Ar     En
مجلة المواسم نيسان 1966

مجلة المواسم نيسان 1966

قال فيلسوف التاريخ الذائع الشهرة أرنولد توينبي أن مؤلف الأستاذ جواد بولس في تاريخ آسيا الغربية يتحلى بملامح مميزة تساعد على زيادة معلوماتنا عن هذا الموضوع .
 واستطرد الفيلسوف البريطاني قائلا : " ان الاستاذ بولس ابن المنطقة التي كتب تاريخها . وأكثر المؤلفات التي وضعت حتى الان عن آسيا الغربية كتبها أوروبيون أو أميركيون، بينما التاريخ الجديد وضعه رجل من لبنان، من بلد هو قلب منطقة تعتبر قلب العالم المتمدن .
 "ولم يغرب عن بال هذا المؤرخ استمرار التاريخ في المنطقة التي درسها، فأبرز العناصر الدائمة في مجالات الأحداث، وأثبت وجود العوامل الجغرافية والنفسانية الدائمة التي تتجدد وترسخ بلا انقطاع خلال مظاهر التبدل في الحياة السطحية.
 "وتراث الشعوب التي تتكلم اللغة العربية، كما فهمه الأستاذ بولس، هو النجاح التام على الصعيد الحضاري في المنطقة التي شهدت نشوء الحضارة.
 "فالعرب يتعلمون كثيراً لدى قراءتهم هذا الكتاب ".

انها لشهادة ذات وزن من فيلسوف كبير كأرنولد توينبي، صاحب النظريات القيمة في علم التاريخ وفلسفته، تضاف الى شهادات أوروبية وأميركية أجمع أصحابها على أن مؤلفنا اللبناني العامل بكد ونشاط واجتهاد مهر المكتبة العالمية بسفر نفيس وجليل الفوائد .
وقد علمنا ان الآنسة ديانا سعيد تقي الدين، لدى عودتها من موسكو، التقت الاستاذ بولس في مطار بيروت، فهرعت اليه قائلة : “سألوني عنك، في الاتحاد السوفياتي وهنأوا لبنان بك!”
أما الكتاب الذي أحدث هذه الضجة العالمية فعنوانه:

“شعوب الشرق الادنى وحضاراته: محاولة في التاريخ المقارن منذ البدء حتى اليوم “. وهو يقع في أربعة أجزاء صدر منها ثلاثة حتى الان . فكان من البديهي ان تتوجه ” المواسم ” الى مولفنا العالم تستوضحه وجهة نظره في علم التاريخ وفلسفته، فتكرم باعطائها الشروح التالية :
قال بول فاليري : ” الماضي يفعل في المستقبل بقوة شبيهة بقوة الحاضر نفسه .. وليس للمستقبل صورة واضحة الخطوط ، انما التاريخ يسمح لنا بتكوين فكرة عن هذه الصورة ” .
اذن، فللتاريخ نواميس وأمثولات. فاذا اعتبرنا المجتمعات البشرية اجهزة عضوية حية، تتحد عناصرها المختلفة اتحاد الاعضاء في الجسم، بات لزاماً علينا القول بأنها تنمو وتتطور بحسب نواميس عامة كالتي تخضع لها حياة الافراد . فالاحداث الاجتماعية كحوادث الحياة الفردية تخضع لنواميس عديدة أبرزها :

  • ناموس التعايش الذي يربط بين مختلف الافراد الذين يتألف منهم المجتمع .
  • وناموس التوالي الذي يوجه التطور التاريخي .

فالتاريخ اذن علم اختباري كسواه من العلوم الطبيعية، وله نواميسه الراهنة .

نستخلص من ذلك ان تاريخ شعب ما هو تاريخ تطوره الحياتي في مختلف مظاهر النشاط البشري. فالحاضر هو الحاصل الحالي لتوالي مراحل تطورية طويلة، تنبثق كل منها من المرحلة السابقة لها.

ان النواميس التاريخية تهيمن على التطور بالقوة نفسها التي تهيمن بها النواميس الطبيعية على الحياة. واذا كنا لا نلمس هذه الحقيقة، فلأننا ما نزال نجهل علم التاريخ .

النواميس التاريخية ، أو النواميس العامة والدائمة في التاريخ .

ان الغاية الاساسية من التاريخ هي درس النمو المتوالي في المجتمعات البشرية، لا في شخصيات المشاهير، ولا في الاحداث الاستثنائية كالحروب، والثورات، والاختراعات التي يبدو انها تبرز فجأة، بل في الأعمال العادية والمتواترة برتابة، كالعلاقات الاجتماعية، والحركة الاقتصادية، والمؤسسات العامة التي تنتجها الحياة وتجدد انتاجها دورياً وباستمرار .

اذا القينا نظرة شاملة على جميع مظاهر النشاط البشري عبر العصور، نرى ان نمو المجتمعات يتم بتطور تدريجي كل شيء فيه متتابع ومترابط .

نظرة جواد بولس الى النواميس الثابتة في التاريخ

عظماء الرجال مدينون للاجيال التي سبقتهم وللمحيط الثقافي والخلقي الذي نشأوا وعاشوا فيه

فالاعمال العادية كالاحداث الاستثنائية ترتبط بجملة من عوامل سابقة هيأتها، ولا نجد لها تفسيراً صحيحاً الا في هذه العوامل .
و في تتابع الاحداث الاجتماعية نرى ان العوامل نفسها تعود احيانا وتجدد فعلها بالثبات نفسه، والرتابة نفسها اللذين نجدهما في الاسباب العامة .

وهذه الاسباب تفعل في الانسان فعلا ثابتا” ومستمرا”، فتحدد النمو الفردي والاجتماعي وتوجهه . ويبدو انها ناجمة عن العلاقات الطبيعية في البيئة . واستمرار هذه العلاقات يسمح لنا باعتبارها نواميس دائمة .

لا بد لمن يراقب نمو المجتمعات البشرية عبر العصور من ان يلاحظ تأثير الجغرافية الانسانية على التطور . فيتبين له ان النشوء والنمو في الافراد والجماعات يخضعان لعاملين مشتركين هما :
• البيئة الجغرافية .
• والخصائص العنصرية .

والتاريخ الحقيقي هو تاريخ الحضارة بشكليها المادي والمعنوي . والحضارة التاريخية لا ترقى الا الى بضعة الاف من السنين . فهي اذن ما تزال طفلة بالنسبة الى عمر البشرية الذي لا يقل عن مئات الالوف من السنين .

ولم تنشأ الحضارة في وقت واحد، وفي جميع اقطار العالم، بل كانت لها مهود في اماكن معينة، وفي ازمان متفاوتة . ولا ريب ان هذا التفاوت الزمني بين الحضارات هو المأساة الكبرى في التاريخ .

ان الحروب و الفتوحات تجر الدمار والشقاء وتوقف احياناً حركة التطور الحضاري، بل تؤدي الى التقهقر والانحطاط . الا انها احداث استثنائية . لذلك نرى ان نمو الامم الثقافي لا يرافق دائماً نموها السياسي . فالامبراطوريات الضخمة كانت وما تزال ركيكة الدعائم، سريعة الزوال. والحضارة تفقد ملامح طابعها المميز بقدر ما يتسع نطاقها في الارض . وشأنها شأن السيطرة السياسية التي تضعف وتتقلص بقدر ما تتسع رقعة البلدان الخاضعة لها .

فالهزال هو الثمن الذي يدفعه التضخم : هذه قاعدة تاريخية لا تحول ولا تزول .

ويعلمنا درس الماضي ايضاً ان حركة التقدم البشري ليست حوادث طارئة في حد ذاتها تبدو كتلة واحدة اذا القينا عليها نظرة شاملة في حقبة معينة من الزمن. وشأنها شأن الأزمات السياسية، والتبدلات الاجتماعية وهي ، في حد ذاتها ، اعمال إدارية و أحداث إستثنائية ، تتجدد من حين إلى آخر في شعب واحد ، و تحدث، هي نفسها ، في بلدان مختلفة لا علاقة بينها و لا إرتباط .

أما الشخصيات الاستثنائية التي احدثت تأثيراً عميقاً في افكار معاصريها و في سلوكهم ، فان دورها في تطور المجتمعات و تسلسل الأحداث التارخية ليس كبيراً الى الحد الذي يظنه البعض . فعظماء الرجال مدينون بالكثير للاجيال التي سبقتهم ، وللمحيط الثقافي والخلقي الذي نشاوا وعاشوا فيه . والدور الاكبر ، على هذا الصعيد، هو دور ” الجندي المجهول ” ، أي الجماعات الشعبية العاملة ، المغمورة .

أحتمية أم إرادة حرة ؟

هل نستنتج مما تقدم ان أحداث التاريخ حتمية لا مفر منها كالحتمية اللاهوتية ، اي القضاء والقدر؟ وهل يجوز الاعتقاد ان تطور الانسان مقدر منذ الازل ولا مجال لتحويره او التأثير في مجراه ؟
القائلون بالحتمية يزعمون ان الانسان يجهل المستقبل لانه لا يعرف الماضي وعوامل الاحداث معرفة تامة. ومتى توافرت له هذه المعرفة اتضح له المستقبل كالماضي والحاضر.

والواقع ان الحتمية التارخية والجغرافية حقيقية ، لا مطلقة. و اذا كانت الحوادث الفيزيائية خاضعة لنواميس طبيعية لا تحول و لا تزول ، فان الانسان يفلت جزئياً من تأثير هذه النواميس بقوة ارادته ، لانه يقاوم مؤشرات بيئيه الطبيعية ، و كثيراً ما يحورها . غير ان النشاط البشري خاضع لناموس التلف و زوال القوة الفاعلة . مما يجعل نشاطه محدوداً و متبدلاً بطبيعته. ففعل العوامل الطبيعية أقوى من فعله دائماً ، وأثبت، و أبعد مدى . فهي تقاوم المبادرة البشرية، وتعرقل مساعيها، وتضيق نطاقها.

ان الانسان ليعجز، على الرغم من إرادته، وحريته، ونشاطه، عن القيام بأعمال تدوم اذا كانت مضادة لنواميس الطبيعية . اما اذا عمل منسجماً مع الطبيعة ، و متوجهاً الى ما تقضي به نواميسها ، فإن عمله يثبت و يدوم.

و مهما يكن الانسان حرا ، فهو لا يستطيع ان يعمل الا بما فيه من الخصائص والطابع و هي وريدة الوراثة والبيئة الطبيعية.

وخلاصة القول ن ان الاحوال الطبيعية هي المؤثرات الدائمة ، والعوامل الاشد فعالية في حياة الشعوب وتطورها. وهي التي ترسم الخطوط الكبرى في التاريخ.

ان للمبادرة الانسانية دورها ، ولا ريب في هذا المجال، وهو دور كبير وهام ، غير انه محدود ومتقلب يتأثير، سلباً و اجاباً ، بالعوامل الخارجية ،  يصطدم بأحوال تخفف من نشاطه و تجعله عابراً و ثانوياً.

البحث عن الحقيقة التاريخية

الحقيقة التاريخية هي بنت نواميس التاريخ ، و من المحتم عليها أن تنتج عن تفاعلات النشاط البشري المتتالية.

للعثور على هذه الحقيقة العليا يجب على المؤرخ ان يلقي على احداث التاريخ نظرة شاملة ، ثم يعمد الى تصنيف الاحداث تصنيفاً ذكياً واعياً و الى اكتشاف تسلسلها المنطقي والمستمر.

اذا سردت الاحداث بلا اختيار حسن ، و اذا عزل بعضها عن البعض الاخر ، فهي قطع من الحقيقة، و حقائق جزئية متنافرة لا تعطي الا بصعوبة فكرة صحيحة عن العلاقات الرابطة بين الأحداث وعن الاسباب التي نجمت عنها هذه الاحداث . فالتاريخ ليس حوادث متسلسلة ، انما هو جمع هذه الحوادث و صهرها في سياق مستمر.

وعلى المؤرخ الا يهتم الا بالاحداث التي تتجدد دورياً . فالأحداث الاستثنائية لا تتشابه الا صورياً ، مهما تكن مهمة . انها “سوابق” ، يمكن ان تتكرر، و لكن لا قرابة بينها مطلقاً. و كثيراً ما تؤدي هذه السوابق الى نتائج مختلفة ، وحتى متناقضة . فالحسابات السياسية والترتيبات العسكرية او الديبلوماسية نفسها تؤدي الى الفوز حيناً ، و الى الاخفاق حيناً آخر .

تعاليم التاريخ

لا نستطيع اليوم ، بما لدينا من معلومات التاريخية ، ان نضع ” مذهباً ” في التاريخ ، او تعاليم عملية دقيقة و ثابتة .

IM_9130
IM_9131
IM_9132
IM_9133