Ar     En
النهار 3 تشرين الأول 1995

النهار 3 تشرين الأول 1995

جواد بولس
ذكراه الثالثة عشرة
البيئة أذن تعمل تاريخيا

قصة جواد بولس مع التاريخ قديمة، فهو من وعى الحياة وعى التاريخ من حوله . فجده لأبيه الشيخ اسعد المكاري – بولس فيما بعد كان قائدا لقوات يوسف بك كرم البطل اللبناني المعروف . لعب جده دوراً كبيراً زمن المتصرفية الا ان الدولة العثمانية ضاقت به ذرعاً بدعواته التحريرية فابعدته الى اسطمبول فترة ما لبث ان عاد بعدها الى زغرتا حيث مات ودفن . لم تكن الشخصية السياسية والعسكرية حدثاً عارضاً في حياة جده وانتهى . كان وراء تلك الشخصية فكر خلاق ترك مذكرات تاريخية قيمة باللغة العامية . هذه الرجعة الى شخصية الجد ضرورية لمعرفة التأثير الذي فعل فعله في جواد بولس الفتى . ترك الجد بصماته بوضوح على مخيلة الفتى والصبي فكان يهيئه فكريا .

كان جواد بولس يتابع دراسته الابتدائية في مدرسة عينطورة عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى فاضطرت ادارة المدرسة الى الاقفال سنة 1914 . فعهد الجد الى استاذ خاص امر تدريس حفيده وكان يجزي المعلم ليدفعه الى مزيد من الاهتمام بحفيده وكان يحمل الكتب من الاديار حتى يروى انه احضر كيسا من الكتب من كفرحورا من مكتبة العلامة الخوري ورد والح عليه ان يقرأ بوسيط الذي تبين له فيما بعد انه Bossuet .

الحرب العالمية الاولى التي انعكست جوعاً وموتاً على اللبنانيين لم تؤثر في حياة جواد بولس لأن اهله كانوا في بحبوحة . الا انها انعكست عليه جوعاً من نوع آخر الى المعرفة لا يرتوي .

وبرغم محاولات جده لتعليمه شيئاً من فروسية تلك الايام عندما اهداه فرساً اصيلة وقال له : ” يا ابني الاهدني والماروني عليه ان يكون فارساً ” الا ان الشاب كان يركب الفرس ارضاء لجده في اوقات الفراغ وعلى سبيل الهواية . كان مهيأ لدور محض فكري .

ما كادت الحرب تضع اوزارها حتى التحق الشاب جواد بولس بمعهد الحقوق الفرنسي في بيروت . ولما كانت الجامعة اشترطت على غير المنتظمين في دراستهم الثانوية بسبب الحرب ان يقدموا امتحاناً بعد سنة اعدادية حمل الشاب اللاهف الى العلم مواد السنة الاعدادية وامضى الصيف في قراءتها وقدم امتحاناً خوله دخول الجامعة سنة 1919 . وما هي الا ثلاث حتى ختم دراسته الجامعية بشهادة الحقوق .

تدرج جواد بولس في 1922 في مكتب الرئيس اميل اده الى جانب الشيخ بشارة الخوري . ومنذ ذلك الحين بدأت بينه وبين الرئيس اده علاقة صداقة واعجاب لم تبدلها الأيام ، فيوم قوطع الرئيس اده سياسياً كان جواد بولس الوحيد السائر الى بيت الرجل الذي رعاه في تدرجه . بعدها انتقل الى طرابلس ليفتح مكتباً خاصاً به و ليقيم طرابلس و اللاذقية و بيروت فلمع نجمه في عالم المحاماة . سلك في العمل مسلكية رسولية بحيث لم يكن يتلقى أجراً ممن عرف انه في حاجة الى رفع ظلم عنه. و لم يكن يتبنى دعاوى لا يراها محقة . فكان محط اعجاب زملائه الذين انتخبوه نقيباً لهم في الشمال مرتين قبل ان ينتقل الى الحكم المرة الأولى ( سنة 32 – 34 ) والثانية ( سنة 38 – 40 )، والمرة الاخيرة سنة 43 عندما اصدر المندوب العام الفوض لفرنسا قراراً قضى بتعيين مجلس رئاسي منه ومن الدكتور ايوب تابت و المير خالد شهاب خلاصة الآدميين في السياسة . و كانت مهمة هذه الحكومة اعادة الدستور و اجراء انتخابات نيابية عامة تمهيداً لمرحلة الاستقلال .

خاض جواد بولس الانتخابات النيابية في دورة 43 و معه راشد المقدم على لائحة اميل اده مقابل لائحة بشارة الخوري و على رأسها حميد فرنجية و عبد الحميد كرامي . الا انه قبيل اسبوع من الانتخابات عمد الانكليز الى تلفيق تهمة وجود حشيشة عند راشد المقدم ليفرطوا عقد اللائحة التي يرأسها جواد بولس . ولا تزال ملابسات هذه القصة في محفوظات وزارة الخارجية الفرنسية وحتى الخارجية البريطانية .

خسر جواد بولس معركة الانتخابات واشاح عن عرض للجنرال سبيرس رشحه فيه للرئاسة مقابل شروط الا انه ربح نفسه عندما ذهب الى التاريخ ليفهم السياسة . فرجل دولة لم يقرأ التاريخ كطبيب لم يذهب الى مستشفى او عيادة ولم يشهد الحالات والسوابق . ففي 1958 وقبل ايام من الانتخابات الرئاسية ابرق اليه الدكتور شارل مالك مهنئاً الا ان التهنئة لم تكتب لها النهاية السعيدة اذ حتم الانقلاب في العراق مجيء رجل غير مدني على رأس الدولة. وتوالى ترشيحه للرئاسة خاصة من قبل كمال جنبلاط وريمون اده .

حتى ان فؤاد شهاب حاول ان يستعين بخبرته السياسية وثقافته التاريخية وآدميته فعهد الى رينيه عجوري رئيس تحرير ” لوريان ” حينها الاتصال به ليقنعه بحقيبة الخارجية في عهده فلم يفلح في اقناعه لانه اشترط رسم سياستها لا الرئيس .

وعندما وقع انقلاب القوميين السوريين سنة 1961 ورشحوه للرئاسة فوجئ بهذا الترشيح بعد ان طرح عليه همسا ورفض اي مجيء الا في اطار ديمقراطي و باجماع قيادي . ويذكر سليمان العلي انه دعاه الى عشاء خاص لابلاغه سراً بأمر ترشيحه فكان الامر مفاجأة له . وعلى اي حال لا يعدو الامر ان يكون وجهاً من وجوه التقدير الذي كان يلقاه جواد بولس من كل الاحزاب والشخصيات في لبنان .

الوجه العلمي

هذا هو الوجه السياسي لجواد بولس . يبقى ان نتحدث عن الوجه الفكري والاكاديمي الذي عرف به وقدر . انتخبته الاكاديمية الفنزويلية عضواً فيها للتاريخ منذ سنة 1967 . وانتخبه زملاؤه الدكتور فؤاد البستاني والدكتور شارل مالك وعمر ابو ريشة وعبد الله العلايلي وسعيد عقل رئيساً لهم عندما انشأوا الاكاديمية اللبنانية لرعاية شؤون الفكر والفن والعلم في لبنان . ثم ضمت الاكاديمية فيما بعد جورج شحادة والدكتور عادل اسماعيل والدكتور جورج فواز والشيخ نديم الجسر . وكان مطروحاً ان ينضم اليها نزار قباني وتوفيق عواد والدكتور فؤاد صروف والدكتور قسطنطين زريق والدكتور جميل صليبا وكنت خلال كل ذلك سكرتيراً لها .

و في اوائل السبعينات طرح اسم جواد بولس في الاونيسكو مرشح رئاسة لمركز جبيل لعلوم الانسان كما عهدت اليه الاونيسكو في الاشراف على فريق من المؤرخين العالميين لكتابة تاريخ العالم العام .

وفضلاً من ذلك كان جواد بولس مرجعاً لكبار الاعلام يؤمونه مستطلعين مثل طه حسين ومحمد حسنين هيكل وزيمون آرون واندريه بارو وكميل نوفل الذي حمل اليه مرة نسخة مصورة عن حديث معه في جريدة ” لوريان لوجور ” وعممت على كل السفراء الاميركيين في العالم للاطلاع والافادة ناهيك بأن مركز ” الميمو ” لتخريج الدبلوماسيين السوفيات اقر موسوعته التاريخية ” شعوب الشرق الادنى وحضاراتها ” الخمسة الاجزاء لتدريس الدبلوماسيين السوفيات . عدا الاطروحات التي تناولتها الموسوعة في جامعة عالمية كالسوربون وغيرها . تلك الموسوعة التي قدمها المؤرخ البريطاني الاصل ارنولد توينبي واثنى عليها الجنرال ديغول في رسالة بعث بها الى المؤلف سنة 1961 .

في هذه الموسوعة يتناول جواد بولس التاريخ العام لدول الشرق الادنى ولبلدان المتوسط التي يلتصق تطورها بتطور عالم الشرق الادنى .

وفي مقدمته للجزء الاول يلاحظ ارنولد توينبي ان المؤلف، وهو واع لتسلسل تاريخ هذا الجزء من العالم، استخرج الثوابت الجغرافية والنفسية التي تؤلف العناصر الدائمة للمشهد التاريخي . ومن وحي هذه الثوابت المنتظمة في فواصلها الزمنية والتي قلبت الحياة السياسية والاجتماعية وغيرها، وكذلك الوسط الاتني واللغوي والثقافي في مجتمعات الشرق الادنى، حاول المؤلف وهو وزير سابق للشؤون الخارجية في لبنان سنة 1943 ان يعرض الاحداث المتتابعة وان يعتمد تقسيماً لمؤلفه التاريخي ناتجا من تسلسل هذا العرض الطبيعي .

مجلدات

تنقسم مجموعة جواد بولس خمسة مجلدات :
– المجلد الاول صدر في 1961 في 430 صفحة وفيه تناول المؤرخ تاريخ الشرق الادنى من الاصول حتى 1600 قبل الميلاد .
– المجلد الثاني صدر في 1962 في 430 صفحة تناول فيه انهيار امبراطورية الهكسوس حتي الفتح الروماني من 1600 حتى 64 قبل الميلاد .
– المجلد الثالث صدر في 1964 في 400 صفحة تناول فيه الفتح الروماني حتى الفتح العربي الاسلامي من 64 قبل الميلاد الى 640 بعد الميلاد .
– المجلد الرابع صدر في 1964 في 550 صفحة تناول فيه الفتح العربي الاسلامي حتى الفتح التركي العثماني من 640 الى 1517 .
– المجلد الخامس و الاخير صدر في 1967 في 300 صفحة تناول فيه الشرق الأدنى العثماني من 1517 الى 1918 و العهد ما بعد العثماني من 1918 الى 1930 .

وهكذا صدرت المجموعة تباعاً عبر هذه السنوات عن دار موتون في لاهاي و باريس و لندن قبل ان تأخذ دار عواد حق نشرها في بيروت عام 1983 و تنشرها في تجليد فاخر .

نالت هذه المجموعة اعجاباً واسعاً من الصحف الاجنبية خاصة جريدة ” الموند ” الفرنسية التي علقت على صدورها بالقول : ” انها بحث مشوّق للتيارات الكبرى التي عبرت الشرق الادنى منذ الاصول حتى ايامنا . و موضوع المؤرّخ ، و هذا ما يبرزه منذ صفحاته الاولى ، ان تاريخ الشرق الادنى يقدم استمراراً في الزمن و تماسكاً في المدى و المسافة . وبفضل سعة علمه و تطلعاته الجريئة ، استطاع المؤرّخ ان يسد النقص الظاهر حتى اليوم و هو ما عجز عن سده كبار مؤرخي الشرق الادنى في دراسة تاريخهم الخاص .

ومن مبدأ الارض تطبع الكائن في موسوعته الاولى طور المؤرّخ نظرته التاريخية بحيث ترك مجالاً لتدخل الكائن تحديداً او تطويعاً للاحداث فكان ان اطلق للمرة الاولى نظرية جديدة في التاريخ تعتمد مبدأ النسبية عند اينشتاين من خلال كتابه الاخير ” التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام ” ، اذ وجد من جولاته الطويلة في الكتب و الابحاث ان التاريخ يتقطع بفواصل هي في الواقع محاور تحويل في اتجاهاته او بمعنى آخر ما اصطلح هو تسميته بالتحولات المختلفة بعضها عن بعض فكان ان رصد اثني عشر تحولاً في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام يختلف كل تحول منها عن الآخر بفعل تدخل حدث او شخصية غيرت وجهة سير التاريخ .

لحظ المؤرخ بنظره الثاقب ان الامجاد التي يتغنى بها العرب هي امجاد ليست لهم مستثنياً الجزيرة العربية ، الحجاز و نجد و اليمن التي اعطت القرآن و مؤسسة الخلافة و اعطت اللغة العربية فضلاً عن الفتوحات التي وصلت الى الهند و الاندلس و فتحت امام الغرب فرصة الاحتكاك بالثقافات الجديدة و ما نشأ عنها من نهضة فكرية لم يعرف العرب مثيلاً لها في تاريخهم و دامت هذه الأمجاد حتى انتهاء الدولة الاموية . اما العرب الذين اعتنقوا الاسلام اثر الفتوحات فصنفهم متعرّبين . و كل الامجاد على ايدي هؤلاء ليست من صنع عربي .

و اذكر ان جواد بولس بسط هذه الحقائق قبل ان يضعها في كتابه امام محمد حسنين هيكل الذي زاره قبيل احداث لبنان و قرأنا صداها فيما بعد في تصريح ادلى به هيكل في ندوة الجامعة العربية في تونس في الرابع من ايار 1982 .

اهم ملاحظة قالها جواد بولس في ما يعني لبنان في هذا الكتاب اننا نجد الشخصية السورية هي الاقرب الى الشخصية اللبنانية . غير ان اختلاف البيئة الجغرافية في البلدين ( الجبل و البحر في لبنان و الواحات و الصحراء في سوريا ) برغم التصاقهما جغرافياً ، يجعل منهما اقليمين مختلفين جغرافياً وسياسياً مكملين بعضهما لبعض اقتصادياً.

ترك المؤرخ كتاباً بالفرنسية وضعه في شكل مسودة قبل وفاته عن حركة العروبة والقومية العربية فهو يعتبر انها ” ليست حركة تواصل او تتابع للسياسة التوسعية التي قام بها، في اوائل القرن التاسع عشر، محمد علي باشا، سيد مصر المستقل، حين توصل الى تحرير بلدان عربية كفلسطين ولبنان وسوريا من النير التركي العثماني، وتوحيد هذه البلدان مع مصر في دولة عربية واحدة تحت سلطته لمدة قصيرة نسبيا” من 1831 الى 1840 .

لم يلق سيد مصر وفاتح المشرق العربي في البلدان العربية التي حررها من الاتراك دعامات شعبية لسياسته العربية التوسعية . وفضلاً عن ذلك لم تولد حركته السياسية شعوراً قومياً اساسه العروبة او القومية العربية . ذلك ان اجيالاًعدة من حياة الخضوع والاستعباد، ومن الانحطاط والجهل والبؤس والفوضى في شعوب الشرق الادنى المستعبدة منذ قرون عبر الطفاة الآسيويين الاتراك، قضت على ما كان في هذه الشعوب من شعور بالتضامن مع العرب الآخرين على اساس الرابطة الاتنية او اللغوية او الثقافية او الجغرافية، كل ما بقي في نفوس هؤلاء كعامل اتحاد او قرابة او وحدة سياسية واجتماعية هو الرابطة الدينية .

مقولة جواد بولس التاريخية ان ” المناخ والارض والتربية والاغذية تعمل كلها معا لتمارس تأثيراً فيزيائياً – نفسياً مباشراً . حتى منظر البيئة الطبيعي ينعكس بطريقة لاشعورية على طبيعة الانسان . فطريقة الحياة التي تفرضها البيئة تؤثر في تكوين الطبائع فالبيئة اذن تعمل تاريخياً.

ثم ان الموقع الجغرافي يدعو الجماعات الى التحرك او على العكس يحد من تحركها . فالبيئة اذن محرك تاريخي. ثم ان الارض تؤثر على انتاج الثروات وتوزيعها ومن ثم على تكوين طبقات المجتمع وعلى المؤسسات السياسية.

سيمون عواد


المؤسسة و الجوائز
الشيخ روبير بولس الذي انشأ " مؤسسة جواد بولس " و ضمت الدكتور فؤاد أ. البستاني رئيساً و الدكتور شارل مالك و ادوار حنين و جورج سكاف و فاضل سعيد عقل و سيمون عواد أميناً عاماً فتح امام الجمهور المثقف في الذكرى 13 لغياب الراحل جواد بولس ابواب المتحف الشخصي الذي فيه مؤلفات الراحل المنشورة و غير المنشورة فضلاً عن اشيائه الحميمة و خاصة التي كان يستعملها في الكتابة .
و المعروف ان مؤسسة جواد بولس " اطلقت " جائزة جواد بولس " اثر وفاته و منحتها لجوزيف اليان على كتابه " الاعشاب اللبنانية " و لميخائيل نعيمة نتاجه الادبي و للدكتور حارث البستاني على كتابه قرطاج . كما منحت معدّي اطروحات تاريخية جوائز دعم.

IMG_9200
IMG_9201