Ar     En
جريدة الزمان 22 آب 1966

جريدة الزمان 22 آب 1966

تعليق على نظرية العلامة جواد بولس

العقائدية في التاريخ

ان للحضارة و الحياة مقومات ايجابية نابعة من الانسان

لقد أثار الاستاذ جواد بولس في الحديث الذي أتحف به صحيفة ” لسان الحال ” بتاريخ 26 حزيران 1966، نقاطا جد حساسة تتعلق بفلسفة التاريخ أكثر مما تختص بالتاريخ مباشرة. و يمكن تلخيص تلك النقاط بأربع :

أولا – العبرة العملية التي تجنى من النظر الى التاريخ و تؤول الى حسن التدبير في صناعة المستقبل –  ثانيا – دور البيئة في تكوين الطبع الاثني – ثالثا – الانتقاص من دور الايديولوجيا في المصير التاريخي – رابعا – الطابع الكوموبوليتي الملازم للنفسية اللبنانية

الانتقاص من دور الايديولوجيا

لا ريب في أن آراء الاستاذ العلامة في كل من هذه المواضيع مهمة للغاية. غير أن أكثر ما يستوقفني منها الانتقاص من دور الايديولوجيا في المصير التاريخي، الذي يقترفه المؤرخ المذكور. فالخواطر التي اسجلها على هامش هذا الرأي تهدف قبل كل شيء الى التفهم، واستبانة العوامل التاريخية التي يعتبرها الاستاذ بولس أساس المصير التاريخي.

أية غرابة في أن يثير لدينا رأي الاستاذ بولس تساؤلا حول نظرته الى ماهية العوامل التي تحرك التاريخ، ونحن قد اشبعنا تلقينا بأن الانسان يملك القدرة على صنع مصيره؟

على أنني أقر بأنه قد يفوتني المضمون الواقعي للرأي الذي أنا بصدد التروي به ، لما يزخر به من تعمق علمي، وما يستند اليه من قرائن تاريخية توفرت للاستاذ العلامة بما لا يقاس مع ما لدى غيره منها.

اليك نص العبارة التي تحمل الرأي الذي يدور حوارنا حوله ، تماماً كما وردت في الصحيفة المذكورة.

“لما كان من المسلم به ان الطباع الاثنية يوجهها الاقليم الجغرافي ، فتكون النتيجة ان العوامل الجغرافية تشكل العنصر الاول في تطورات الشعوب “ويقول عن الايديولوجيا”. أنها يمكن أن تحرك الشعوب كنوع من الحمى، لكنها ككل حمى، ظاهرة مؤقتة، لأن مصدرها خارجي لا داخلي. ”

دور البيئة

اني أقبل اعتبار المصير التاريخي ناجما عن البيئة الجغرافية ، ان من حيث تأثير هذه البيئة مباشرة في دفع الحركة البشرية باتجاه، او آخر، تبعا لمعطيات الوضعية المادية، أو من حيث تأثير هذه البيئة غير المباشرة في التاريخ، عن طريق تكييفها الطبع البشري بما يتسم بتسمتها. فمن الضرورة بمكان أخذ تأثير البيئة بعين الاعتبار. على ان ما يثير تساؤل حول رأي مؤرخنا العلامة، هو رد، المصير التاريخي الى تأمين البيئة الجغرافية وحده. أي الى طرف واحد من العامل التاريخي المركب. البيئة _ الانسان . بقوله .

ان الانسان يتحرك بميوله الطبيعية (اهوائه وعواطفه ) اكثر مما يتحرك بقواه العقلية .

نظرة ثنائية

ينطوي رأي الاستاذ بولس هذا على قرار ضمني بنظرة ثنائية، مؤداها ان الانسان والطبيعة يكونان طرفي تجاذب. علماً بأن رد الطرف الواحد الى الثاني، من خلال اعتبار الانسان ظاهرة بيئية منفعلة صرفة، لا يجدي في محاولة اتقاء الثنائية المنوه بها، إذ إن مثل هذه النظرة تنطوي على رؤية واقع مزدوج، مؤلف من بيئة وانسان، وما التنكر لهذه النظرة الثنائية والرغبة يطمسها من خلال رد احد العنصرين الى الآخر، إلا توكيد معكوس لها .

نظرة موحدة

وضعياً، ارى البيئة بمقوماتها الواقعية، وارى الانسان بما يميزه من الطاقة العلوية بالنسبة الى البيئة. لكن، ولئن كان هذا هو الواقع، أي وإن تمايز الانسان عن البيئة من حيث جوهر طبيعته، الا ان ذلك لا يحتم الاخذ بمبدأ الثنائية. اذ ليست القضية بحثا في الانتولوجيا، بل في فلسفة التاريخ أي ان ليس الموضوع محاولة الكشف عن طبيعة الانسان في ماهيتها بل الكشف عن دور الفعل الانساني في حركة التاريخ .

فيما دام الامر كذلك، اظن انه من التجني على حصيلة التاريخ ان ننكر على الفكر، الذي هو قوام الايديولوجيا، دوره في المصير التاريخي . وما دام الامر يعني الماهية الانتولوجية للانسان، الذي نكفي عنه بالفكر هنا، او بالايديولوجيا، ولا للبيئة التي يسميها الاستاذ بولس العامل الجغرافي، يتوجب اذن تعيين نوعية العلاقة بين الفكر والمادة، اي بين الانسان والبيئة، في تطور الفعل الذي يخلق التاريخ .

على هذا الصعيد أرى ان ليس من تجاذب بين الانسان والبيئة ضمن عملية الفعل الذي ينجم عنه المصير التاريخي. بل ان العلاقة بينهما عضوية التركيب. وهذا بين من خلال رأي الاستاذ بولس نفسه حين يشير الى كون الطبع البشري متكيف اصلاً بملائمة البيئة. فهذا التركيب العضوي بين الإنسان والبيئة، الذي منه ينبثق الفعل فيحدث التاريخ، يؤلف وحدة دينامية تسقط منها الثنائية القائمة بين الفكر والمادة، من حيث الانتولوجيا المنهجية. فكما انه لا تجاذب في الواقع بين المادة والروح من حيث الفعل، فلا مناقضة بين البيئة والانسان، حتى يقال ان احداهما اولى بالنسبة الى الاخر، وان احدهما ظاهرة في حين ان الاخر كينونة .

وحدة الانسان والبيئة

البيئة والانسان، وعلى الصعيد الانتولوجي، المادة والروح، كائن واحد ذو مظهرين. هذا على الاقل ما راحت تاخذ به فلسفة الطبيعة منذ بزوغ المدرسة الفلسفية الحديثة، وذلك بعد ان ترددت اصداؤه عبر تاريخ الفلسفة منذ البدء. نفيد من هذا الراي ان الانسان ليس حصيلة البيئة ليصبح اداة تعمل بدفع منها، كما انه ليس عنصراً متمايزاً عنها من حيث الفعل ليصبح دخيلا، فيعطلها. انما هو صنوها، هو هي بوجهتها الواعية، وذهابا من هذا، فهو طاقة البادرة فيها، بما يعني مفهوم البادرة من القوة على الابداع ليس الا تحقيق الوضع الامثل الذي يكمن في نظام الكون بصورة مضمرة، والذي تحقيقه رهن بفعل الطاقة النوعية البادرة، اي الفكر، اي مقوم الايديولوجيا .

فانا اذن مع الاستاذ بولس في تشديديه على اهمية دور البيئة الجغرافية في حركة المصير التاريخي، ذهابا من اثر هذه البيئة في تكوين الطبع الاثني لدى الامة التي تحيا في كنفها . على انني انكر عليه رد المصير التاريخي بمجمله الى اثر البيئة، وذلك ايمانا مني بكون الطبع الاثني ليس مجرد حصيلة التأثيرات البيئية الوضعية، بل ترتكز ايضا الى مقوم ايجابي نابع من طبيعة الانسان ذاته التي ان هي الا الوجهة النوعية من الكون، بما ينطوي عليه مفهوم النوعية من القدرة على المبادرة وطاقة الوعي، اي بما يترتب على هذه الوجهة من الحدية ازاء الوضعية. انطلاقا من هذا، استذكر المبدأ الفلسفي المعلوم. “الطبيعة تقدم الضروريات لا الحتميات”. وواقع التاريخ نفسه يشهد تكرارا ان ليس من قدر محتوم على المصير الانساني، اي على منحى الفعل الذي يولد هذا المصير. فهذه الشهادة، والاستاذ بولس اجدر من يتبينها عبر حضوره على الاحداث التاريخية، لا تعني غير التوكيد على ان ثمة طاقة مبادرة تبدع في فسحة الواقع الوضعي ما لم ينطوي عليه هذا الواقع وضعيا، اي تستمد من ذاتها القدرة التي بها تخلق افعالا ينفعل لها الواقع الوضعي بما يجعلنا نقلع عن الايمان بحتمية الطبيعة، ويحملنا على الاقدار بحرية الانسان حيالها، حرية غير مطلقة، ولا غرو، بل محدودة بنقل الضروريات التي تقدمها الطبيعة.

مفهوم الحرية

هذا النوع من الحرية يسميه الاستاذ بولس في حديثه المذكور نسبية الحرية، على ان الخلاف بيننا في هذه النقطة بالذات قائم على ان مؤرخنا يرى ان نسبة الحرية دليل على انتقاصها، في حين ارى انا ان هذه النسبية في الحرية تكون واقعيتها، اي، ليست كما فهمها العدميون تفلتاً من الضوابط بشكل يغدو معه الفعل كأنما هو يدور في زوغان الفراغ. ان مفهوما من هذا النوع لا ينطبق على معطى الحرية فتظن ان الانتقاص منه يقلل من دور الحرية بمدلولها الواقعي. اذ ان الحرية في الاصل هي الفعل بما يواني النواميس الطبيعية فنسبيتها اذن لا تفيد الانتقاص منها، بل تعني محدوديتها اي ارتباط الفعل المتأني منها بالواقع .

قد يكون فيما قلته قبلا استطراد، لكني مقتنع بجدوى التفكر الفلسفي في مضمار علم التاريخ. على كل حال لنعد الى الادلة الوضعية في الحوار حول دور الايديولوجيا في المصير التاريخي .

لو كانت مادة التاريخ مقتصرة على العمليات الحربية او التقنية فحسب، لسلمنا مع الاستاذ بولس برأيه في بطلان دور الايديولوجيا. لكن ما العمل والتاريخ، كما افهمه، يشمل نواحي اخرى عديدة ومهمة، اذ يدخل في صلب مادته العيارات الفنية والفكرية والدينية والحقوقية… الخ… بل اعتبر طريقة فولتير في كتابة التاريخ، اذ راح يؤلف للمنجزات الحضارية من فنية وتقنية وفكرية ضاربا صفحا عن الاحداث السياسية والعسكرية ان هذا الا دليل منه على ان مادة التاريخ الفضلى تتألف من هذه المنجزات. والكثيرون من علماء التاريخ، ولا ريب، يرون رأي فولتير في ان مصير التاريخ البشري نسيج هذه الظاهرات الحضارية . فهل يمكن اقامة الدليل على ان هذه المنجزات متأتية من الاهواء والعاطفة، أو من البيئة الجغرافية، كما يرى الاستاذ بولس. او ليست من بنات العقل، الذي هو مقوم الايديولوجيا الجوهري؟ فكيف يقال بان لا اثر للايديولوجيا في التاريخ الا كما للحمى الطارئة ؟

للبحث صلة

 

IMG_9127