Ar     En
جريدة الزمان 5 أيلول 1966

جريدة الزمان 5 أيلول 1966

العقائدية في التاريخ

تعليق على نظرية العلامة جواد بولس(تتمة)

دور الايديولوجيا

أسمح لنفسي هنا استيقاف الاستاذ بولس عند عبارته القائلة بأن لا فعل للايديولوجيا في التاريخ، بل انها تنتاب الشعوب كحمى طارئة، وان الانسان يتحرك انطلاقا من أهوائه وعواطفه وحدها . افهم من هذه العبارة ان المؤرخ يميز بين الايديولوجيا والانفعال، اي انه يقصر مفهوم الايديولوجيا على ما ليس انفعالا، اي على مجموعة العوامل الفكرية. اني اعتمد هذا التمييز الذي يوتيه الاستاذ بولس نفسه، حيطة ضد اعتبار فعل العقائد ناشئا عن الميول الانفعالية، وذلك بذريعة المحتوى العاطفي الذي تهيجه الايديولوجيات في نفوس معتنقيها .

لا يغربن عن بال مؤرخنا العلامة دور العقائد، اي دور الايديولوجيا في احداث التاريخ، ان في دقائقه التفصيلية او في منحاه العام. فثمة ايديولوجيات بدلت وجه التاريخ ومنحى الشعوب التي اخذت بها واصلتها في نفوسها، لدرجة ان اصبحت محتد افعالهم . مثالا على ذلك الاسلام، او المسيحية، او حتى الماركسية. افيرى الاستاذ بولس ان واقع الاتحاد السوفياتي اليوم هو نفسه في العهد القيصري؟ ان لا، الا يكون السبب في ذلك هي الماركسية بصفتها ايديولوجيا؟ و هل يمكن البرهان على ان هذه الايديولوجيا مجرد هوى وعاطفة، اي نزوة عابرة، في حين انها عمرت نصف قرن، و هي ذاهبة في الامتداد في العالم اكثر فاكثر؟ ام ان الاستاذ جواد بولس يعزو ما حدث في الاتحاد السوفياتي من تبديل في معالم الحياة الاجتماعية الى البيئة الجغرافية؟ ولكن الاتحاد السوفياتي ليس ذا بيئة موحدة، كما ان الماركسية لم تكن بنت البيئة التي انتصرت فيها، وكلنا يعلم ان هذه الايديولوجيا من مصدرات الفكر الجرماني، وانها لم تتأقلم حيث هي الان الا في فكر معتنقيها الذين تأقلموا بها اكثر مما اقلموها، وراحوا يؤقلمون بها بيئتهم، اذا صح التعبير ؟

لننظر الى الاسلام مثلا، وهو يمكن اعتباره ايديولوجيا، اذ ان الدين يحيا في الفكر والفؤاد لا في الاحاسيس والانفعالات كما يفعل الهوى والعاطفة. زد على ذلك ان الاسلام نشأ وترعرع ضمن البيئة التي اعمل فيها مؤرخنا العلامة نظره التاريخي، فاستجمع احداثها منذ سبعة الاف سنة ونيف . من المحال انكار الدور الذي مثله الاسلام في مصير هذه المنطقة . كما أنه يستحيل إرجاع تأثير الإسلام إلى النزوات الإنفعالية. أما أن يقال بأن أحكام الإسلام تعبير عن متطلبات البيئة العربية حيث نشأ الإسلام، فلا أتبين كيف يمكن إقامة الدليل على مثل هذا القول. لو كان ذلك صحيحاً لتوقف الإسلام عند حدود بيئته الجغرافية ولما تخطاها في مد ما فتئ يطمح إلى أن يغمر المعمورة بأكملها. فكيف نفسر، على ضوء نظرية الأستاذ بولس، إندفاع المسلمين الأول بإيمانهم وسيوفهم يم الشام والرافدين؟ إن حاولنا فعل ذلك بدافع البيئة، فأمر لا يمكن القبول به بداعي أدلة مغايرة وفيرة.

والمسيحية ايديولوجيا

والمسيحية، ولئن تطورت بشكل يؤيد قول الأستاذ بولس من حيث عناصر تحميل طابع البلدان الأم، إلا أنها تحتفظ بطابع جوهري بالرغم من تأقلمها إلى حد ما بالبيئات الآخذة بها. وعلى كل حال، فالمسيحية لم تتعد كونها عقيدة، أي ايديولوجيا، منزهة عن الإنفعال والهوى، أما دورها في المصير التاريخي ومساهمتها الفعلية في تبديل اطر الشعوب الإجتماعية، ومناحي مصائرهم، فمن المكابرة على التاريخ أن يتنكر له مؤرخ.

إن الأستاذ بولس لأقدر مني بما لا يقاس على تعداد الأيديولوجيات التي كان لها دور في تقرير إتجاهات التاريخ. أما السؤال الذي لا أتوانى عن مطالعته عند ذكره كل ايديولوجيا فهو مزدوج. كيف تفسر نشأة الإيديولوجيا بدفع من البيئة الجغرافية الصرفة، دفعا يكون الفكر منفعلاً ازاءه؟ وهل نضع الهوى والعاطفة في أساس العقائد المذكورة يا ترى أم نقر بدور الفكر، أي جوهر الايديولوجيا، في مصير التاريخ؟

الإرتقاء الحضاري

لننظرن إلى ظاهرة الإرتقاء الحضاري، أي التقدم المدني بتقنيته وفنونه. فلا ريب أن هذه الظاهرة تؤلف على الأقل إحدى مواد التاريخ. فهل نفسر حدوث التطور الحضاري بفعل البيئة؟ إذا كان كذلك، فما هي الأسباب التي تقرر مجرى التاريخ المتعرج، كان تصاب حضارة أمة بانتكاسات أحياناً وتزدهر أحياناً أخرى، في حين أن البيئة ثابتة؟ يروقني إستذكار رأي أرسطو وبوذا بالدورة التاريخية، تقابلها النظرية اليهودية – المسيحية والنظرية الزرادشتية، وكيف وافق توينبي بين النقدين بتشبيه حركة التاريخ بالعجلة الدائرة المتقدمة.

التاريخ رؤيا

التراقي المدني حاصل مهما كان مصدره. لكنه لا يرد إلى الهوى والعاطفة، إلى الإنفعال، الذي يرى فيه الأستاذ بولس نابض التاريخ. لأن المنجزات التي أدت إلى هذا الرقي عينه، في وضع الرؤيا، في حال الحماس. ضف إلى ذلك كون التقدم المدني يعني هذا التبديل إن لم يكن إستجابة لرئيا. وهل العمل بمقتضى رؤيا تجاه الكون، غير محتلة واقعياً، بل تحقيقها رهن بالفعل الإنساني، هل هذا العمل مغاير لم نسميه ايديولوجيا؟

لسنا ننكر دور البيئة في حركة التاريخ، انما نرفض حصر المصير التاريخي بها، ونتطلع إلى إثبات دور الفكر، بتؤدة عمل ذاك الفكر أم بحماس. بعبارة أخرى، قصدي الدلالة على أن الإنسان يتحرك تاريخياً بدفع من الفكر أكثر مما يتحرك بدفع من الهوى والعاطفة. هذا من جهة، ومن  جهة أخرى أرمي هنا إلى الإشارة إلى كون الإنسان ليس مفعولاً جغرافياً بمقدار ما هو مفعول جغرافي إيجابي. وأشدد على القول بأن الدافع البيئي لا يحدث مصيراً تاريخياً ما لم يتمثل في وجدان الناس. أي يصبح ايديولوجيا.

لنسلم جدلاً مع الأستاذ بولس بأن لا دور للايديولوجيا في التاريخ، وبأن الإنسان يتحرك بدفع من بيئته، إستجابة لأهوائه ونزواته. لكن ألا يجدر الإنتباه إلى كون التاريخ من صنع الجماعات لا من صنع الأفراد؟ أفيعقل أن تتحرك الجماعات بدفع الأهواء ذاتها؟ أي أن تلتقي أهواء الناس وعواطفهم على الأمر الواحد تلقائياً؟ أفلا يعني ألك أن الهوى والعاطفة، أي أن الإنفعال أصبح ديناميكية تحرك الجماعة، أي ايديولوجيا تنطلق من وجدان فرد وتنشر كما الحرائق في الغنى؟ أرى أن الايديولوجيات السياسية تتصف جوهرياً بهذه الطباع. افلا يرى معي الأستاذ بولس أن النازية تصلح مثلاً شاهداً على هذا المفهوم للإيديولوجيات؟

النازية نزوة

يحق للأستاذ بولس، من وجهة نظر معينة، أن يقلب على هذه الحجة بالذات، مبيناً كيف أن النازية لم تكن إلا نزوة مستبدة، عطلت الروية العقلية التي يتوجب توفرها في العقيدة كي تصبح هذه العقلية ايديولوجيا. على أن الشحنة الإنفعالية المستبدة بالنازية نفسها تتصف بصفة العقيدة، باعتبار أنها تنبع من الإعتداد بتفوق العنصر الآري، المرتكز على نظريات فلسفية، أقل ما يقال في بعدها، كالهيفاليانية مثلاً، أو الشوبنهاورية، انها من كبريات العمارات الفكرية في التاريخ.

جواد بولس متشائم

إن الأستاذ جواد بولس، أليف التاريخ، ومعايش الحضارات في شرقنا الأدنى، بعقله ورويته، مدة سبعة آلاف من السنين، مقلباً ايها، متحرياً مدنياتها، ممحصاً مخبآت القرون السبعين في معاركها ومشاغلها، في ابداعها وتخبطها، لهو خير من يرى دور الإنسنم دور الايديولجيا، عبر تحركات المليارات من البشر، إنطلاقاً في حركة التاريخ أن هو وليد نظرة تشاؤمية لا بد وأن تنشأ لدى من يطلع على مقابح الماضي. وأخلص إعتبار التشديد على أثر البيئة يهدف إلى تجذير الإنسان في الواقع. إلا اني أخشى أن ينطوي ذلك على مقارنة النظرة المادية التي تنكر طاقة المبادرة، فيؤول بنا الأمر إلى مفهوم التحتانيات والفوقانيات كما في اللغة الماركسية.

مدلول. “حضارات الشرق الأدنى”

رب مطلع يتهم إيماني بفعل الايديولوجيا في المصير التاريخي بكونه مجرد إعتقاد مبني في النظر لا غير، مرتكز إلى الأدلة العقلية الصرفة، في حين يكون الواقع التاريخي مغايراً لما يأتي به النظر، كما هي الحال عادة بالنسبة لغالبية العلوم. ولئن أثير هذا التوجس حول تعلقي على رأي الأستاذ جواد بولس، واتهمت بإثارة حوار صم معه، فيقال أن علامتنا يأتي بحصيلة واقع يراه بعين العلم المنتبه إلى المعطيات الواقعية، في حين آتي أنا بآراء مستمدة من النظر، إلا أن كتاب “حضارات الشرق الأدنى” الذي ضمنه يؤرخنا خلسة جهده طيلة أعوام عشرين قادها في البحث والتفكير، ينطق بدور الايديولوجيات، في التاريخ.

رشيد جريج

IMG_9128