينيقيين المسيحيين. فقد أتاح الفتح لهؤلاء توسيع نطاق نشاطهم البحري في المتوسط الشرقي، الذي كان وفقاً على البيزنطيين، كما أتاح لهم تنمية العلاقات التجارية، بطريق البر، مع البلدان الآسيوية، التي أصبحت تنتمي، مثلهم، إلى دولة واحدة، هي الدولة العربية الإسلامية، المتخذة من دمشق عاصمة لها، والتي كانت سيطرتها تمتد، شرقاً إلى حدود الهند.

وتحت تأثير الأوساط الإقتصادية المسيحية في مدن الساحل، وإرثة التقاليد البحرية والتجارية الفينيقية، صمم الخليفة معاوية (٦٦١ – ٦٨٠)، وهو الممثل لشعب صحراوي بري ليست له أية خبرة بحرية، على مواجهة العدو في البحر، أي في المجال المنيع لهذا العدو. وبهذا الدافع، قام بإنشاء أسطول بحري عربي قام ربابنته وملاحوه من الشعوب المسيحية اللبنانية.

وهذا الأسطول الفتي، الذي كان يعد، كما يروي المؤرخون العرب، ألفا وسبعمئة قطعة، كان بقيادة لبنانيين وسوريين معظمهم من المسيحيين“.

حوالي ٦٦٠، بعد أن قام العرب بحملات برية عدة في آسيا الصغرى، راحوا يستعدون لمهاجمة القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. ولتلافي هذا الخطر، قرر البيزنطيون خلق المشاكل للعرب في السواحل السورية اللبنانية. فاتجهوا نحو سكان جبل لبنان، نظراً للأهمية البحرية لبلادهم المشابهة لقلعة جبلية. وإذ رأى اللبنانيون المنعزلون في مرتفعاتهم أن التدخل العسكري من جانبهم ضد العرب قد يفتح له طريق البحر، استجابوا لدعوة بيزنطيا، التي ارسلت لهم مدداً من المحاربين، هم الجراجمة أو المردة، قبائل مسيحية محاربة من جبل طورس الشرقي.

وحوالي ٦٦٦ ، قام الجراجمة، الذين بلغت مجموعتهم عدة آلاف من الرجال، قد احتلوا كامل المنطقة الممتدة من جبال طورس حتى فلسطين، وسيطروا على جميع قمم جبل لبنان، فانضمت اليهم جماعات كثيرة من سكان الجبل اللبناني والبلدان والمجاورة، خصوصاً الموارنة. ولكي يوقف الخليفة معاوية هذه الحركة الخطرة، دخل في محادثات مع الإمبراطور قسطنطين بوغوناتا، انتهت بإتفاق يتعهد بموجبه العاهل العربي بدفع ضريبة سنوية للعاهل البيزنطي.

وفي زمن الخليفة عبدالملك إبن مروان (٦٨٥ – ٧٠٥)، إضطر هذا العاهل إلى عقد إتفاق مع الإمبراطور يوستينيانوس الثاني تخلى بموجبه عن نصف خراج قبرص وأرمينيا للأمبراطور الذي سحب من لبنان إثني عشر الفاً من الجراجمة أو المردة التي بقيت في لبنان، فقد اندمجت بالسكان المسيحيين المحليين وبنوع خاص بالموارنة.

٢


إحتجاب فينيقيا عن البحر وانقطاعها
عن بلاد الغرب


وفي سنة ٧١٨ م. قناة بيزنطيا قد اعادت بناء قوتها البحرية والعسكرية. فدحرت الجيش والأسطول العربيين الذين كانا قد عادا من جديد لحصار القسطنطينية، وتمكنت من إعادة سيطرتها على شواطئ آسيا الصغرى.

فمنذ ذلك الحين، غدا البحر، الذي سيطر عليه تماماً العدو البزنطي، محظوراً على رعايا الدولة العربية الذين لم يعد بإمكانهم الإتجار مع الأعداء. فانقطعت المواصلات البحرية بين الشرق والغرب انقطاعاً شبه تام، وأصبح هناك حضارتان مختلفتان ومتباغضتان، هما الإسلام والمسيحية، منتشرتان على شواطئ البحر المتوسط، بعد أن كانت هذه الشواطئ مفتوحة منذ فجر التاريخ لجميع الأمم والشعوب. وأصبحت الدول الإسلامية، التي تولت من ذاك الزمان حتى أوائل القرن العشرين، في نزاع يكاد يكون دائماً مع القوة الأوروبية. فالبحر المتوسط كان يعتبر منطقة معادية للعالم الإسلامي ولأتباع دوله، وكان محظوراً عملياً على تجارتهم وأسفارهم. فقد كانت السفن البحرية وحدها أو سفن القراصنة هي التي تقوم بمخاطرة الإبحار فيه.

يقول البارخ البريطاني أرنولد توينبي (A. Toynbee)

منذ الفتح العربي، فقدت موانئ البحر المتوسط نشاطها التجاري مع الغرب. وغدا الشاطئ المتوسطي للبرزخ السوري جبهة عسكرية بين الإمبراطورية الأموية والإمبراطورية الرومانية منذ فشل المحاولتين الأمويتين لفتح القسطنطينية“.

وغدت فينيقيا جبهة حرم بين الإسلام والمسيحية. وهكذا شل النشاط التجاري تماماً منذ ذلك التاريخ، وغدت المدن الفينيقية مقفرة بائسة، بعد أن نزح عنها أهلوها إلى الجبل أو إلى الخارج، مخلفين وراءهم قرى خاملة الذكر. وأصبحت المدن السورية الداخلية، كمحطات للطريق البرية الكبرى بين العراق ومصر، تتمتع بنشاط إقتصادي محدود نسبياً، إذ إن ازدهارها تراجع نتيجة إضطراب الحياة الإقتصادية المتوسطية وخراب المدن البحرية اللبنانية. وبرزت الإقطاعية، فاستقرت في بلدان الشرق الأدنى كنتيجة حتمية للتقهقر الإقتصادي الذي عم هذا القسم من العالم.

٣


ظهور لبنان الجبلي على المسرح التاريخي:
جبل لبنان موطن الحريات وملجأ الأقليات


 

كان جبل لبنان، قبل الفتح العربي، موطناً لبعض الجماعات المسيحية، التي كان يرئسها زعماء وطنيون يخضعون للإمبراطور البيزنطي. وقد تركهم العرب على هذه الحالة، مكتفين منهم بتبعية إسمية رأوها أفضل لهم من الفتح العسكري لبلاد أولئك الجبلين الشديدي المراس.

وعندما حرمت المدن الفينيقية من نشاطها البحري بعد الفتح العربي، وتقهقرت إلى مستوى قرى عادية، إتجه سكانها إلى استثمار القسم الجبلي من البلاد. وبسبب تكاثر عدد سكان الجبل عقب النزوح الكبير من المدن نحوهم، بدأوا يعملون لزيادة انتاجهم الزراعي بالإعتماد على الزراعة الكثيفة. فتغير معها الدور التاريخي القديم، وبدل النشاط التجاري البحري، الذي كان لهذا البلد طول الأزمة السابقة، أصبح النشاط الإقتصادي الزراعي الريفي هو الذي سينال إهتمام الأهلين طوال القرون المقبلة التالية. وفي هذه الحقبة الطويلة، تحول اللبناني من التاجر إلى قروي فلاح أو رع، وفي الوقت ذاته إلى جبلي محارب مهيأ للدفاع عن أرضه وحريته وعقائده.

“نكرر، أن الجبل هو أساس وجود البلد اللبناني (قبل وبعد الإسلام). فهو الذي أعطى هذا البلد السمة الجوهرية لذاتيته، وهو الحصن السياسي والعسكري الذي يولد الإستقلال والحرية والذي أصبح، بتطور طبيعي، ملجأ دينياً”.

مع أن إسم لبنان، وهو لفظ سامي يعني “البياض”، قد استعمل منذ الألف الثالث قبل الميلاد كتسمية لمجموعة القمم الجبلية العالية التي تنحدر نحو الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، فاسم جبل لبنان، منذ الفتح العربي، انحصر بالمناطق الجبلية التي كان يسكنها المسيحيون الموارنة. فالمنطقة الوسطى، التي اقامت فيها أكثرية الثقافة الدرزية، كانت تحمل في القرن الحادي عشر إسم “جبل الدروز” أو الشوف. ولم تحمل مجموعة المناطق الجبلية في شمالي البلاد وفي وسطها إسم جبل لبنان إلى بعد الإستقلال الذاتي لجبل لبنان سنة ١٨٦١. أما الجزء الجنوبي من الجبل، حيث يقيم الشيعة (المتاولة) فقد كان يعرف باسم “بلاد بشاره” أو “جبل عامل”.

فمنذ الفتح العربي، غدا لبنان ملجأ للأقليات الباحثة عن الحرية والأمن، مهما كان الإنتهاء الديني لتلك الأقليات، مسيحية وغير مسيحية، وسواء أكانت من المواطنين الأصليين أو من المهاجرين القادمين من البلدان المجاورة، فكانت تلقى فيه ملاذاً لها وبذلك أصبح لهذا الجبل شخصية متفردة سياسياً وقومياً، ولا تزال لو حتى الآن. وقد بدأ تطور الشخصية الجماعية لسكن الجبل اللبناني منذ الفتح العربي، واستمر دون توقف، بين يسر وعسر، حتى إنحلال الدولة العثمانية سنة ١٩٢٠، إذ أعيدت إلى الجبل المدن البحرية والمناطق البرية التي كانت معه في العهود الفينيقية القديمة.

عامل العباسيون لبنان، كما عاملوا سوريا وفلسطين ومصر، معتبرين هذه البلدان مناطق مفتوحة بالحرب. في سنة ٩٥٧، وبسبب الطغيان وظلم الولاة، إضطر مسيحيو لبنان إلى حمل السلاح، منتهزين فرصة وجود قوة بيزنطية في منطقة طرابلس. فثار جبليو منطقة المنيطرة، شرقي جبيل.

فاستولوا على قرى البقاع ثم زحفوا على بعلبك. وقد وقعوا في كمين…ودحروا إلى الجبل وقبض على العصاة في قراهم، وتم تشريد معظم اللبنانيين في الأرض السورية. فأثارت هذه الأعمال الجائرة إحتياجات الإمم الأوزاعي فقيه بيروت الشهير“.

٤


عهد الأمراء أو الصليبيين
فتح الموانئ اللبنانية للتجارة الأوروبية
(١٠٩٨١١٩١)


إن التجزئة السياسية لسوريا وتعدد المذاهب الدينية،… فتحا الباب على مصراعيه للغزو الأجنبي. وكان الشعب، الذي عانى من الذل والفقر طوال قرون عدة بسبب الجور العباسي والفاطمي والسلجوقي التركي، لا يبالي عند تبادل من يسوده. ففي تلك الحقبة التي انتهت بنهاية القرن الحادي عشر، كان المغامرون الغرباء والمرتزقة الأتراك والبربر يحتلون المسرح  وجميعهم في حرب بعضهم ضد البعض الآخر، يحاولون التوسع على حساب جيرانهم… كانت الأرض الصالحة للزراعة تخص الإقطاعيين العسكريين من الأتراك السلجوقيين ومن أمراء التركمان… وبهذه الطريقة إنتقل أفضل الممتلكات السورية إلى أيدي المغامرين الغرباء، الذين كانوا يتدافعون لجني الثروة عل حساب البلاد وموطنها الأساسيين“.

ومن جهة أخرى، ففي الفترة التي نحن بصددها، كان الدين، كما رأيناه، يمثل القومية والوطن. وكانت كل من الجماعات الطائفية المختلفة، الإسلامية والمسيحية، تعتبر نفسها غريبة عن الأخرى، بل وعدوة لها.

ففي هذا الزمن، كانت الشعوب الإسلامية في سوريا ولبنان وفلسطين، بأغلبيتها الكبرى، مؤلفة من عناصر شيعية خاضعة لمتسلطين سنيين غرباء الأصل هم الأتراك السلجوقيون، الذين أتوا حديثاً من آسيا الوسطى فاعتنقوا الإسلام وتبنوا المذهب السني.

أما المسيحيون، الذين كانوا يشكلون في هذه البلدان اقليات هامة، فكانوا رعايا للسلطان السلجوقي، ولكن، بسبب دينهم، كانوا رعايا من الدرجة الثانية ومستبعدين سياسياً. وفوق ذلك، فأن الدين المسيحي قرب بين المسيحيين الشرقيين وبين الفرنج نظرائهم في الدين.

فعندما امتدت الموجة الصليبية الأولى نحو الجنوب بعد انتزاع أنطاكيا من أيدي الأمراء الأتراك السلجوقيون (١٠٩٨)، استقبلت، في البلاد التي اكتسحتها، بلا مبالاة من جانب الشيعة وبعطف من جانب المسيحيين.

وخلال سيطرة الصليبيين (١٠٩٨ – ١٢٩١)، أعد الفرنج ” فتح الموانئ للتجارة الأوروبية… وكان هذا الحدث، كما يقول المؤرخ دينان، بدء ازدهار كبير دام قرنين”… وكانت الملاحة بيد الجاليات التجارية الغربية وعلى الأخص الإيطالية، فعادت موانئ طرابلس وصور وعكا، وكأنها في العهد الفينيقي، مخازن لجميع تجارة الشرق. هذا الإزدهار عم جميع سكان البلاد، الفرج أولاً ثم سكان البلاد الأصليين، من مسلمين ومسيحيين على السواء.

٥


عهد المماليك (١٢٥٠ – ١٥١٧)


بعد زوال سيطرت الفرنج، خلفتها، في لبنان، سيطرت المماليك. والمماليك يتحدرون من أصول أجنبية، معظمهم من الأتراك والشركس المسلمين السنين الذين اعتنقوا الإسلام في سن مبكرة. وكانوا يربون بعناية ويصنفون في مراتب منظمة، حتى اصبحوا جيشاً شديد السطوة. وفي سنة ١٢٥٠، انقلب زعيمهم على أسياده الأيوبيين واستولوا على السلطة وأصبح سلطاناً على مصر وسوريا.

ظل لبنان، الذي لم يحتله المماليك عسكرياً، ملجأ، كما في السابق، لمختلف الأقليات في المنطقة. وكان له نظام خاص. وقد بقيت جماعاته الطائفية المختلفة تحتفظ كل منها برئيسها المحلي المستقل داخلياً والتابع للنائب المملوكي المكي في طرابلس أو دمشق.

وفي عهد السلاطين المماليك، وعاصمتهم القاهرة، ازداد تقهقر مدن الساحل اللبناني، بفعل الحروب وأعمال التخريب التي أدت إلى الطرد النهائي للفرنجة، فعمها انحطاط تام. ويقول “لامنس” اسمه بالفرنسية: Lammens

“إنه خوفاً من عودة عدائية يقوم بها اللاتين، تم تخريب الساحل اللبناني بصورة منظمة. فدمرت الحصون وأجلي السكان إلى الداخل أو هاجروا إلى قبرص”.

لكن العلاقات التجارية بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، التي كانت منقطعة تماماً منذ إجلاء الفرنجة، ما لبثت أن استؤنفت من جديد. فالمماليك كانوا واقعيين، وبسبب حاجاتهم للمال، شجع الغربيين على التعامل مع بلاد الشرق. وكانت الإسكندرية وبيروت مركزين لهذا النشاط التجاري، وبدأ ايطاليون وفرنسيون واسبان يعودون بالتدريج للتعامل مع بلاد الشرق. ثم عاد التمثيل القنصلي إلى الظهور، وسبحت بيروت ملتقى لشعوب المتوسط.

جواد بولس