Ar     En
جريدة الرأي 25 شباط 1978

جريدة الرأي 25 شباط 1978

جواد بولس

بقلم : شبل الخوري

قد بلغ جواد بك من إشارات العمر ، اشارتين ، كانت الواحدة منها علامة النصر التي كان الرئيس تشرشل يعلن عنها باصبعيه . و هي تشبه الرقم (7) مكرر .

اي 77 سنة بالارقام الهندية او العربية .

و لكن حامل السابعة و السبعين لا يزال ينعم بصفاء الشباب ، و لم تنقص قواه الجسدية شيئاً من عهد الناس بها ، ايام كان جواد بولس نقيباً للمحامين في الشمال ، و هو من كبار المحامين في المتشرعين، كما هو ضنين بكلامه فلا يرخى كلمة واحدة على عواهنها . و يرفض عقله الكبير ان تلفظ في حضرته حديثاً جزافاً ، فتدرك ذلك من شفتيه العابستين . و من نظراته العميقة الأغوار ، او من سكوته اللاذع او من كبريائه المتواضع .

و الظاهر ان الاستاذ جواد بولس قد تخلى عن المحاماة عندما اصبح وزيراً للعدل ( منذ سنتين ) ، ثم انصرف بكليته الى التأليف وهو المؤرّخ و المرجع الارجح في جميع البلدان العربية . و له رأي العالم العلاّمة في فلسفة التاريخ ، و كذلك في تاريخ الفلسفة . و عندما يعمل الاستاذ جواد في السياسة، فانه يبني آراءه على الأسس التاريخية .وعلى طبائع الشعوب و مناخات الارض ، وطوارئ الحدتان في كل زمان ، و في كل مكان ، و يعرف كيف يستخرج العلل من مسبباتها ، بشرياً و اقتصادياً ، فإن الزمان في نظر المؤرّخ جواد بولس هو حساب جار ، بين الامس البعيد والمستقبل القريب والبعيد والابعد .

و لجواد بولس المتكا ( الحجة ) في الجبهة اللبنانية ، فهو ” التراسفورماتور ” الضابط للتيارات الكهربائية التي تتوالد في جلسات الجبهة ، و قد يجد هذا ” الترنسفورماتور ” ان بعض الآراء التي يسمعها لا تتفق في جميع المواقف مع وجهات نظره ، فيهز رأسه قليلاً ثم يسكت و قد يتكلم …

ذلك ان الاستاذ جواد واقعي اكثر من الواقع ، ثم انك لا تدري ما اذا كان علمه اكبر من عقله ام ان عقله هو الاكبر؟ و هو لا يحب الكلام المعقد ، و الكلام الخيالي المقفى ، بل هو يعتقد ان الادب الذي فاضت انهاره في متاهات العقول النباتية ، قد افسد المنطق ، و جعل من النوادي الفكرية مستنقعات يفقس و يبيض فيها هوام الخيال و ذباب المعاني و البيان .

ان الرجل واقعي فوق الواقع . لولا ذلك ، لقد بامكان الحظ ان يأتي به رئيساً للجمهورية ، و لعله في اعمق مكان من زوايا نفسه الخاصة ، يعتبر أن ثمة ” غبن ” يشعر به في وحدته كلما خلا الى افكاره. و مع ذلك يظهر للمراقب انّه لم يعد يريد شيئاً.

على أن جواد بولس بريء ، و هنا البراءة تختفي تحت علامات الكبرياء المتجهمة في اسارير وجهه، و لكنه كبرياء كثيراً ما تتغلب عليه وداعة العلماء . و هو في هذه الايام يخلو بالقراطيس كأنه قسيس يسكن في غرفة من صرح يسوع الملك القائم على هضبة تشرف على البحر .

و لا يكف جواد بولس عن الاستجمام و الاستحمام في بحور الكتب التي يقرأها و التي يؤلفها ، بلغتيه البارعتين ، الافرنسية و العربية . و هو صلب في عقائده كجميع اهل الشمال ، و لكنه لا يتغلب على طبعه الغضب ، لأنّه كان و لا يزال ، بدلاً من ان يتذمر من الظلام ، يشعل شمعة

و كأنما لسان حال جواد بولس : جودة الكلام في الاختصار و بركة العمر في حسن العمل .

 

IM_9196