Ar     En
سبل الاصلاح في لبنان 19 أيار 1938

سبل الاصلاح في لبنان 19 أيار 1938

جواد بولس

سبل الاصلاح في لبنان

(أيار 1938)

ننشر في هذا العدد الكلمة التي ألقاها الاستاذ جواد بولس في الجلسة الحادية عشرة لمجلس النواب المنعقدة في 19 ايارسنة 1938 حول “سبل الاصلاح في لبنان” .

ايها السادة

ان اشاعة واحدة عن احتمال تعديل الدستور كانت كافية لأن تهز هذا المجلس هزأ .

فتعاقب الخطباء والمستجوبون في جلسة مضت ولم تهدأ الاعصاب الا بعد أن اكدت الحكومة ان لا علم لها بالأمر وانه لا يمكن اجراء اي تعديل في الدستور إلا ضمن جدران هذه القاعة فارتاحت الافكار لهذه التصريحات واقتنع الجميع ان لا خطر على النظام، وبات الدستور سليماً .

لا ابحث الآن في اي نظام اشد انطباقا على حاجات ورغبات الأمة اللبنانية. ولكني اقول لجميع الذين يريدون ابقاء الحال على حاله، ان النظام الحاضر لا يمكن ان يسلم من العطب بقوة الجمل والخطب. بل يجب ان تكون الألفاظ مؤيدة بالاعمال .

فالحكومة الديمقراطية الدستورية هي التي تستوحي اعمالها من ارادة الأمة ورغبات الراي العام واماني الصحافة الحرة.

فاذا اهملت الحكومة الدستورية هذه المبادىء الاساسية اصبحت حكومة دكتاتورية ذات رؤوس متعددة واميال متشعبة فتبدأ الفوضى ويحل الجمود محل العمل.

ان الدستور اللبناني مصاب بداء يشبه سيفاً مصلتاً لا يعرف احد متى ينقض على الرأس. وهذا السيف هو كتاب ممثل الدولة المنتدبة المؤرخ في 4 كانون الثانى سنة 1937 وهو الذي رافق اعادة الدستور اللبناني وهذا بعض ماجاء فيه:

“أرى من واجبي ان الفت النظر الى بعض الأخطار التي اسفر عنها الاختبار فيجب تحاشيها. فمن المهم أولاً ان لا تكون الهيئة الحكومية باتساعها عبئاً غير متناسب مع مساحة البلاد الجغرافية وعدد سكانها ومواردها… ولا شك ان وطنية المسؤولين فيما يتعلق بهذه الشؤون الاساسية ستمكن من اجراء التعديلات اللازمة”.

ان هذه الرسالة تتضمن بعض ارشادات وهي تتضمن ايضاً ما هو اهم من ذلك اي اشارة صريحة الى “تعديلات لازمة”. فسكوتنا عنها وتجاهلنا لها، رغم انها صادرة من السلطة الوحيدة التي لها ان تحكم على اهليتنا او عدمها للحكم، تكون نتيجته يوماً شراً على النظام.

فعلى الحكومة الحاضرة ان تراجع ممثل الدولة المنتدبة بهذا الأمر فتطلب منه رسالة جديدة تكون بمثابة شهادة صحة للنظام الحاضر. والا فهذه الرسالة تشكل قنبلة خطرة لا ندري كيف ومتى تنفجر، فتنسف هذا النظام نسفاً.

لو صرفنا النظر عن وجود هذه الرسالة وسلمنا بانها لا تشكل خطراً فهل ان النظام الحاضر بمأمن من كل اذى.

لقد عودنا الاختيار ان نرى كل تعديل اوتعليق يطرأ على الدستور تسبقه موجة استياء في الرأي العام يستند عليها المسؤولون. فالدفاع عن للدستور لا يكون فعالاً الا اذا كان الرأي العام مؤيداً له، ولا يمكننا ان نظفر بهذا التأييد الا اذا كانت اعمالنا مستوحاة من اماني البلاد.

علينا إذا ان نقوم بأعمال مثمرة واصلاحات مفيدة تجعل طبقات الشعب كافة تثق بهذا النظام وترى فيه خير ‎وسيلة لرقي البلاد وعمرانها.

فالحكومة الدستورية انما جعلت لتعمل لمنفعة الجموع وضمن حدود المصلحة العامة، عليها ان تصلح وتحدث وتنشىء. عليها ان لا تعرف الملل ولا الكلل. فكل حكومة لا تعمل بهذه المبادىء هي وحدها عدوة النظام البرلماني لان تهاونها واهمالها يخلقان في صفوف الأهلين تذمراً واستياء وميلاً الى الدكتاتورية الشعبية.

ان الدكتاتورية الخطرة ان اتت فإنما تأتي من الشعب. هذا اذا ثابرت الحكومات اللبنانية على خطتها السلبية في طريقة الحكم. عندما ترى الجماهير ان لا امل ترجوه من حكومات يسودها الجمود العقيم. ينقم الرأي العام فيستثمره محركون يكونون المرشحين للدكتاتورية في المستقبل.

ان الفوضى والبلبلة السائدين في دوانر الدولة أوجدا اعتقادا في نفوس اكثر الموظفين الذين خفت بدلات مرتباتهم ان تغيير النظام قد يؤدي الى تحسين حالتهم. وكذلك يمكنا القول عن قسم كبير من الشعب اللبناني الذي اضنكته الازمة.

فانقاذ الوضع الحاضر ودرء الأخطار عنه معلقان على حسن اعمال الحكومة وعلى تحقيق مطالب الأهلين واحتياجاتهم وعلى تمسك الشعب بنظام يرى الخير في ظله.

– 1 –

ان أول عمل يجب على الحكومة ان تشرع فيه بدون ابطاء هو انشاء نظام عام لجميع موظفي الدولة يضعهم بمأمن من كل مداخلة سياسية، ومن كل انتقام او مكافأة غير مستحقة.

لا يمكن لبلاد ديموقراطية ان تسلم من الفوضى والبلبة الا اذا عرفت كل من السلطتين السياسية والادارية حقوقها وواجباتها.

فالسلطة السياسية الممثلة بالوزراء لها حق الاشراف والمراقبة على الأعمال الادارية. اما الاجراء والعمل وتسيير الاشغال العادية إنما هى وظيفة السلطة الادارية اى الموظفين الدائمين.

إن المراقبة حق من حقوق السلطة السياسية لأن الوزير يمثل المجلس اي السيادة القومية الكاملة ، ولكن هذه السلطة يجب ان لا تتعدى حدود المراقبة، ويجب ان تترك للسلطة الادارية الحرية والاستقلال في الأعمال الادارية ‎ ضمن حدود القوانين والأنظمة الخاصة.

على السلطة السياسية ان تبتكر خططاً للعمل وتقرير المشاريع والاصلاحات التي تراها مفيدة للبلاد. والسلطة الادارية تقوم بأعمال التنفيذ. فالسلطة الادارية مسؤولة عن اعمالها تجاه السلطة السياسية وهذه الاخيرة مسؤولة تجاه المجلس، ان وظيفة الوزير الادارية هي وظيفة مراقب عام.

اذا تعدت كل من السلطتين على الوظيفة الأخرى اختلط الحابل بالنابل، فتحرم البلاد من معارف واختبار الموظفين الدائمين وتتضعضع الاشغال وتسود البلبلة.

هذه المبادئ ‎ الاساسية لا يمكن للعمل بموجبها الا اذا وضعنا لجميع موظفي الدولة نظاماً عاماً يمكنهم من جراء وظائفهم وتسيير مصالح الأهلين، باستقلال وتجرد وعدم خشية. وهذا النظام العام يجب ان يستوحى من المبادئ الآتية:

  • انتقاء الموظفين بطريقة المسابقة
  • ضمانة الترقي للاستحقاق والاقدمية
  • قطع دابر التوصيات والمداخلات
  • ضمانة حالة الموظفين المادية وخصوصا الصغار منهم
  • واجب الإخلاص للدولة – كل عمل مباشر او غير مباشر وكل حركة يقوم بها المأمور ضد سلامة الدولة او شكل حكم فيها تكون نتيجته فصل الموظف عن وظيفته حكماً.
  • لما كان القضاء في الدولة هو الضمانة الوحيدة لحرية البشر واموالهم وسمعتهم فيقتضي الاهتمام بنوع خاص من تنسيق القضاة اللبنانيين بتثبيت من يستحق التثبيت وفصل من يجب فصله وتطهير القضاء من كل شائبة.

– 2 –

ان الاصلاحات الادارية وايجاد نظام عام لجميع الموظفين وتنسيقهم ومراقبتهم كل ذلك يجعل دوائر الدولة صالحة للغاية التي كونت لأجلها ويبعث في النفوس روح الطمأنينة والاحترام للحكومة وممثليها.

لكن هذه الاصلاحات وحدها لا تكفي كي تصبح دولة عصرية، ولا يتحقق هذا الأمل الا بالقيام بالأعمال والمشاريع العمرانية وهذه المشاريع لا تتم الا بإيجاد المال اللازم لتحقيقها.

ان الحاجات العصرية المتعددة وسعت حقوق وواجبات الدول، فأصبحت ملزمة باعمال لم تكن تخطر لها ببال فيما سبق، ‎كما ان تدني النقد اوجب على الحكومات ان تزيد نفقاتها زيادات محسوسة.

ذلك وحيث ان واردات الدولة اللبنانية لا تكفي لاجراء ذلك فيقتضي على الحكومة ان تقوم باصلاحات في الأنظمة المالية وان تحسن نظام الجباية كي يتوفر لديها المال اللازم للأعمال المثمرة.

ان المجلس والرأي العام لا يمانعان بهذه الاصلاحات اذا تيقنا ان المال الذي سيجبى انما سيصرف في سبيل المصلحة العامة.

لا يمكن لأي حكومة ان توجد هذه الثقة بالنفوس الا اذا تمكن ممثلو الأمة من مراقبة صرف اموالها مراقبة فعالة بواسطة مؤسسة لا تستغني عنها دولة ما، اعني بها دائرة حسابات  Cour des Comptes.

دائرة الحسابات لها ثلاث مهام: مهمة قضائية ، ومهمة ادارية ، ومهمة سياسية برلمانية.

  • فبحكم المهمة الفضائية تحكم هذه الدائرة على حسابات الموظفين الماليين.
  • وبحكم المهمة الادارية تراقب ادارة الموظفين الماليين الذين لا تدخل اعمالهم تحت سلطتها القضائية.
  • وبحكم مهمتها السياسية البرلمانية تقوم بالنيابة عن البرلمان بتحقيق حسابات الخزينة ومراقبة تصرف الوزراء والاعتمادات المخصصة في الميزانية.

انشاء هذه الدائرة من اهم الضرورات وهو لا يكلف الخزينة شيئاً لأن اعضاء هده المؤسسة يمكن انتقاءهم من بين الموظفين العديدين الذين تغص بهم الدوائر المختلفة ويمكن الاستغناء عن وظائفهم الحاضرة.

على الحكومة ان تضع برنامجاً مفصلاً عن كيفية تحسين وتشجيع موارد البلاد وخصوصاً السياحة ‎والاصطياف والاشتاء والزراعة والتحريج والري بنوع ان يكون لكل وزير سياسة وخطة معلومة للعمل، موضوعها تحقيق الأعمال العمرانية بطرق مبتكرة مأخوذة عن البلاد التي نجحت فيها هذه الأعمال وتلك الطرق. فينصرف الوزير عندئذ الى الاهتمام بها دون غيرها، تاركاً تدبير الأمور الادارية وتسيير المسائل العادية الى الموظفين الدائمين وهم مسؤولون لديه بحكم الوظيفة.

– 3 –

وأخيراً ايها السادة يجب الا ننسى ان تشعب المشاكل الاقتصادية في العالم بعد الحرب، واشتداد الضائقة ‎العالمية اوجدت لدى الحكومات والبرلمانات فى جميع البلدان، مؤسسة استشارية، تمثل مختلف العناصر والمصالح الاقتصادية، لها حق المناقشة باستقلال ولها حق ابداء الرأي في جميع المسائل التي لها علاقة بالمنتوجات والمصنوعات، بالتصدير والمقايضة، لتنوير السلطات وارشادها الى حل المشاكل الاقتصادية التي تعترضها. ويطلق على هذه المؤسسة اسم المجلس الاقتصادي الوطني:  Conseil national Economique

فالحكومة الافرنسية انشأت هذه المؤسسة الاستشارية بمرسوم صدر فى للسادس عشر من شهر كانون الثاني، سنة 1925 وحذت حذوها جميع دول العالم تقريباً.

واني اكتفي بأن اتلو على مسامعكم فقرة صغيرة من تقرير رئيس الجمهورية الافرنسية بين بها الاسباب الموجبة التي ولدت هذه الفكرة والمبادىء العامة التى اوجبت تنفيذها:

“لما كان توحيد جميع القوى المثمرة في البلاد الافرنسية هو هم الحكومة الأكبر فقد عزمنا على انشاء مؤسسة تابعة لرآسة مجلس الوزراء، غايتها درس المسائل الكبرى التي لها علاقة بحياة ومستقبل البلاد الاقتصادي. ان هذه المؤسسة الجديدة ليست برلماناً ولا نقابة ارباب حرف لأن سيادة البرلمان وسلطة الحكومة تبقى كاملة ‎ ‏كما هي، بل هي تتألف من ممثلين تنتخبهم الجمعيات والنقابات والفرق والمؤسسات الاقتصادية والمالية والتجارية ومهمتها ايجاد حلول عامة للمشاكل الاقتصادية تستنير بها الحكومة في اعمالها”.

فهذه المؤسسة ضرورية في لبنان، لأنها تساعد على ايجاد طرق لحل المشاكل الاقتصادية الداخلية. كما انها ترشد الحكومة الى الفوائد التي يمكن ان يجنيها لبنان، من اتفاقات او معاهدات تجارية، مع البلدان الأجنبية والمجاورة وبالاخص مع الحكومة السورية في الظروف الحاضرة.

هذه اهم الاصلاحات التي يجب اجراؤها اذا كنا نريد ان ننشىء دولة عصرية يمكنها ان تعيش بهناء وان ترضي الرأي العام.

فاذا حققناها انقذنا النظام وخدمنا البلاد، والا صح فينا قول ذلك الفيلسوف والشاعر العربي:

أعطيت ملكاً ولم تحسن سياسته وكل من لا يســوس الملك يخلعـه

نائب لبنان الشمالي

جواد بولس

 

IMG_1929
IMG_1930
IMG_1931
IMG_1932