Ar     En
جريدة العصر 12 كانون الأول 1980

جريدة العصر 12 كانون الأول 1980

جواد بولس ل” العصر”:

حرب البترول اليوم تمثل خطورة الحرب النووية

في حوار أجرته ” العصر ” مع وزير الخارجية اللبناني الاسبق والسياسي المخضرم واحد اركان الجبهة اللبنانية، اكد المؤرخ الاستاذ جواد بولس ان الزعماء والحكام لا يقررون وحدهم مصاير الشعوب الديمقراطية، وان الوفاق الصحيح بين جميع اللبنانيين يأتي عن طريق الاستفتاء الشعبي . واشار الى ان التقسيم والتوطين لا يتحققان بالقوى والاكراه . كما أوضح أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامركية لا تتغير في عهد الرئيس الجديد ريغان . وعن اسباب الأزمة اللبنانية التي كادت تستعصي على الحل ، قال ان بعضها يعود الى الحكام الذين تسلموا مقدرات البلاد منذ الاستقلال . وعن الحرب العراقية الايرانية ذكر المؤرخ اللبناني الكبير ان هناك نزاعا شبه دائم بين العراق و ايران ظهر مع فجر التاريخ . و تطرق الى سلاح البترول الذي يملكه العرب فاشار الى ان حرباً بترولية في أيامنا هذه هي في مثل خطورة الحرب النووية ، وان مصالح الدولتين العظيمين تفرض عليهما التفاهم والتفاق في حال استخدم العرب ضدهما سلاح البترول.

“التقسيم أو التوطين لا يتحقق بالقوة والاكراه”!

و فيما يلي الاسئلة والأجوبة

  • كل الاطراف المتنازعة فوق الساحة اللبنانية . رحبت بالوفاق . حبراً على ورق . لماذا لم يقم هذا الوفاق بعد ؟ و اذا تحققت الوفاق فهل تعتقدون ان باستطاعته اعادة اللبنانيين الى سابق عهدهم من الالفة والمحبة والوحدة؟

– من اجل تحقيق مطلق وفاق ، سواء بين الافراد او بين الجماعات ، يفترض وجود اطراف متنازعة تريد الوفاق، او ترغب فيه ن و مصالحة للقبول به ، و قادرة على تنفيذ مضمونه، ومستعدة لهذا التنفيذ.

تقول بسؤالك ان “كل الاطراف المتنازعة فوق الساحة اللبنانية رحبت بالوفاق “. والحقيقة ان الذين رحبو بالوفاق ليسوا كل الاطراف المتنازعة فوق الساحة اللبنانية، بل بعض الاطراف والاصح بعض اللبنانيين. ليس هكذا توضع حدود نهائية لحرب طاحنة دمرت لبنان ولا تزال مستمرة تاركة وراءها يومياً القتل والبؤس والدمار.

ان الشعوب المتمسكة بالديمقراطية الصحيحة لا يقرر مصايرها الاساسية الزعماء والحكام وحدهم ، مهما تكن مراتبهم عالية ، و مكانتهم الشخصية او الرسمية مرتفعة لقد أخذنا بهذه الطريقة، اي طريقة الزعماء والحكام ، لحل مشاكلنا المهمة منذ الاستقلال سنة 1943 ، فوصلنا الى ما وصلنا اليه من ويلات منذ 1975!

لنر مثلاً كيف انتقل البلد الفرنسي بعد خمس سنوات تقريباً ( 1940_1945 ) من حال الحر والاحتلال ، الى حال الاستقلال و حال ما نسميه” الوفاق”.

بعد دخول الجيش الالماني باريس و احتلاله البلد الفرنسي سنة 1940 ، انتقل الجنرال ديغول ، وكان احد القادة في الجيش الفرنسي ، الى لندن حيث اعلن نفسه رئيساً لفرنسا الحرّة ، و رئيساً للمقاومة الفرنسية في الداخل والخارج. كما أعلن منذ البدء أنه ، بعد تحرير الاراضي الفرنسية من الاحتلال الاجنبي ، سيترك للشعب الفرنسي حق تقرير اعادة الجمهورية بالشكل المجدد الذي يرتأ به.

وفي 3 حزيران سنة 1944 شكل ديغول ، في مدينة الجزائر ” حكومة مؤقتة للجمهورية الفرنسية ” وفي 25 آب سنة 1944 دخل ديغول باريس بعد انسحاب الالمان منها . و في 26 منه ظهر على جادة الاليزه في قلب باريس ، محاطاً بوزراء و جنرالات فرنسا الحرّة و بزعماء المقاومة الفرنسية . فهتف له مليونا شخص تجمعوا للقائه و تأييده. فحقق الوحدة الوطنية ( الوفاق ) حوله وحول حكومته، و اعاد سلطات الدولة الى جميع انحاء البلاد.

ولكن ديغول لم يكتف بذلك ، ففي 21 تشرين اول 1945 نظم استفتاء شعبياً لتقرير النظام الاساسي الذي يختاره ويرغب فيه الفربسيون . فرفض الشعب اعادة الجمهورية الثالثة. وانتخبت جمعية تأسيسية لاقرار نظام سياسي اي دستور جديد. وفي 10 كانون الثاني 1946 استقال الجنرال ديغول من منصبه.تتاتا

و في 21 كانون الاول 1958 ، وعلى اثر احداث الجزائر و خطر اندلاع حرب اهلية في فرنسا ، استدعي الجنرال ديغول من قبل السلطات الشرعية الفرنسية ، وانتخب رئيساً للجمهورية الفرنسية ، بعد تعديل في القانون الاساسي ادخلته السلطات المختصة ، وبعد انتخابات نيابية عامة.

وفي 28 نيسان 1969 ، وعلى أثر مشروع قدمه ديغول للاستفتاء الشعبي و لم يحظ بالاكثرية ، اعلن ديغول انه يضع حداً لممارسته سلطات رئاسة الدولة ، وانسحب الى منزله في كولومباي لي ديغليز.

هكذا حققت فرنسا ، بعد حرب طاحنة و احتلال عسكري اجنبي دام خمس سنوات تقريباً ، ما نسميه نحن ” الوفاق”، والذي استغرق اتمامه سنتين واكثر (1944-1945). و بطريقة الاستفتاءات الشعبية والانتخابات العمومية ، النيابية، مع وجود الجنرال ديغول والثقة العامة به.

فهل نحن مستعدون في لبنان ، متى حان الوقت لان نلجأ الى الاستشارات الشعبية والانتخابات العامة، من اجل تحقيق الوفاق بين اللبنانيين، وإعادة البلد اللبناني الى حالة طبيعية ثابتة نسبياً؟

ان يفكر البعض في ان الوفاق يحصل بعد تفاهم بعض الزعماء المعتبرين او محترفي السياسة على اقتسام مراكز الحكم فيما بينهم ، وان يكتفوا بالقبلات وبترديد عبارة ” لا غالب و لا مغلوب ” … فاني اعتقد ان اللبنانيين ، جميع اللبنانيين ، مسيحيين ومسلمين ، على السواء ، يريدون وفاقاً اساسه ارادات شعبية ناجمة عن استفتاءات او انتخابات نيابية حرّة و صحيحة. وهذه الوسائل لا يمكن اللجوء اليهما ما دام جزء من الاراضي اللبنانية تحتله جهات مختلفة .

الخلاصة ان اللبناني لم يعد يقبل ، بعد الذي جرى و حدث في بلده ، ان تتقرر مقدراته ومقدرات ابنائه ومستقبلهم في لبنان ، دون رأيه المعطي بواسطة الاستفتاء الشعبي ، او الانتخابات النيابية الحرّة او الصحيحة. والا فكل وفاق يحصل على غير هذا الطريق لا يطول به الامر حتى يتحول الى نزاعات مسلحة بين اللبنانيين ، كما حصل مراراً في السنين الماضية.

التقسيم والتوطين

  • المستجدات التي تطرأ باستمرار على الارض اللبنانية تشير الى ان التقسيم والتوطين شرعا يعزّزان وجودهما داخل الوطن الصغير . هل ترى انهما سيفلحان في تفكيك هذا الوطن ال الابد ؟

– لكي يكون التقسيم والتوطين ثابتين ومستمرين وشرعيين في بلد ما، يجب ان يحصلا بالرضى والقبول من جانب السكان الاصليين، اي بالطرق الشرعية التي ذكرناها سابقاً: استفتاء شعبي او انتخابات نيابية حرة وصحيحة . ولا انصح البعض ان يحققوا بالقوة والاكراه اي تقسيم او توطين من هذا النوع . لأنهم سيضطرون حتماً فيما بعد الى اللجوء لحرب دائمة خلال اجيال ، للبقاء في البلد الذي امتلكوه عنوة . ان مثل اسرائيل كاف لاقناع الغير بهذه الحقيق.

الاتهام وفقاً للشائعات!

  • يتهم بعض الاطراف منظري القوى المسيحية في المنطقة الشرقية ، وانت احد كبارهم ، بأنهم يتعاملون مع اسرائيل من أجل تثبيت الكيان المسيحي . ماذا تقول في هذا الصدد ؟

لا يمكن المؤرخ، أو الرجل السياسي الجدي والرصين، ان يتهم الغير بالتعامل مع اسرائيل على أساس الشائعات في أمور خطيرة كهذه يجب ان يكون الاتهام مؤيداً باثباتات خطية صحيحة.

كيسنجر ومخططاته

  • قيل ان أميركا كيسنجر هي التي خططت للمأساة اللبنانية. و ربما عاد كيسنجر نفسه الى وزارة الخارجية الاميركية من جديد. حينما يتسلم ريغان رئاسة الجمهورية الاميركية . ترى، هل ستستمر، عندئذ، المأساة اللبنانية من جديد؟

– لا أعتقد أن دولة عظيمة و ديمقراطية كالولايات المتحدة الاميركية تقبل ان يخطط سياستها الخارجية وحتى الداخلية شخص واحد. وزيراً كان او رئيساً. الكل يعرف أن السياسة الخارجية في كل دولة من الدول الكبرى في العالم لا تتغير بتغيير الحكام والمسؤولين فيها.

في ظل الخلافات

  • الخلافات العربية تتفجر داخل لبنان ، تاريخياً ، لمذا هذه الخلافات و كيف القضاء على الانشقاق العربي؟

– الخلافات العربية هي من الامور الطبيعية ، لأن لكل بلد من البلدان المستقلة سياسة خاصة ناتجة عن حاجات حياتية خاصة. فبلدان اوروبا الغربية تشهد لكل بلد سياسته الخاصة. ان ما يجعلنا نعجب من الخلافات العربية هو ان البلدان العربية تصرح دوماً بانها أمة واحدة : الامة العربية. والحقيقة ان مجموع هذه البلدان يشكل حالياً ، باللغة العلمية والسياسية ، اسرة واحدة ، لا امة واحدة، فالامة الواحدة بالمعنى السياسي والعلمي الحاضر ، هي التي تؤلف دولة واحدة أوموحدة . و هذا مما لاينطبق حالياً على الامة العربية لانها مؤلفة من عدة دول مستقلة تماماً، و تهتم كل منها طبعاً و في الدرجة الاولى ، بمصالحها الخاصة التي تتعارض غالباً مع مصالح غيرها من الدول العربية الشقيقة، كما يحصل ذلك بين الافراد والاشقاء.

ومدرسة السياسة الصحيحة ، ان الدول التي تتأهب لحرب مع غيرها، او تخشى هجوماً عليها من الغير ، عليها ان تسعى لان يكون معها حلفاء . و لكن الحكمة تقضي بان تتأكد هذه الدولة قبل دخولها الحرب ان بامكانها الانتصار على عدوها بقواها وحدها دون مساعدة حلفائها اذا اضطر هؤلاء ، بسبب قاهر ، الا يشتركوا في الحرب.

أما لماذا تتفجر الخلافات العربية في داخل لبنان ، فهذا أمر طبيعي ، لان لبنان وحده تقريباً بين دول هذه المنطقة ، يشكل دولة ديمقراطية حرة منفتحة لجميع الشعوب، وخصوصاً الشعوب العربية، كونه أحد اعضاء جامعة الدول العربية.

أزيد إلى ذلك أن اللبنانيين لم يتصرفوا مع الغرباء، للمحافظة على حريتهم واستقلالهم، كما فعلت كل الدول العربية. الحقيقة ان اللبنانيين او الذين تسلموا مقدراتهم منذ الاستقلال ، لم يهتموا بجد ببناء دولة الاستقلال. لهذا السبب عندما اصطدمت الدولة اللبنانية بالقوى غير اللبنانية. تلاشت اجهزتها العسكرية والمدنية، و حلت مكانها في بعض المناطق اللبنانية مقاومة عسكرية شعبية لبنانية ، اي ميليشيات لا تزال تقاوم الغرباء الطامعين في السيطرة على البلد.

مصلحة بلادهم اولا!

  • يتوقع البعض ، في عهد ريغان ، ان تتعثر مفاوضات كامب ديفيد ، وتتفجر المنطقة العربية نتيجة تصلب اسرائيلي !

– أكرر أن السياسة الخارجية للدول الكبرى لا تتغير عادة عند تغيير الحكام او نواب الشعب. لان الحكام الجدد كأسلافهم القدماء مقيّدون بمصلحة البلد ، المصلحة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية وغير ذلك من المصالح الحيوية.

  • كيف تفسر واقع الحرب العراقية – الايرانية ؟

– عندما احتل عرب الاسلام سنة 640 (ميلادية) بلاد بابل التي سميت العراق فيما بعد ، كان هذا البلد يرزح تحت الاحتلال والسيادة الفارسية منذ سنة 29 (قبل الميلاد) ، منذ 750 سنة تقريباً . ثم نجح الخلفاء العباسيون بمساعدة الايرانيين ( بقيادة الايراني ابو مسلم الخراساني). في اسقاط الخلافة العربية الاموية ، ونفل مركز الخلافة الى بلد قريب من بلاد الفرس ، فكانت بغداد .

وظلّ الفرس مسيطرين على دولة الخلفاء العباسيين حتى مجيء الاتراك السلجوقيين في القرن الحادي عشر. يؤيّد هذه الحقيقة ما قاله الجاحظ بهذا الصدد : و” دولة بني مروان (الامويين ) عربية اعرابية . ودولة بني العباس اعجمية خراسانية ” (الجاحظ ) : 776 _ 868 ميلادية ).

وبعد الاتراك السلجوقيين الذين سيطروا على ايران والعراق وسوريا والاناضول ، ظهر الاتراك العثمانيون في القرن السادس عشر، فسيطروا على الاناضول وسوريا ومصر ، وبدأ النزاع بينهم وبين الفرس الصفويين ، أسياد ايران ، على العراق ، الذي انتهى كولاية عثمانية حتى سقوط الدولة العثمانية سنة 1918.

الحرب البترولية

  • الحق العربي داخل المحافل الغربية مهضوم . اذا استعمل العرب سلاح البترول، فهل يحصلون على حقهم ؟

– في العلاقات الدولية والسياسية الخارجية كلمة ” حق ” لها غير المعنى الذي يفهمه الافراد .

“الحق” أو الحقوق في المعنى العادي ، هي مجموعة القواعد والانظمة والقوانين والشرائع التي تسوس العلاقات بين البشر.

اما في العلاقات الدولية فإن لكلمة “حق” و”حقوق” معنى آخر. قال بسمارك : “ان القوة تتفوّق على الحق”. وقال غيره: ” ان القوة توجد الواقع ، والواقع يولد الحق”. ويقول المؤرّخ اللاتيني تاسيت (55 – 120 ميلادية): ” ان السلاح يجذب كل الحقوق “. وقيل ايضاً : ” السيف اصدق انباء ، من الكتب”. لا شكّ ان الحق مقدّس . ولكنه يحتاج بين الدول الى قوى تدافع عنه.

اما القوة فهي على انواع منها القوة الفردية و منها قوة جماعة او امة دولة . وقوة الجمتعة او الامة او الدولة هي بالدرجة الاولى عسكرية او اقتصادية ، او عسكرية واقتصادية معاً .

فهل لدى الدول العربية القوة العسكرية الكافية للدفاع عن بعضهم البعض اذا استعملت سلاح البترول للحصول على حقهم و جوبهت بمقاومة عسكرية من الغير؟

لا ننسى ان حرباً بترولية في الزمن الحاضر هي ، في مثل خطورة الحرب النووية تماماً . وكما في كل حرب ، يمكن الدول ان تدخل الحرب ساعة تشاء، ولكن لا يمكنها ان تخرج منها ساعة تشاء . وفي حال كهذه : من يعرف كيف يكون موقف الدولتين العظيمتين ؟ لا شكّ ان مصالحهما الحيوية تفرض عليهما التفاهم والاتفاق…

IMG_9167