Ar     En
جريدة النهار 14 حزيران 1981

جريدة النهار 14 حزيران 1981

منعطفات عشرة من الخلفاء إلى المماليك
البيئة الجغرافية فاعلة في التطورات التاريخية

قدمت اخيراً في الجامعة الامريكية ، محاضرات حول تاريخ الشرق الأدنى القديم ، والاهتمام بالتاريخ امر حيوي للانسان الذي ينشد التطور دون ان يتخلى عن الجذور. والتاريخ علم يحتاج، في نظر ابن خلدون الى حكمة ، و تحكيم نظرة و بصيرة و اتباع اصول و قواعد. و ابتعاد عن وساوس الاغراب : “ففي التاريخ هو في باطنه نظر و تحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع واسبابها عميق ، فهو لذلك اصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها و خليق “. وحاولنا ان نطلع على جديد المؤرّخ جواد بولس ، فبرغم قلة انتاجه ، فان القليل لامس القمة دفعة واحدة ، وخاصة في كتابه ذي الاجزاء الخمسة في الفرنسية : ” الشعوب والحضارات في الشرق الأدنى ، دراسة تاريخية مقارنة من البداية حتى ايامنا” ، مع مقدمة لارنولد توينبي .

حوارنا معه دار على كتابه الجديد والتاريخ كعلم ، في رأيه ، وعلاقته بحقول الفكر والحياة ، قال تقديماً :

“ابتدأت محامياً ، كنت نقيباً للمحامين مرّتين ثم نائباً ، ثم تخصصت بالتأليف ، فقط ، لأني اكره الوظائف. رأيت التاريخ وعظمة التاريخ ، فشغلت فكري لمنفعة الانسانية ولثقافتي ، اشتغل قبلي في التاريخ ، كعلم ، ابن خلدون والكندي وتوينبي . قال توينبي عن كتابي حول الشرق الأوسط انه اول كتاب يصدر عن واحد من المؤرخين اللبنانيين الاقحاح الذي هو عالم تاريخ وليس مجرّد مؤرّخ يسرد المعلومات ، كل الجامعات في أميركا والغرب تدرس كتبي ، أخبرني ، مرّة ، السفير الفرنسي في بيروت ، أنه قابل ديغول ، ذات يوم ، قبل عودته إلى بيروت ، فرأى كتابي على طاولته ، يقرأه ويهتم به اهتماماً خاصاً.

حول كتابه الجديد : “احضر كتاب المنعطفات الكبرى في تاريخ الشرق الأدنى منذ الاسلام ، كان الذين كتبوا تاريخ العرب يبدأون من قبل النبي ويستمرون بحثاً حتى اليوم . وهذا خطأ علمي وتاريخي فادح .هناك تاريخ مجيد للعرب ، طلع من الجزيرة العربية ، وانتهى تاريخ العرب . في رأيي ، بسقوط الأمويين ، وتابعناه هنا كبلدان اسلامية”.

يختصر المنعطفات العشرة في الكتاب بالعناوين الاتية وهي اصلا بقلم المؤرّخ :
1. عهد الخلفاء الراشدين والامويين (635_750).
2. دولة الخلفاء العباسيين حتى استقلال وادي النيل (750_872).
3. انقسام المشرق الاسلامي (872_969).
4. دولة الخلفاء الفطميين (969_1171).
5. البويهيون الايرانيون (945_1055).
6. الاتلراك السلجوقيون (1055_1098).
7. الامراء الفرنج والصليبيون (1098_1291).
8. الاكراد الايوبيون (1171_1250).
9. المماليك (1250_1517).

هذا الكتاب الذي اصبح للطبع يحمل ، على قول صاحبه “رؤية جديدة لتاريخ الشرق الأدنى. وترتبط الرؤية في الحقائق لان المؤرّخ ، مرتبط في احداث وليس حرّاً ولا يمكنه ان يكتب ما يشاء ، التاريخ يعتمد على العقل وليس على الخيال ، ولكن لا يمنع ان يكون المؤرّخ ، احياناً صاحب ميول ادبية ، فنابوليون و يوليوس قيصر وتشرشل وديغول ولينين ، الذي هو اكبر دماغ في الجيل العشرين ، كلهم عظام ، مزجوا الفلسفة بالأدب بالتاريخ بعلم النفس، لكنهم ظلوا مخلصين لأنفسهم ، يعرفون ما يريدون ويريدون ما يقولون قال بولس : “ان التاريخ التقليدي او العادي الذي يكتفي بسرد الوقائع والأحداث الماضية ووصفها وترتيبها ، لا يوصل القارئ الى معرفة الحقيقة الراهنة ، لان فيه من كل فن خبراً ، فيعرف المرء هذه ما يشاء من الأمثلة ، تأييداً لنظرية معاكسة . اما التاريخ المعتبر مدرسة سياسية واجتماعية ، فهو في آن ، علم و فلسفة وعرض احداث ، مجلل احياناً بثوب ادبي او فني ظريف وجميل . فهذا النوع يساعد رجل الدولة على الوصول الى الحقيقة الراهنة وعلى اكتشاف الثوابت التاريخية لكل بلد ، التي تفرضها العوامل الجغرافية لهذا البلد ، والتي تمكنه من تدبير اموره السياسية والاجتماعية الحاضرة والمستقبلية.

ان السياسة الرشيدة نتيجة الاختيار. والتاريخ خزّان كبير للتجارب المتعددة والمتراكمة عبر العصور، يظهرها التاريخ النزيه ، فالتاريخ سياسة الماضي ، وسياسة الحاضر تاريخ المستقبل . فالعوامل التي تقود الشعوب ، ماضياً وحاضراً ، لم تزل اياها ، لان النفس البشرية لم ولن تتأثّر عميقاً بالتغييرات الخارجية . فالبيئة الجغرافية خصوصاً عامل فعّال في التطورات التاريخية لم تتغير منذ اكثر من عشرة آلاف سنة.

يقول المؤرّخ الفرنسي سينيو بوس : “ان الأمّة الفرنسية تأثّرت بطبيعة ارض البلد التي تكوّنت فيها وحددت نوع معيشة السكان . كما تأثّرت بموقع البلد الجغرافي ، الذي اقر علاقات شعبه بالشعوب الاخلرى في العالم”.

وفي لبنان للمؤرّخ جواد بولس كتاب “لبنان والبلدان المجاورة ” 1971، قال : “نحن في لبنان لنا طابع خاص هو حلف بين الجبل والبحر. الجبل ينشّط فكرة الإستقلال والحرية الفردية عند سكانه ، ينشّط البحر فكرة الاسفار والمغامرات والاتصال بالبلدان الغربية وتبادل البضائع والافكار . وجعلنا نخاطر في البحر ان هذه المنطقة الجغرافية لا تستطيع ان يعيش منها سكانها زراعياً الا اربعة اشهر. لذلك نرحل لنمدد الاشهر الباقية ، الانسان انساننا طبعته الجغرافية بالحرية حرية الفكر ومن كوننا على ممر عالمي نحن منفتحون على الشعوب واللغات لاننا شعب يريد العيش .هناك خرائب مدرسة في جبيل سنة 2300 ق.م. وكانت الفروض التي تعطى للتلاميذ بلغتين : فينيقية وبابلية “.

ربيعة أبي فاضل.

 

IMG_9163