Ar     En
مجلة المواسم أيلول 1966

مجلة المواسم أيلول 1966

دور الايديولوجيا في المصير التاريخي
بقلم رشيد جريج
توطئة :
اثار الاستاذ جواد بولس في الحديث الذي اتحف به صحيفة ” لسان الحال ” بتاريخ 26 حزيران سنة 1966، نقاطاً جد حساسة، تتعلق بفلسفة التاريخ اكثر مما تختص بالتاريخ مباشرة .

يمكن تلخيص تلك النقاط باربع :

اولاً : العبرة العملية التي تجنى من النظر الى التاريخ و تؤول الى حسن التدبير في صناعة المستقبل.
ثانياً : دور البيئة في تكوين الطبع الاثني
ثالثاً : الانتقاص من دور الايديولوجيا في المصير التاريخي .
رابعاً : الطابع الكسموبوليتي الملازم للنفسيى اللبنانية .

  • الانتقاص من دور الايديولوجيا

لا ريب في ان اراء الاستاذ العلامة في كل من هذه المواضيع مهمة للغاية . غير ان اكثر ما يستوقفني منها الانتقاص من دور الايديولوجيا في المصير التاريخي، الذي يقترفه الاستاذ بولس. فالخواطر التي اسجلها على هامش هذا الرأي تهدف قبل كل شيء الى التفهم، واستبانة العوامل التاريخية التي يعتبرها الاستاذ بولس اساس المصير التاريخي .

اية غرابة في ان يثير لدينا رأي الاستاذ بولس تساؤلا حول نظرته الى ماهية العوامل التي تحرك التاريخ، ونحن قد اشبعنا تلقينا بان الانسان يملك القدرة على صنع مصيره ؟

على انني اقر بانه قد يفوتني المضمون الواقعي للرأي الذي انا بصدد التروي به، لما يزخر به من تعمق علمي، وما يستند اليه من قرائن تاريخية توافرت للاستاذ العلامة بما لا يقاس مع ما لدى غيره منها .

اليك نص العبارة التي تحمل الرأي الذي يدور حوارنا حوله : تماما كما وردت في الصيغة المذكورة:

” لما كان من المسلم به ان الطباع الاتنية يوجهها الاقليم الجغرافي، فتكون النتيجة ان العوامل الجغرافية تشكل العنصر الاول في تطورات الشعوب ” ويقول عن الايديولوجيا : ” انها يمكن ان تحرك الشعوب كنوع من الحمى، لكنها ككل حمى ظاهرة موقنة، لان مصدرها خارجي لا داخلي”.

  • دور البيئة :

اني اقبل اعتبار المصير التاريخي ناجما عن البيئة الجغرافية، ان من حيث تأثير هذه البيئة مباشرة في دفع الحركة البشرية باتجاه، او اخر، تبعا لمعطيات الوضعية المادية، او من حيث تأثير هذه البيئة غير المباشر في التاريخ، عن طريق تكييفها الطبع البشري بما يتسم بسمتها . فمن الضرورة بمكان اخذ تأثير البيئة بعين الاعتبار. على ان ما يثير تساؤلي حول رأي مؤرخنا العلامة، هو رده المصير التاريخي الى تأثير البيئة الجغرافية وحده، اي الى طرف واحد من العامل التاريخي المركب : البيئة_الانسان، بقوله :

“ان الانسان يتحرك بميوله الطبيعية ( اهوائه وعواطفه ) اكثر مما يتحرك بقواه العقلية.

  • نظرة ثنائية :

ينطوي رأي الاستاذ بولس هذا على اقرار ضمني بنظرة ثنائية، مؤداها ان الانسان والطبيعة يكونان طرفي تجانب، علماً بأن رد الطرف الواحد الى الثاني، من خلال اعتبار الانسان ظاهرة بيئية منفعلة صرفة، لا يجدي في محاولة اتقاء الثنائية المنوه بها، اذ ان مثل هذه النظرة تنطوي على رؤية واقع مزدوج، مؤلف من بيئة وانسان، وما التنكر لهذه النظرة الثنائية، والرغبة بطمسها من خلال رد احد العنصرين الى الاخر، الا توكيد معكوس لها .

الانسان يملك القدرة على صنع مصيره

  • نظرة موحدة :

وضعياً، ارى البيئة بمقوماتها الواقعية، وأرى الانسان بما يميزه من الطاقة العلوية بالنسبة الى البيئة. لكن، ولئن كان هذا هو الواقع، اي وان تمايز الانسان عن البيئة من حيث جوهر طبيعته، فان ذلك لا يحتم الاخذ بمبدأ الثنائية، اذ ليست القضية بحثاً في الانتولوجيا، بل في فلسفة التاريخ، اي ان ليس الموضوع محاولة الكشف عن طبيعة الانسان في ماهيتها، بل الكشف عن دور الفعل الانساني في حركة التاريخ .

فما دام الامر كذلك، اظن انه من التجني على حصيلة التاريخ ان ننكر على الفكر، الذي هو قوام الايديولوجيا، دوره في المصير التاريخي . وما دام الامر لا يعني الماهية الانتولوجية للانسان، الذي نكني عنه بالفكر هنا، او ، ولا للبيئة التي يسميها الاستاذ بولس العامل الجغرافي، فيتوجب اذن تعيين نوعية العلاقة بين الفكر والمادة، اي بين الانسان والبيئة، في تطور الفعل الذي يخلق التاريخ .

على هذا الصعيد ارى ان ليس من تجاذب بين الانسان والبيئة ضمن عملية الفعل الذي ينجم عنه المصير التاريخي. بل ان العلاقة بينهما عضوية التركيب . وهذا بين من خلال رأي الاستاذ بولس نفسه حين يشير الى كون الطبع البشري متكيفا اصلا بملاءمة البيئة . فهذا التركيب العضوي بين الانسان والبيئة، الذي منه ينبثق الفعل فيحدث التاريخ، يؤلف وحدة دينامية تسقط معها الثنائية القائمة بين الفكر والمادة، من حيث الانتولوجيا المنهجية . فكما انه لا تجاذب في الواقع بين المادة والروح من حيث الفعل، فلا مناقضة بين البيئة والانسان، حتى يقال ان احدهما اولي بالنسبة الى الاخر، وان احدهما ظاهرة في حين ان الاخر كينونة .

  • وحدة الانسان والبيئة

البيئة والانسان، وعلى الصعيد الانتولوجي، المادة والروح، كائن واحد ذو مظهرين. هذا على الأقل ما راحت تأخذ به فلسفة الطبيعة منذ بزوغ المدرسة الفلسفية الحديثة، وذلك بعد ان ترددت اصداؤه عبر تاريخ الفلسفة منذ البدء . نفيد من هذا الرأي أن الانسان ليس حصيلة البيئة ليصبح أداة تعمل بدفع منها، كما انه ليس عنصرا متمايزا عنها من حيث الفعل ليصبح دخيلا، فيعطلها . انما هو صنوها، هو هي بوجهتها الواعية، وذهابا من هذا، فهو طاقة المبادرة فيها، بما يعني مفهوم المبادرة من القوة على الابداع الامثل والذي تحقيقه رهن بفعل الطاقة النوعية المبادرة، اي الفكر، اي مفهوم الايديولوجيا .فأنا اذن مع الاستاذ بولس في تشديده على اهمية دور البيئة الجغرافية في حركة المصير التاريخي، ذهابا من اثر هذه البيئة في تكوين الطبع الاثني لدى الأمة التي تحيا في كنفها . على انني انكر عليه رد المصير التاريخي بمجمله الى اثر البيئة، وذلك ايمانا مني بكون الطبع الاثني ليس مجرد حصيلة التأثيرات البيئية الوضعية، بل يرتكز ايضا الى مقوم ايجابي نابع من طبيعة الانسان ذاته التي ان هي الا الوجهة النوعية من الكون، بما ينطوي عليه مفهوم النوعية من القدرة على المبادرة وطاقة الوعي، اي بما يترتب على هذه الوجهة من الحرية ازاء الوضعية . انطلاقا من هذا، استذكر المبدأ الفلسفي المعلوم : ” الطبيعة تقدم الضروريات لا الحتميات ” . وواقع التاريخ نفسه يشهد تكرارا ان ليس من قدر محتوم على المصير الانساني، اي على منحى الفعل الذي يولد هذا المصير . فهذه الشهادة، والاستاذ بولس اجدر من يتبينها عبر حضوره على الاحداث التاريخية، لا تعني غير التوكيد على ان ثمة طاقة مبادرة تبدع في فسحة الواقع الوضعي ما لم ينطو عليه هذا الواقع وضعيا، اي تستمد من ذاتها القدرة التي تخلق افعالا ينفعل لها الواقع الوضعي بما يجعلنا نقلع عن الايمان بحتمية الطبيعة، ويحملنا على الاقرار بحرية الانسان حيالها، حرية غير مطلقة، ولا غرو، بل محدودة بثقل الضروريات التي تقدمها الطبيعة .

  • مفهوم الحرية :

هذا النوع من الحرية يسميه الاستاذ بولس في حديثه المذكور نسبية الحرية، على ان الخلاف بيننا في هذه النقطة بالذات قائم على ان مؤرخنا يرى ان نسبية الحرية دليل على انتقاصها، في حين ارى انا ان هذه النسبية في الحرية تكون واقعيتها، اي ترسم شرط كونها حقيقة، متجذرة في الزمن والمدى . لان الحرية برأيي، ليست كما فهمها العدميون، تفلتا من الضوابط بشكل يغدو معه الفعل كأنما هو يدور في زوغان الفراغ . ان مفهوما من هذا النوع لا ينطبق على معطي الحرية فنظن ان الانتقاص منه يقلل من دور الحرية بمدلولها الواقعي . اذ ان الحرية في الاصل هي الفعل بما يؤاتي النواميس الطبيعية . فنسبيتها اذن لا تفيد الانتقاص منها، بل تعني محدوديتها اي ارتباط الفعل المتأتي منها بالواقع .

قد يكون في ما قلته قبلا استطراد، لكني مقتنع بجدوى التفكر الفلسفي في مضمار علم التاريخ . على كل لنعد الى الادلة الوضعية في الحوار حول دور الايديولوجيا في المصير التاريخي .

لو كانت مادة التاريخ مقتصرة على العمليات الحربية التقنية فحسب، لسلمنا مع الاستاذ بولس برأيه في بطلان دور الايديولوجيا . لكن ما العمل والتاريخ، كما افهمه، يشمل نواحي اخرى عديدة ومهمة، اذ يدخل في صلب مادته العمارات الفنية والفكرية والدينية والحقوقية … الخ … بل اعتبر ان مثل هذه المنجزات هي التي تؤلف التاريخ . ولكم اكبر طريقة فولتير في تؤلف التاريخ، اذ راح يؤرخ للمنجزات الحضارية من فنية وتقنية وفكرية ضاربا صفحا عن الاحداث السياسية والعسكرية . ان هذا الا دليل منه على ان مادة التاريخ الفضلى تتألف من هذه المنجزات . والكثيرون من علماء التاريخ، ولا ريب، يرون رأي فولتير في ان مصير التاريخ البشري نسيج هذه الظاهرات الحضارية. فهل يمكن اقامة الدليل على ان هذه المنجزات متأتية من الاهواء والعاطفة، ام من البيئة الجغرافية كما يرى الاستاذ بولس ؟ او ليست من بنات العقل، الذي هو مقوم الايديولوجيا الجوهري ؟ فكيف يقال بان لا اثر للايديولوجيا في التاريخ الا كما للحمى الطارئة ؟

  • دور الايديولوجيا :

اسمح لنفسي هنا باستيقاف الاستاذ بولس عند عبارته القائلة بأن لا فعل للايديولوجيا في التاريخ، بل انها تنتاب الشعوب كحمى طارئة، وان الانسان يتحرك انطلاقا من اهوائه وعواطفه وحدها . افهم من هذه العبارة ان المؤرخ يميز بين الايديولوجيا والانفعال، اي انه يقصر مفهوم الايديولوجيا على ما ليس انفعالا، اي على مجموعة العوامل الفكرية. اني اعتمد هذا التمييز الذي يؤتيه الاستاذ بولس نفسه، حيطة ضد اعتبار فعل العقائد ناشئا عن الميول الانفعالية، وذلك بذريعة المحتوى العاطفي الذي تهيجه الايديولوجيات في نفوس معتنقيها .

لا يغرين عن بال مؤرخنا العلامة دور العقائد، اي دور الايديولوجيا في احداث التاريخ، ان في دقائقه التفصيلية او في منحاه العام . فثمة ايديولوجيات بدلت وجه التاريخ ومنحى الشعوب التي اخذت بها واوصلتها في نفوسها، لدرجة ان اصبحت محتد افعالهم . مثالا على ذلك الاسلام، او المسيحية، او حتى الماركسية. افيرى الاستاذ بولس ان واقع الاتحاد السوفياتي اليوم هو نفسه في العهد القيصري؟ ان لا، أفلا يكون السبب في ذلك هي الماركسية بصفتها ايديولوجيا ؟ وهل يمكن البرهان على ان هذه الايديولوجيا مجرد هوى وعاطفة، اي نزوة عابرة، في حين انها عمرت نصف قرن، وهي ذاهبة في الامتداد في العالم اكثر فاكثر ؟ ام ان الاستاذ جواد بولس يعزو ما حدث في الاتحاد السوفياتي من تبديل في معالم الحياة الاجتماعية الى البيئة الجغرافية ؟ ولكن الاتحاد السوفياتي ليس ذا بيئة موحدة، كما ان الماركسية لم تكن بنت البيئة التي انتصرت فيها، وكلنا يعلم ان هذه الايديولوجيا من مصدرات الفكر الجرماني، وانها لم تتأقلم حيث هي الان في فكر معتنقيها الذين تأقلموا بها أكثر مما اقلموها، وراحوا يؤقلمون بها بيئتهم اذا صح التعبير ؟

لنظر الى الاسلام مثلا، وهو يمكن اعتباره ايديولوجيا، اذ ان الدين يحيا في الفكر والفؤاد لا في الاحاسيس والانفعالات كما يفعل الهوى والعاطفة . زد على ذلك ان الاسلام نشأ وترعرع ضمن البيئة التي اعمل فيها مؤرخنا العلامة نظره التاريخي، فاستجمع احداثها منذ سبعة الاف سنة ونيف. من المحال انكار الدور الذي مثله الاسلام في مصير هذه المنطقة . كما انه يستحيل ارجاع تأثير الاسلام الى النزوات الانفعالية . اما ان يقال بان احكام الاسلام تعبير عن متطلبات البيئة العربية حيث نشأ الاسلام، فلا اتبين كيف يمكن اقامة الدليل على مثل هذا القول. لو كان ذلك صحيحا لتوقف الاسلام عند حدود بيئته الجغرافية ولما تخطاها في مد ما فتئ يطمح الى ان يغمر المعمورة باكملها .

فكيف نفسر، على ضوء نظرية الاستاذ بولس، اندفاع المسلمين الاولين بايمانهم وسيوفهم يم الشام والرافدين ؟ ان حاولنا فعل ذلك بدافع البيئة، فأمر لا يمكن القبول به بداعي ادلة مغايرة وفيرة.

  • والمسيحية ايديولوجيا :

والمسيحية، وان تطورت بشكل يؤيد قول الاستاذ بولس من حيث تمثلها عناصر تحمل طابع البلدان الام، الا انها تحتفظ بطابع جوهري بالرغم من تأقلمها الى حد ما بالبيئات الاخذة بها . وعلى كل حال، فالمسيحية لم تتعد كونها عقيدة، أي ايديولوجيا، منزهة عن الانفعال والهوى .اما دورها في المصير التاريخي ومساهمتها الفعلية في تبديل اطر الشعوب الاجتماعية ومناحي مصائرهم، فمن المكابرة على التاريخ ان يتنكر له مؤرخ .

ان الاستاذ بولس لا قدر مني بما لا يقاس على تعداد الايديولوجيات التي كان لها دور في تقرير اتجاهات التاريخ . اما السؤال الذي لا اتوانى عن مطالعته به عن ذكره كل ايديولوجيا فهو مزدوج : كيف تفسر نشأة الايديولوجيا بدفع من البيئة الجغرافية الصرف، دفعا يكون الفكر منفعلا ازاءه ؟ وهل نضع الهوى و العاطفة في اساس العقائد المذكورة يا ترى ام نقر بدور الفكر، اي جوهر الايديولوجيا في مصير التاريخ ؟

  • الاتقاء الحضاري :

لننظرن الى ظاهرة الارتقاء الحضاري، اي التقدم المدني بتقنيته وفنونه . فلا ريب ان هذه الظاهرة تؤلف على الاقل احدى مواد التاريخ . فهل نفسر حدوث التطور الحضاري بفعل البيئة ؟ اذا كان كذلك، فما هي الاسباب التي تقرر مجرى التاريخ المتعرج، كأن تصاب حضارة امة ما بانتكاسات احيانا وتزدهر احيانا اخرى، في حين ان البيئة ثابتة ؟ يروقني استذكار رأي ارسطو وبوذا بالدورية التاريخية، تقابلها النظرية اليهودية _ المسيحية والنظرية الزرادشتية، وكيف وقف توينبي بين النقيضين بتشبيه حركة التاريخ بالعجلة الدائرة المتقدمة !

  • التاريخ رؤيا :

التراقي المدني حاصل مهما كان مصدره . لكنه لا يرد الى الهوى والعاطفة،الى الانفعال، الذي يرى فيه الاستاذ بولس نابض التاريخ . لان المنجزات التي ادت الى هذا الرقي وليدة الفكر، وليست غريبة عن الايديولوجيا اذ ان هذه الاخيرة هي الفكر عينه، في وضع الرؤيا، في حال الحماس. اضف الى ذلك كون التقدم المدني يعني احداث انماط جديدة في الوضعية، اي تبديل وجه الواقع، فكيف التبديل ان لم يكن استجابة لرؤيا ؟ وهل العمل بمقتضى رؤيا تجاه الكون،غير محققة واقعيا، بل تحقيقها رهن بالفعل الانساني ، هل هذا العمل مغاير لما نسميه ايديولوجيا ؟

ولسنا ننكر دور البيئة في حركة التاريخ، انما نرفض حصر المصير التاريخي بها، ونتطلع الى اثبات دور الفكر، ابتؤدة عمل ذلك الفكر ام بحماس. بعبارة اخرى، قصدي الدلالة على ان الانسان يتحرك تاريخيا بدفع من الفكر اكثر مما يتحرك بدفع من الهوى والعاطفة . هذا من جهة، ومن جهة اخرى ارمي هنا الى الاشارة الى كون الانسان ليس مفعولا جغرافيا بمقدار ما هو لفعول جغرافي ايجابي، واشدد على القول بان الدافع البيئي لا يحدث مصيرا ما لم يتمتل في وجدان الناس، اي يصبح ايديولوجيا ؟ لنسلم جدلا مع الاستاذ بولس بأن لا دور للايديولوجيا في التاريخ، وبأن الانسان يتحرك بدفع من بيئته، استجابة لاهوائه ونزواته . لكن الا يجدر الانتباه اللى كون التاريخ من صنع الجماعات لا من صنع الافراد ؟ افيعقل ان تحرك الجماعات بدافع الاهواء ذاتها ؟ اي ان تلتقي اهواء الناس وعواطفهم على الامر الواحد تلقائيا ؟ افلا يعني ذلك ان الهوى والعاطفة، اي ان الانفعال اصبح ديناميكية تحرك الجماعة ، اي ايديولوجيا تنطلق من وجدان فرد وتنتشر كما الحرائق في الغابة ؟ ارى ان الايديولوجيات السياسية تتصف جوهريا بهذه الطباع . افلا يرى معي الاستاذ بولس ان النازية تصلح مثلا شاهدا على هذا المفهوم للايديولوجيات ؟

  • النازية نزوة :

يحق للاستاذ بولس، من وجهة نظر معينة، ان يقلب على هذه الحجة بالذات، كيف ان النازية لم تكن الا نزوة مستبدة، عطلت الرؤية العقلية التي يتوجب توفرها في العقيدة كي تصبح هذه العقيدة ايديولوجيا. على ان الشحنة الانفعالية المستبدة بالنازية نفسها تتصف بصفة العقيدة، باعتبار انها تنبع من الاعتداد يتفوق العنصر الآري، المرتكز على نظريات فلسفية، اقل ما يقال في بعضها، كالهيغاليانية مثلا، او الشوبنهاورية، انها من كبريات العمارات الفكرية في التاريخ .

  • جواد بولس متشائم :

ان الاستاذ جواد بولس، اليف التاريخ، ومعايش الحضارات في شرقنا الادنى، بعقله ورؤيته، مدة سبعة الاف من السنين، مقلبا اياها متحريا مدنياتها، ممحصا مخبآت القرون السبعين في معاركها ومشاغلها، في ابداعها وتخبطها، لهو خير من يرى دور الانسان، دور الايديولوجيا، عبر تحركات الاليارات من البشر . انطلاقا من هذا اعتبر الدور الذي يعزوه مؤرخنا الى النزوات الانفعالية في حركة التاريخ ان هو الا وليد نظرة تشاؤمية لا بد من ان تنشأ لدى من يطلع على مقابح الماضي . واخلص الى اعتبار التشديد على اثر البيئة يهدف الى تجذير الانسان في الواقع . الا اني اخشى ان ينطوي ذلك على مفارقة النظرة المادية التي تنكر طاقة المبادرة، فيؤول بنا الامر الى مفهوم التحتانيات والفوقانيات كما في اللغة الماركسية .

  • مدلول : ” حضارات الشرق الادنى”:

رب مطلع يتهم ايماني بفعل الايديولوجيات في المصير التاريخي بكونه مجرد اعتقاد مبني في النظر لا غير، مرتكز الى الادلة العقلية الصرفة، في حين يكون الواقع التاريخي مغايرا لما يأتي به النظر، كما هي الحال عادة بالنسبة لغالبية العلوم . ولئن اثير هذا التوجس حول تعليقي على رأي الاستاذ جواد بولس، واتهمت باثارة حوار صم معه، فيقال ان علامتنا ياتي بحصيلة واقع يراه بعين العلم المتنبه الى المعطيات الواقعية، في حين آتي انا بآراء مستمدة من النظر الا ان كتاب : ” حضارات الشرق الادنى ” الذي ضمنه مؤرخنا خلاصة جهده طوال اعوام عشرين قضاها في البحث والتفكير ينطق بدور الايديولوجيات في التاريخ.

IM_9134
IM_9135
IM_9138
IM_9139
IM_9140
IM_9141
IM_9142