Ar     En
أهمية التاريخ والجغرافيا في نشوء الأمم والشعوب: الفصول اللبنانية 2 – خريف 1980

أهمية التاريخ والجغرافيا في نشوء الأمم والشعوب: الفصول اللبنانية 2 – خريف 1980

أهمية التاريخ والجغرافيا

في نشوء الأمم والشعوب

نص المحاضرة التي القاها الأستاذ جواد بولس من عن منبر مدارس راهبات المحبة. في ذوق مكايل، بتاريخ الأول من حزيران ١٩٨٠ حول الموضوعين العلميين: التاريخ والجغرافيا. بحضور مدراء وأساتذة المدارس الرسمية والخاصة في كسروان، وكبار رجال الدين والعلم والفكر. وجمهور من ألف وثلاثماية شخص. وقد خص “الفصول” بنشرها، كاملةً.

مدخل

دعيت لأحدثكم عن موضوعين علميين مهمين: التاريخ والجغرافيا. فلبيت الدعوة بطيب خاطر نزولاً عند رغبة الأستاذ أنطوان خويري، وتقديراً لما أعرفه عنه، من إخلاص في خدمة لبنان والقضية اللبنانية، والعلم والثقافة، وخدمة طلاب العلم.

اني أفهم تماماً رغبة الطلاب في ترسيخ عقيدتهم اللبنانية على أسس علمية بحتة وحقائق تاريخية راهنة. فقد مررت شخصياً منذ سنين بأزمة نفسية مماثلة، دفعتني لدرس هذا الموضوع درساً عميقاً. فقادني هذا الدرس بعد بضعة سنين إلى وضع مؤلفاتي التاريخية، وعنوانها: “شعوب وحضارات الشرق الأدنى منذ الأصول حتى اليوم” خمسة أجزاء باللغة الفرنسية، ولبنان والبلدان المجاورة”، أي سوريا وفلسطين، جزء واحد باللغة العربية، عدا المحاضرات والمقالات بهذه المواضيع التي كرست لها قسماً كبيراً من أوقاتي ونشاطي، من سنة ١٩٤٥ حتى اليوم.

ولدت في بلدة وفي بيت ساهما فعلياً، ماضياً وحاضراً، مع كثير من المواطنين، في سبيل لبنان وكيانه واستقلاله.

بدأت ناشطي في الحياة كمحام مسجل في نقابة محامي طرابلس ولبنان الشمالي، سنة ١٩٢٣ فانتخبت بالإجماع مرتين نقيباً للمحامين: سنة ١٩٢٣ وسنة ١٩٣٨. ثم دخلت، كنائب عن الشمال، في المجلس النيابي سنة ١٩٣٧. هذا المجلس الذي صار حله من قبل المفوض السامي الفرنسي سنة ١٩٣٩ بسبب بدء الحرب العالمية الثانية. وفي آذار سنة ١٩٤٣ عينت، عن الطائفة المارونية، وزيراً للخارجية والأشغال العامة والصحة والإسعاف العام في حكومة ثلاثية مكلفة بإجراء الإنتخابات النيابية، وإعادة الدستور اللبناني الموقوف والسير بالإستقلال. فاستقالت حكومتنا في ٢٠ تموز سنة ١٩٤٣ لأسباب يعرفها الكثيرون.

وفي سنة ١٩٤٣ ذاتها، زاد الجو السياسي سواداً وانتشرت بكثرة فكرة القومية العربية في لبنان وأخذ بها قسم من اللبنانيين. وانتشرت أيضاً فكرة سوريا الكبرى، وفكرة الهلال الخصيب، وفكرة الوحدة الوحدة العربية الشاملة، وغيرها. ولما كانت لا أؤمن بأية فكرة أو عقيدة سياسية دون أن أتأكد من صحتها علمياً، لذلك لجأت إلى التعمق بدرس التاريخ. وخلاصة ما وصلت إليه في الموضوع المهم، بعد الدرس والتنقيب، هو أن لبنان، كأكثرية بلدان العالم، هو، بالدرجة الأولى، صنيعة الجغرافيا والتاريخ وإرادة اهاليه، لا صنيعة عناصر عرقية، أو اثنية، أو دينية، أو ثقافية. وما أكثر البلدان، في العالم، المؤلفة من عناصر اثنية ولغوية ودينية مختلفة، قد ارتضت، بتأثير العوامل الطبيعية، أي الجغرافية التي هي ثابتة لا تتغير، والعوامل الإقتصادية، أن تعيش في دولة واحدة أو موحدة، كسويسرا، وبلجيكا، وكندا، والولايات المتحدة الأميركية، والإتحاد السوفياتي وغيرها الكثير.

أهمية التاريخ العلمي

Importance de l’histoire scientifique

إن السياسة الرشيدة هي نتيجة الإختبار، وما إختبار الفرد بشيء يذكر بالنسبة لإختيار العديد من الأجيال البشرية التي سبقتنا في هذه الربوع. “فالحقيقة التاريخية هي حقيقة واقعية، لا حقيقة مبنية فقط على الأوهام” – “إن منطق الحياة لا يتوافق دائماً مع منطق العقل المجرد”.

« La vérité historique est one vérité de fait, non une vérité rationnelle. » – « La logique de la vie n’est pas toujours celle de la raison pure ».

إن التاريخ هو سياسة الماضي، وسياسة الحاضر هي تاريخ المستقبل. فالعوامل التي تقود الشعوب، مادياً وحاضراً، لم تزل هي هي، بالرغ، من كافة التغيرات السطحية التي حصلت، هنا وهناك، لأن النفس البشرية لم ولن تتأثر، تأثيراً عميقاً، بهذه التغيرات الخارجية. لذلك فالتاريخ سيظل المرشد الأكبر للشعوب ولزعمائها السياسيين.

يقول المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل: “إن رجل الدولة الذي يجهل التاريخ هو كالطبيب الذي لم يتردد على المستشفى، ولا على المستوصف  (J. Bainville)

« Un homme d’Etat qui ne connaît pas l’histoire, c’est un médecin qui n’est allé ni à l’hôpital ni à la clinique, qui n’a étudié ni les cas ni les précédents. »

إن التاريخ المعول عليه كمدرسة سياسية، واجتماعية، هي غير التاريخ التقليدي أو العادي الذي يكتفي بسرد الوقائع، والأحداث المادية، ووصفها، وترتيبها. فهذا النوع هي إخباري يحلل أحياناً بثوب أدبي أو فني. ولكنه لا يوصل القارئ إلى معرفة الحقيقة الراهنة، لأن فيه من كل فن خبراً، فيغرف المرء منه ما يشاء من الأمثلة، تأييداً لنظرية خاصة، أو دحضاً لنظرية معاكسة.

وهناك التاريخ الفلسفي أو فلسفة التاريخ، يعرض فيه المؤلف نظرية، أو عقيدة، أو فكرة فلسفية أو إجتماعية أو سياسية، ويؤيده بأحاث تاريخية صحيحة. هذا النوع، كالنوع السابق، لا يوصل إلى معرفة الحقيقة الراهنة، لأن لكل امرىء مزاجه، وفلسفته، وذهنيته، ونفسيته الخاصة، ويمكنه بسهولة أن يعثر في طيات التاريخ على أحداث صحيحة تؤيد ما يريد إثباته.

أما التاريخ المعتبر مدرسة هو: علم وفالسفة وعرض أحداث بآن واحد، ويطلق عليه إسمه: التاريخ الكامل أو الجامع: L’histoire totale فهذا النوع يمكن من البحث والتدقيق للوصول إلى معرفة الحقيقة الراهنة بالمعنى المخصص لهذه الكلمة Science، علم إختياري Science expérimentale ، كعلم الطب، وعلم الطبيعية وما اليهما، لهذا العلم قواعده وسننه المستخلصة من حياة وتكور الشعوب، خلال العصور الماضية، منذ نشأتها حتى اليوم. هذه السنن، التي تهيمن على حياة وتحركات ونشاطات الشعوب في شتى الميادين، هي بدورها موجهة بعوامل عديدة، أهمها العوامل الطبيعية أو الجغرافية. لذلك قيل بحق “إن السياسة هي بنت التاريخ، والتاريخ هو إبن الجغرافيا، والجغرافيا لا تتغير”.

« La politique est la fille de l’histoire, l’histoire est file de la géographie, et la géographie ne change pas. »

الجغرافيا عامل جوهري في التاريخ

La géographie, facteur essentiel de l’histoire

قلنا سابقاً أن لبنان كأكثرية بلدان العالم هو وليد الجغرافيا والتاريخ وإرادة اهاليه. إن الجغرافيا الانسانية، أو التاريخ الجغرافي، La géographie humaine ou l’histoire géographique يبين العلاقة بين الإنسان والبيئة الطبيعية التي يعيش فيها، وتأثير عناصر البيئة على تطور والإنسان المجتمعات الإنسانية. فالأسباب العامة التي تؤثر على هذه التطورات تتلخص ببعض عناصر، أهمها: البيئة الطبيعية أو الجغرافية، والطبائع الإثنية، ومقتضيات الصراع من أجل الوجود. لكن، وبما أن الطبائع الإثنية هي، نوعاً ما، من صنع البيئة الطبيعية، وبما أن مقتضيات الصراع من أجل الوجود، هي مسيرة بالطبائع الإثنية، فإن ما ينتج عن ذلك هو أن البيئة الطبيعية، الناشئة عن عوامل المناخ، وطبيعة الأرض، والموقع الجغرافي معاً، عامل جوهري في التاريخ. لأن التاريخ الإنساني يغوص بجذوره كلها… في الواقع المادي للأرض، وعلى خريطة العالم نجد بقعاً إنسانية حية تلتصق لزمن طويل بالأمكان نفسها” .( J. Brunhes)يقول المؤرخ الفرنسي هنري بر: “إن الدور المفترض أن تلعبه البيئة الطبيعية لم يعد بحاجة إلى تأكيد، فهو لا ينقصه سوى التحديد… فالمناخ والتربة والغذاء، تمارس كلها تأثيراً فيزيائياً ونفسياً مباشراً. ولعل طبيعة الأرض وأسلوب العيش الذي تفرضه البيئة ينعكس على تكوين الطبائع… فالبيئة تؤثر تاريخياً لأن الوضع الجغرافي يحث المجموعات الإنسانية على التحرك، أو بالعكس يحد من مجالاتها الحيوية… فالبيئة إذن محرك تاريخي قوي” . (H. Berr)

وعلى الأخص نرى أن “المناخ هو الذي يضفي طابع الوحدة والتشابه على منطقة فيها تباين جغرافي J. Besançon . فهناك مناطق متجاورة ومتشابهة جغرافياً إلا أنها تختلف من حيث المناخ والتربة، ولذلك فهي تسم سكانها بطبائع متباينة نوعاً ما.

ويقول المؤرخ الفرنسي سينيوبوس: “إن الأمة الفرنسية تأثرت بطبيعة أرض البلد الذي تكونت فيه والتي حددت نوع معيشة السكان. كما تأثرت بموقع البلد الجغرافي، الذي أقر علاقات شعبه بالشعوب الأخرى في العالم  (Ch. Seignobos).

ويقول العالم الفرنسي بلانهول: إن جبل لبنان “هو أعلى جبل في لبنان الشرق الأدنى إذ يتجاوز علوه ٣٠٠٠ متر، كما هو الأكثر حظوة بالثروات المائية. وينعم، علاوة على هذا، باتصال مباشر بالبحر المتوسط، إذ تعلو سفوحه الموعرة خلجان الشاطئ ومرافئه. وهذا الطابع المزدوج، الذي يجعل من لبنان الجبل العالي صنواً للإستقلال، ومن لبنان الجبل البحري إنفتاحاً على التأثيرات الخارجية، يفسر لنا كون لبنان دعامة لبناء سياسي من أقوى التكوينات السياسية في الشرق الأدنى ومن أكثرها أصالة X. de Planhol.

والخصائص النفسية، أو الطبائع وهي عناصر فطرية أو غريزية ورأي وثابتة نسبياً وقد صاغتها وأثبتتها عوامل البيئة الطبيعية، تميز الشعوب واحدها من الآخر وتشكل “المحركات” الرئسية في نشاطاتها.

ويختلف الأمر بالنسبة للطبائع المكتسبة بعد الولادة، (كالعادة، والتقاليد الإجتماعية، وطرق المعيشة، واللغة، والدين، والشرائع) فهي بحكم خضوعها للتربة والواقع الإجتماعي، عناصر خارجية، لا تنقل بالوراثة، وهي قابلة لأن تتغير. أما بالنسبة إلى الدين، بوجه خاص، فما لا شك فيه أن “تحول الشعب أو فرد إلى ديانة جديدة لا يغير من طبيعته. ففي الإنسان تتراكم المعتقدات، الواحد فوق الآخر، كطبقات من دهان، لا تختلط ولا تزول”. وخلاصة القول هي: “إن البيئة الجغرافية حيث يعيش شعب ما، هي عمل جوهري، ودعامة تاريخ لذلك الشعب”  (Brnuhes).

يقول بعضهم إن اللبنانيين اليوم متحدرون من الفينيقيين، ويقول بعضهم الآخر من الكنعانيين أو الصليبيين أو العرب أو غيرهم من الأجناس البشرية. والحقيقة هي أن لبنانيي اليوم هم خلفاء جميع الشعوب التي عاشت في البلد اللبناني منذ فجر التاريخ حتى اليوم، وإن البيئة الجغرافية اللبنانية قد طبعتهم، جميعاً، السابقين واللاحقين، بطابعها المميز.

نذكر أن طبائع اللبنانيين هي حصيلة تكثر عوامل البيئة الجغرافية اللبنانية، المؤلفة من جبل شاهق مفتوح على البحر المتوسط. فجبل لبنان، ككل جبال العالم، ينشط عند سكانه روح الإستقلال والحرية الفردية، والبحر، وخصوصاً عندما يكون ممراً عالمياً كالبحر المتوسط، فهو ينشط عند الشعوب التي تعيش على شواطئه النزوع إلى الأسفار، والمغامرات، والإتصال بالبلدان الغربية، وتبادل البضائع والأفكار معها.

هذا هو لبنان الحاضر والماضي، وهذه هي أسباب تمسكه بالإستقلال والحرية والديمقراطية، وتطلعه الدائم نحو البحر والغرب من جهة، ونحو البر والشرق من جهة ثانية. هناك أسباب طبيعية أخرى غير الجبل والبحر، كالأنهر الكبرى: النيل، والفرات، ودجلة، التي تروي أراضي خصبة وشاسعة الأرجاء، جعلت أسس المجتمع والإقتصاد والحضارة في مصر والعراق: النشاط الزراعي منذ فجر التاريخ. أما في لبنان الحاضر، كما في لبنان الماضي، أي لبنان الكنعانيين والفينيقيين ومن خلفهم، فإن اراضيه لا تكفيه لسد حاجاته الغذائية من المنتجات الزراعية. فاضطر أن يعوض عن ذلك بالتجارة البحرية مع العالم الخارجي.

فالتاريخ يرينا أنه كما حدثت أمور سببت إقفال البحر على لبنان خلال العصور المادية، كانت نتيجة ذلك كارثة على هذا البلد، خصوصاً إذا طالت. أكبر مثل على ذلك حالة اللبنانيين خلال الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ – ١٩١٨)، حيث مات ربع سكان لبنان جوعاً بسبب إقفال البحر، وحالة اللبنانيين خلال الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ – ١٩٤٥) حيث كان الإزدهار الإقتصادي عظيماً في لبنان، بسبب بقاء البحر مفتوحاً على اللبنانيين.

إن الشخصية السورية هي أقرب الشخصيات الشرقية إلى الشخصية اللبنانية.

إلى أن إختلاف البيئة الجغرافية في البلدين، رغم التصاقها ببعضها جغرفياً، يجعل منها اقليمين مختلفين جغرافياً، ومكملين لبعضهما البعض من الوجهة الإقتصادية.

إن ما يميز البلدين الواحد عن الآخر، مادياً وحاضراً، هي سجايا وطبائع ناتجة عن أسباب جغرافية واقتصادية وتاريخية مختلفة. فكل من البلدين يتميز عن الآخر على صعيد المناخ والموقع الجغرافي.

فالمناخ، وهو العامل الأكبر الذي يميز بين الأقاليم، يختلف في كل من البلدين: فهو جبلي ويجري في لبنان، وصحراوي وبري في سوريا. وتفصل بين هذين المناخين جبال عالية، هي جبال لبنان والسلسلة الشرقية، التي تشكل سداً منيعاً بين الصحراء والبحر.

ثم إن هناك طبيعة الأراضي وموقعها الجغرافي. فالشطوط اللبنانية مرافئها البحرية وقلة الأراضي الزراعية، بالنسبة إلى الأراضي الجبلية، حتمت على اللبنانيين منذ القدم، ببلدان ما وراء البحار، مما أضفى عليهم، كما ذكرنا، سجايا وطباعاً خاصة. أما في سوريا فإن المدن الكبرى، وهي مرافئ برية على شواطئ الصحراء، واتساع الأراضي الخصبة والمروية، قد فرضت على السوريين منذ القدم الإهتمام بالزراعة والنشاط التجاري البري، والإتصال من أجل ذلك بالبلدان الآسيوية شرقاً، مما أضفى عليهم طباعاً خاصة وتطوراً تاريخياً خاصاً.

إن تاريخ البلدين، لبنان وسوريا، منذ آلاف السنين يثبت هذه الحقائق الرهينة، ويثبت أيضاً أن الوحدة السياسية بينهما أو ما نسميه اليوم بوحدة سوريا الجغرافية، أو سوريا الكبرى، فإني لم أجد أن هكذا وحدة قد تمت طوال الأجيال الماضية، باستثناء عهد الفتوحات والسيطرات الأجنبية. الشرقية أو الغربية، التي عرفتها بلدان هذا الشرق، مراراً عديدة، والتي كانت تجمع هذه البلدان تحت نير أجنبي واحد طوال مئات السنين. وفي تلك العهود المشؤومة كانت هذه البلدان الشرقية مقسمة إلى مقاطعات عديدة، ترتبط كل منها بالسيد الأعلى، ملك، شاهنشاه، إمبراطور، خليفة، المقيم في مقره الرئيسي، أي عاصمة ملكه، أو بممثليه.

مفهوم التاريخ

Le sens de l’histoire

إن الإنسانية، منذ وجودها على الأرض، اهتمت بأن تفهم ماضيها، وأن تتصور مستقبلها بواسطة التاريخ الذي هو أقدم العلوم الإنسانية والذي إتخذ أشكالاً متعددة. ومنذ مائة سنة تقريباً فإن التاريخ بدأ يأخذ الشكل العلمي، الذي حاول الأخذ به علماء الإغريق، منذ القرن الخامس قبل الميلاد، ثم المؤرخ العربي التونسي إبن خلدون، في القرن الرابع عشر بعد الميلاد.

إن البعض يعتقد أن التاريخ لا مفهوم له على الإطلاق. وهذا البعض يقول إن التاريخ لا وضوح فيه، فهو “لا يحترم في شيء، لأنه يحتوي كل شيء، ويعطي أمثلة عن كل شيء”. إن هذه الإعتراضات أو الإنتقادات، الصائبة في ظاهرها، تنطبق، نوعاً ما، على التاريخ التقليدي، سواء أكان إخبارياً، أو وصفياً، أو تحليلياً.

إلا أن الأمر يختلف بالنسبة للتاريخ العلمي L’histoire scientifique هو يبحث عن السنن(Les lois)  التي تسير مجرى الأحداث التاريخية، وعن الأسباب التي تولد هذه الأحداث. ففي التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية، ان الأحداث المتتالية، هي الأسباب والنتائج معاً. وهذه الأسباب منها ما هو عميق وبعيد، ومنها ما هو مباشر وخاص. فالأسباب العميقة، أو البعيدة، هي التي تسبب الأحداث، أو تجعلها ممكنة، بينما الأسباب المباشرة هي التي تثيرها وتفجرها.

فالتاريخ العلمي، إذن، ليس مسلسلاً من الأحداث الصغيرة، بلو هو حصيلة مزيج من الأحداث الكبرى التي لا تتناقض في اطارها العام. فالتاريخ العلمي ينحو إلى إرساء حقائق عامة يستخلص منها تنوع الأحداث الخاصة، ولا إكتشاف الأسباب العامة، أي السنن أو الثوابت: les lois aux constates historiques التي يمكن من خلالها شرح تسلسل الأحداث المعروفة. فهناك من جهة سنن التعايش الإجتماعي lois de la continuité التي تحدد التطور التاريخي للمجتمع، عبر العصور. وعلى هذه الأسس أن للتاريخ مفهوماً ومعنى، شرط أن تحسن تفسيرهما.

منافع التاريخ

Utilité de l’histoire

إن التاريخ العلمي لا يمكنه أن يعطي اليقين التي تعطيه العلوم الرياضية. إلا أنه يقدم للناس وللمجتمعات تنويعاً غنياً من الإختبارات الإجتماعية والركائز الدائمة والثابتة والحقائق الرئسية. مما يجعل تعاليمه العلمية ذات قيمة عالية:

“وهكذا فالإنسان لا يفهم حاضره إلا بماضيه، وماضيه إلا بحاضره. ومهمة المؤرخ هي أن يحكم الرابط بين الحاضر والماضي وبين المستقبل والحاضر.”  H. Berr.

“ففائدة التاريخ الرئسية، هي أن يظهر نتائج النشاطات الإجتماعية وردات الفعل التي تعي تلك النشاطات، بالإضافة إلى تأثير البيئة الطبيعية على الأفراد وعلى المجموعة بكاملها… إن ما يمكن تحديده فهي “الميول” الطبيعية للتطور الإجتماعي، و”الحدود” التي تتحرك ضمنها تلك الميول العامة”.

إن التاريخ خزان كبير للتجارب المتراكمة. ولأنه كذلك، فهو مدرسة سياسية حقيقية، لأنه يشركنا في معرفة اختيارية للإنسانية هي أشمل وأكثر تنوعاً من ملاحظاتنا الشخصية. ووحدها المعرفة التاريخية هي التي تقودنا لنكتشف في الأحداث الحالية سر تركيبها وتجاوبها.

وهكذا فالقوانين التي يضعها البشر، والاجراءت السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يتخذونها، يجب – كي تنجح وتدوم – أن تتلاءم مع البيئة، وأن تراعي الميول لطبيعية للمجتمع التي تنطبق فيه، وحدود هذه الميول. أما “التغييرات الإجتماعية المتخذة بقرارات، والتي غالباً ما تصدر عن ساسة متسلطين قصيري النظر، فدائماً تنتهي بكوارث… – فالأمة لا تتبدل بقوانين، لأن تقدمها ينتج عن تطور النفوس”. . G. Lebon

لذلك فمن واجبنا أن نبحث في ماضي الشعوب. كيف تصرفت تلك الشعوب في ظروف الحياة العادية. فعندما يهتز بعمق تاريخ شعب من الشعوب، تظهر الطبائع الإثنية بما فيها الإمكانات الحقيقية في الفعل وردة الفعل. لكن لسوء الحظ. وبالرغم من أن الحقيقة، في السياسة كما في التاريخ، هي “حقيقة واقعية وليست حقيقية عقلانية”، فإننا كثيراً ما نرى الواقع يترك مكانة للوهم المولد للمذهب والأيديولوجيات والغيبيات المختلفة، التي تتسبب بأضرار كبيرة للعالم، لأنها تقوم على تجريدات، أو أفكار عاطفية، لا تمت بصلة إلى الواقع الإيجابي.

ومم لا شك فيه أن التقدم العلمي، والإختراعات التقنية، فقد غيرت وجه عالم عصرنا، لكن الإنسان نفسه، الذي أحدث هذه التغييرات، لم يتغير في غرائزه الدفينة. كما أن الوجه الإنساني في المشاكل السياسية والإجتماعية لم يتغير منذ أقدم العصور. ففعل سنن التاريخ التي ما زالت تتحكم بحياة ونشاط شعوب اليوم، ما زال مسيطراً. وبالطبائع النفسية للمجتمعات لم تتبدل قط منذ ما قبل التاريخ. “فالمعارف قلما تخترق الطبائع، إذ هي تبقى وكأنها طافية” Merion . والتقدم ليس إلا في شروط الوجود. “وإذا ما كان العقل قد تقدم مع مرور الأزمنة، فالعواطف المسيطرة على الناس تبقى على حلها. ولا تستطيع اية ثقافة أن تمحو الميول الموروثة عن الأسلاف”.  G. Lebon

إن جهل هذه الحقائق الرئسية يزجنا في حسابات خاطئة. فأحداث الماضي تظهر بوضوح أن خرق سنن التاريخ لا يبقى دون عقاب، وإن كل عمل إنساني مخالف لهذه لا بد أن ينقلب، أو يتحطم، عاجلاً أو آجلاً.

لا شك في أن الحرية تلعب دوراً مهماً في حياة الإنسان ونشاطه، لكن هذا النشاط لا ينجح ولا يدوم إلا إذا توافق أو تناسق مع سنن الحياة.

“إن العجز العام عن إدراك قوى سنن الطبيعية والحياة يعود، بدون شك، إلى أن هذه السنن لا تفعل فعلها إلى بعد وقت طويل في أغلب الأحيان. فالحلي المنظور يخبئ البعيد غير المنظور الذي لا بد أن يأتي”.( G. Lebon).

ومن جهة أخرى، فإن السنن التي تحرك العالم الطبيعي وعالم الحياة تدمر، دون إنذار، من يحول تجاوزها و”لا يستطيع أحد أن يخرق سنن الحياة بدون عقاب”.

جواد بولس

 

 

20150410_202400
20150410_202432
20150410_202513
20150410_202552