Ar     En
المؤتمر الثالث لعلم السياسة 30-31 أيار 1963

المؤتمر الثالث لعلم السياسة 30-31 أيار 1963

الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية
المؤتمر الثالث لعلم السياسة
30 و 31 ايار سنة 1963
لجنة المواضيع السياسية
رقم 2

—-

الكيان اللبناني والوحدة اللبنانية
للاستاذ جواد بولس

ان موضوع الكيان اللبناني والوحدة اللبنانية هو موضوع دقيق وعلمي بحت . لذلك لن اتغنى في هذا الدرس بلبنان وجباله الشامخة وارزه الخالدة وقد حبته الطبيعة بسحر من الجمال . لا نكير ان لهذا التغني قسطا وافرا من الاهمية والفعالية، في سبيل انماء حب الوطن في القلوب . ولكني اترك هذا الاسلوب لغيري ، ممن يجيدون التعبير عن المواقف النبيلة التي تخالج نفوس اللبنانيين الاقحاح. ولن استشهد بالعهود الماضية التي عاشها لبنان مستقلا لانها نتيجة لشخصيته الخاصة لا سببا لها . فاحصر بحثي في المبادىء العلمية التي هي اساس علم الاجتماع ، والمستخلصة من علوم التاريخ والجغرافية البشرية .
يجتمع البعض على ان التاريخ تصنعه ارادة البشر وان هذه الارادة تتغير بتغيير الزمان والاحداث والظروف الطارئة وان الاكتشافات والاختراعات العلمية والتقنية في عصرنا الحاضر قد حدث من تأثير العوامل الجغرافية والتاريخية على تطورات المجتمعات البشرية .
ان هذه الاعتراضات وهمية بالاساس. لا شك ان الاكتشافات والاختراعات العلمية قد وسعت معارف الانسان ومكنته من تغيير اشياء كثيرة في هذا العالم . الا انها لم تغير شيئا يذكر من اطباع البشر الغريزية. فمن هذه الجهة ان الانسان الحاضر، الذي توصل الى ما نعرفه من تقدم على سطح الارض وفي الفضاء، لا يزال كما في السابق يتحرك ويتصرف بتأثير امياله وعواطفه الغريزية ، كالحب والكره والحسد والميل الى السيطرة والكسب، فيستخدم الاختراعات والاكتشافات في سبيل ارضاء هذه الاهواء والشهوات .
ومن ثم ان الارادة البشرية فردية كانت او جماعية، لها بلا شك قوتها وفعاليتها في خلق الاحداث وتطويرها الا انها، بالوقت نفسه ، هي مقيدة ومسيرة بعوامل عامة توجهها يمينا او شمالا . وهذه العوامل ناتجة عن القوى الطبيعية ، الجغرافية والاقتصادية التي لها الكلمة الفصل في اخر الامر. يمكن للانسان، بحكم الحرية المعطاة له، ان يخالف قوى الطبيعة، ولكن الاعمال التي يقوم بها في هذه الحالة معرضة للفشل او الزوال، لان العوامل الطبيعية هي اشد قوة واكثر ثباتاً واستمراراً من قوى الانسان. ذلك ان الارادة البشرية المعرضة للابتذال والاستنفاد ولشريعة الجهد الادنى، لا تلبث ان يعتريها الاعياء والملل، بخلاف القوى الطبيعية التي لا تصدأ ولا تتعب، فتهدم آجلا او عاجلا ما بناه الانسان .
ان اعمال البشر، وخصوصا الجماهير ، تتأثر دوما بتيارات نفسية وانفعالات عاطفية، لا يقرها غالبا العقل السليم، فتخرج الجماعات من مخططتها التاريخي كما تخرج الانهر الطافحة عن مجاريها الطبيعية. ولكن هذه الفورات الطارئة، ككل شيء شاذ، لا تلبث ان تبدأ  لتعود الاقوام الى حياتها العادية كما ترجع الأنهر الى مجاريها الاصلية. الا ان الخراب والدمار التي تحدثها هذه الاعاصير في برهة وجيزة تستلزم ازالتها لسنين طوال من الكد والالم.
لذلك يتوجب على الشعوب الحرة، وقد اصبحت سيدة امرها في عصرنا الحاضر، وخصوصا على زعمائها ومفكريها ان يتفهموا تأثير العوامل الطبيعية التي تكيف اطباع الجماعات البشرية وتساعد او تقاوم الاعمال التي يرغبون القيام بها. وهذه العوامل وتأثيراتها على المجتمعات يمكننا استنتاجها من سنن التاريخ . فالتاريخ وحده يرشدنا الى الاعمال الممكن اجراؤها بنجاح والى الطريق السوي الذي يجب ان نسير فيه واخيرا الى الحدود التي لا يمكن ان تتجاوزها الاقوام دون ان تصاب بنكسة او بلية. لقد قيل بحق ان التاريخ هو سياسة الماضي، والحاضر تاريخ المستقبل .
ولكن التاريخ لا يكون مرشدا بصير اذا كان مقتصرا على سرد وقائع الماضي لا غير. ان التاريخ اصبح اليوم علما بذاته، كعلوم الطب والطبيعيات والمجتمع له قواعده وشرائحه الثابتة. فكما ان علم الطب موضوعه تطورات وامراض جسم الفرد البشري ، كذلك علم التاريخ موضوعه تطورات جسم المجتمع وشخصيته الجماعية وخصائصه الغريزية وما به من قوة او ضعف .
ان ما نسميه بسنن التاريخ ليس هو في الواقع الا سنن اجتماعية طبيعية اثبتتها تطورات المجتمعات البشرية على ممر الاجيال واوضحها التاريخ . فالتاريخ كالطب هو علم اختباري اي انه مستنتج من تطورات الحياة الجماعي. فهو شاهد يدل على سنن الطبيعة ولا يفرضها بقوة ذاته . اما سنن الطبيعة فهي قوى قاهرة تسود جميع الكائنات فتسير حركاتها وتوجه نشاطاتها او تماسكها .
لقد حدد التاريخ بأنه ” استمرار في الزمان وتعايش في المكان ” . ومعنى ذلك ان تاريخ كل بلد لا يمكن ان يفيد اذا لم يبدأ بدرس احداثه بصورة متواصلة ، منذ العهود الاولى حتى الايام الحاضرة لاجل العثور على ما يسمى ” بالسنن التاريخية الثابتة ” مع علاقات هذا البلد بباقي البلدان المتصلة به بحكم المكان. يزاد على ذلك ان ما يجب درسه هو حياة وتطورات الشعوب وحضاراتها وليس فقط حياة واعمال الرجال العظام الذين لعبوا دورا هاما في حياة تلك الشعوب . ان دور هؤلاء الافراد مهما كان عظيما فهو محدود نسبيا بالقياس الى دور الشعوب او الجماهير التي يتزعمونها .
وفي حقل الزمن ، ان حياة الشعوب كحياة الافراد ، فحياة الفرد لا يمكن تفهمها فهما صحيحا اذا لم تتبع منذ الولادة ، مع جميع ما حصل لهذا الفرد من امور هامة ، وحتى من امراض واعراض ، ومن علاقات مع من جاوره من ابناء جنسه. وكما ان لجسم الفرد التأثير الاول على شخصيته واطباعه وتصرفاته ، فكذلك ان التأثير الاول على الجماعات البشرية او الشعوب يعود الى الوسط الجغرافي الذي يعيش فيه كل شعب .
ان التاريخ يثبت ان اختلاف الشعوب بالاطباع والغرائز سببه الاول تنوع الاوساط الجغرافية بصرف النظر عن مسائل الجنس واللغة والدين، التي هي عوامل ثانوية وقابلة للتغيير. فالعوامل الجغرافية هي التي تهيأ للبشر الحالات الاجتماعية والاقتصادية والمصالح المشتركة التي تولد بدورها عند الأفراد الرغبة بالتعاون والتعايش للكفاح في سبيل الحياة والتقدم. ويثبت التاريخ أن عوامل العرق واللغة والدين وأن تكون جوهرية في تثبيت المجتمعات البشرية، إلا أنها لا تكفي وحدها لاعطاء هذه المجتمعات شخصية مستقلة جامعة تجعل من كل منها أمة ذات كيان خاص.
ويثبت التاريخ أن المجتمعات البشرية، كالأفراد تتميز عن بعضها البعض بطبائع خاصة. وهذه الطبائع، كما ذكرنا، تتكيف بالدرجة الأولى بتأثير العوامل الطبيعية العائدة إلى الوسط الجغرافي، كالمناخ ونوع الأرض وموقع البلد. فمن الثابت علماً أن تكوين كل شيءأكان نباتياً أو حيوانياً أو إنساناً، انما يتكيف ويتنوع بإختلاف البيئة وموقع الأقاليم. فالأبيض والأسود والأصفر والأحمر من الأجناس البشرية إنما هم كذلك نتيجة العوامل الجغرافية التي لونتهم بهذه الألوان، خلال عشرات الألوف من السنين. فسكان الجبال والجزر والسهول والغابات والواحات والسفاري، وشعوب البلدان الحارة أو الباردة، يتميزون عن بعضهم البعض بمزايا مختلفة تتباين بتباين كل من هذه الأوساط.

ومن الوجهة الإجتماعية يقسم العلماء البلدان المسكونة إلى قسمين كبيرين من الأقاليم، يكون كل منهما نوعاً خاصاً من المجتمعات والحضارات البشرية، القسم البحري، ويحتوي على الأقاليم المجاورة للبحار، والقسم البري، ويشمل البلدان البرية أو البعيدة عن البحار.
فالأقاليم البحرية تساعد على إنماء مجتمعات بشرية ذات إقتصاد وحضارة تجارية هدفها المقايضة الإقتصادية وتبادل البضائع والأفكار والإتصال مع الخارج. فهذا النوع من المجتمعات يتميز بروح سمحة متساهلة متحررة، تجنح دائماً نحو التقدم والرقي والحياة الفكرية والفنية.
وفي الأقاليم البرية، إن المجتمع ذو إقتصاد وحضارة خاصة تتميز بالانكماش والتضامن القبلي أو القومي والإعتماد على السلطان أو السلطات الحاكمة وحب السيطرة و الفتوحات العسكرية والإستيلاء على بلدان الغير.
إن الأقوام البشرية، كباقي الأشياء الحية، إذا انتقلت من إقليم إلى أخر يختلف عنه، تتبلور مع الزمن فتصبح متشابهة، جسمياً وبالأخص نفسياً، مع الأقوام التي حلت بينها أو في محلها. وقد حداد العلم أن المدة المتوسطة اللازمة لهذا التطور هي ثلاث سلالات متعاقبة، أي حوالي المئة سنة تقريباً. ثم إن الأطباع التي توجهها العوامل الجغرافية فأنها تنتقل بالإرث من السلف إلى الخلف، في الوسط الجغرافي نفسه.
يستخلص مما تقدم أن شخصيات وأطباع البشر، أفراداً أو جماعات، إنما هي بالدرجة الأولى والدة العوامل الطبيعية، وأن الأطباع العرقية تتغير إذا تغير المكان بصورة دائمة. أما اللغة والدين والعادات فهي عناصر خارجية وثانوية لا تأثير لها على الجوهر. فهي تتغير في أي وقت أو ظرف دون انتقال إلى إقليم آخر ودون أن يؤثر هذا التغيير على الأطباع الموروثة. ثم أن اللغة والدين والعادات تزول مع زوال الأفراد فيحتاج الخلف إلى تعلمها منذ الصغر كما لو كانت غريبة عن ذويه.
إن الحقائق التي ذكرناها تمكننا من التأكيد بأن لبنان كبلد وشعب أو أمة، وليد الجغرافية والتاريخ. فهو حقيقة راهنة وواقع ثابت، قد برز على مسرح الشرق الأدنى بشخصيته وأطباع ساكنيه منذ فجر التاريخ. وإن اللبنانيين على إختلاف طوائفهم ونزعاتهم وطبقاتهم يتميزون، منذ أقدم العصور حتى اليوم بطبائع خاصة، رسمتها العوامل الجغرافية اللبنانية، فميزتهم عن غيرهم من الشعوب ودفعتهم كما في الماضي، الى التعايش والتضامن مع بعضهم البعض في سبيل الحياة والبقاء، فلبنان كما حدده احد كبار المفكرين هو ” جبل مفتوح على البحر ” .
وقال المؤرخ العلامة الدكتور فيليب حتي في كتابه ” لبنان في التاريخ ” ان لهذه المنطقة ، الى حد بعيد ، شخصية خاصة بها فرضتها طبيعتها الجبلية وقربها من البحر واتجاهها نحو الغرب وخصائص ساكنيها … طبيعة ارضه الجبلية، وقربه من البحر، وموقعه في مركز متوسط في البلدان التي كانت مهد الحضارة، وموقعه عند مفترق الطرق العالمية وكونه جزءا من الطريق الدولية التي كانت تربط بين قارات ثلاث. هذه وغيرها كانت عوامل ذات اثر بعيد المدى في تكوين دوره التاريخي … وكما ان شبه الجزيرة العربية تتميز بصحرائها، ومصر بنيلها، وبلاد ما بين النهرين بفراتها ودجلتها، فإن لبنان يتميز بجباله، جبال لبنان ميزته الجغرافية الخاصة، وجبال لبنان عامل حيوي في حياته .
وفي المحاضرة القيمة عن لبنان، التي القيت في الندوة اللبنانية في الثامن من ايار سنة 1957 ، يقول العلامة والفيلسوف الانكليزي المشهور الاستاذ ارنولد تويني “ان الشاعر الانكليزي وليم وارد زوارك، عندما تغنى بالمقاومة الاوروبية ضد السيطرة النابوليونية، ذكران الحرية يعرب عنها بأحد صوتين : صوت الجبل (المقاومة السويسرية ) وصوت البحر (المقاومة الانكليزية) وفي لبنان ان هذه الصوتين مجتمعان . فتاريخ لبنان هو تاريخ رجال الجبال ورجال البحار بآن واحد .
ويضيف الاستاذ توينبي قائلاً ” ان لبنان بالمعنى الجغرافي هو وليد الطبيعة : بحر جبال ثلوج احراج، شواطئ. وهو ايضا بالمعنى الانساني وليد التاريخ . اذ انه تعبير عن اعمال الافراد البشرية التي سكنته على ممر الاجيال. فتاريخ لبنان يشكل وحدة اجتماعية وثقافية مذ منشأ المدنية حتى الايام الحاضرة … فالفينيقيون القدماء كانوا بحريين واللبنانيون الحاضرون هم جبليون . ومع ذلك فأن الفينيقيين واللبنانيين يتميزون بعادات وكفاءات مشتركة وهامة. فقد استفاد كل منهم من ملجأ طبيعي – الاولون من البحر والآخرون من الجبل للتخصص بالأمور التجارية وكل منهم انشاء امبراطورية اقتصادية في الغرب واسس مستعمرات تجارية في جميع انحاء العالم الغربي .
ان تاريخ لبنان، في خطوطه الكبرى، هو مرآة صادقة لحياة وتطور الجماعات البشرية التي سكنته في الماضي، ومرشد بصير في حياتها الحاضرة وسيرها نحو المستقبل .
فلبنان الحاضر كلبنان الماضي يشكل وحدة جغرافية واضحة مؤلفة من جبال شامخة، تنحدر نحو ارياف خصبة شرقاً، وشطوط بحرية عامرة غرباً، فهذه العوامل الطبيعية قد كونت وتكون دوماً، في هذا البلد، وحدة اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية وتاريخية، لها شخصيتها الجماعية والقومية والسياسية الخاصة، الممثلة في الكيان الوطني اللبناني المستمر منذ اقدم العصور، بالرغم من كافة النكبات. وهذه العوامل الجغرافية قد طبعت اللبنانيين المعاصرين والاقدمين، من اي اصل او دين كانوا، بصفات وخصائل ومواهب نفسية واجتماعية خاصة، كانت ولا تزال العامل الاكبر الذي يميزهم عن غيرهم من الشعوب القريبة والبعيدة . فالبحر منذ فجر التاريخ قد مكن اللبنانيين من الاتصال بالبلدان الواقعة على شواطئه. فساعد على انماء روح التساهل والتسامح وحب التعامل مع البلدان الغربية وتبادل المنافع والافكار مع سكانه. اما الجبال الشامخة والملاجيء الطبيعية التي تحتويها فقد نشطت عند اللبنانيين، منذ اقدم العصور، غريزة الحرية الفردية وحب الاستقلال.  فسهلت انتشار العقائد الدينية والافكار السياسية المتنوعة وولدت عند افراد العقيدة الواحدة فكرة التجمع الاقليمي والتضامن الطائفي، للمحافظة على عقائدهم وافكارهم وحرياتهم واستقلالهم .
فالمظهر الحاضر للمجتمع اللبناني المؤلّف من كتل إقليمية وطوائف دينية متنوّعة لا تعود اسبابه لاختلاف الجنس. ان هذا المظهر هو نتيجة حتمية لعوامل الطبيعة، والجو الحرّ الذي تعوّده اللبنانيين منذ القدم والذي فرقهم طوائف. فالحرية لا تستمر الا في ظل توازن متبادل بين الكتل والاحزاب الداخلية. والطوائف الدينية، في الماضي كما في الحاضر، هي نوع من الجماعات القبلية، تقوم مقام الأحزاب السياسة التي لم تزل في عهد الطفولة .
فلبنان الحاضر ، يشكل بالواقع مجتمعاً مركباً او اتحاداً طائفياً، يتألف لا من اقاليم او اقطار مختلفة بل من وحدات اجتماعية او جماعات طائفية وقبلية متنوعة ومتمسكة كل منها بشخصيتها وعقيدتها وعاداتها وتقاليدها ، كما صاغتها الأحداث عبر العصور. وقد ارتضت هذه الطائف دون ضغط او اكراه ، ان تستمر في التعايش مع بعضها كما في الماضي القريب والبعيد ، فتتعاون وتتضامن وتتزاحم وتتنافس ، ضمن اطار جغرافي ومشترك ، لكي تعيش حرّة مستقلة آمنة ، في ظل دولة واحدة تمثّل جميع الطوائف اللبنانية و توزّع المنافع والأعباء على الجميع بعدل وانصاف .
يزعم البعض ان هذا المركب الطائفي هو امر غير طبيعي يقوم على اتحاد تختلف بالمذاهب الدينية هو تكوين مصطنع. فهذا القول الوهمي يتم عن جهل لسنن الطبيعة والمجتمع والتاريخ وعن روح بعيدة عن جوهر الديمقراطية الحقة التي تحترم حقوق وحرّيات الغير . ” عش و دع غيرك يعيش ” : هذا هو اساس كل اتحاد او وحدة بين البشر. يدلنا تاريخ هذا الشرق العزيز على ان دولة الخلفاء الاقدمين والسلطنة العثمانية في عيدها الاوّل، قد وصلتا الى منزلة رفيعة من المجد والعظمة و السؤودد ، زمن كانت فيه هاتان الدولتان الجبارتان مؤلفتين من اقوام مختلفة بالجنس واللغة والدين ، لكل قوم حقوقه و امتيازاته الخاصّة ، كما اقرّتها الشريعة الاسلامية السمحاء. ويبين لنا التاريخ ان بدء انحطاط هاتين الدولتين يتوافق بالزمن مع زوال حقوق وامتيازات هذه الاقوام والاقليات العرقية او الدينية .
لقد قيل ان للبنان و ضعاً خاصّاً ، فهذا القول لا يعني ان المجتمع اللبناني غريب في شكله أو فريد في نوعه في العالم الحاضر. كل يعلم ان بلداناً عديدة في انحاء العالم المتمدّن ، تضم عناصراً مختلفة او مجتمعات مركّبة ، تتعايش فيها اجناس او لغات او عناصر دينية متعددة ، وتشكل كل منها امة زاهرة ووطناً عامراً و دولة محترمة. اما النزاعات والخصومات و حتى الفتن ، التي تحصل احياناً بين الطوائف اللبنانية ، فهي نتيجة طبيعية للتزاحم والتنافس وفقاً لسنّة الحياة ، كما يحصل ذلك حتّى عند الشعوب والأمم المتجانسة ديناً وعنصراً . وهذه النزاعات في لبنان مستمدة كما ذكرت من ذهنية قبلية بحتة، لأن الدين او العقائد الدينية لم تكن يوماً سبباً مباشراً او رئيسيّاً للمنازعات الطائفية في هذا البلد .
ان الطائفية قديمة العهد في الشرق عامّة، و في لبنان خاصّة. ان تعدد الطوائف المسيحية، وخلافاتها مع بعضها ترجع الى ما قبل الاسلام. ثم ان عدد الطوائف قد ازداد على اثر ظهور الطوائف الاسلامية بعد الفتح العربي. فالطائفية واقع قديم وحاضره ولا يمكن الغاؤها بمرسوم او قانون، ولكنها ككل شيء في هذا العالم ، لها محاسن يمكننا ان ننتفع منها ، كما ان لها مساوئ يمكننا ان نتجنبها .
لا شكّ ان الطائفية، والاقطاعية ايضاً، ليستا ابديتين سرمديتين في لبنان .
فهما مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي الذي لم يزل، من هذه الجهة في عهد القبلي، فستزولان تدريجياً مع الزمن و تحل محلّهما فكرة الأمة الجغرافية ووحدة الأهداف والمصالح في حدود الوطن الواحد. و يمكننا استعجال هذا التطور اذا قام كل منا بما عليه من موجبات .
فمتى وثق اللبناني، وهو تواق الى الحرية، بأن المجتمع قد انتظم تماماً وبأن الدولة تهتم بشؤونه كما يجب، فتحافظ على حياته وسلامته وكرامته وحقوقه وتدفع عنه شرور الظلم و العوز دون حاجة الى وسيط، عندئذ يتحرّر من الالتجاء والانتماء للخير. وتتصف بالتالي كل سيطرة غير رسمية تشاطر الدولة سلطاتها الشرعية .
يعتقد البعض عن جهل او تجاهل ان الدولة اللبنانية المرتكزة على مجتمع بشري غير متجانس قد انشأتها و فرضت وجودها إرادات ومصالح اجنبية، وان الكيان اللبناني واستقلاله اشياء عابرة و صائرة يوماً الى الزوال.
ان هذه المزاعم الباطلة تكذّبها الحقائق الراهنة ماضياً وحاضراً . فالتاريخ يثبت ان لبنان من صنع ابنائه. فمنذ اقدم العصور، اي منذ خمسة آلاف سنة قد ظهر هذا الوطن، بشخصيته ونشاطه الخاصّ، على مسرح المدنية والتاريخ و استمر منذ ذلك الحين، بقوّته الخاصّة وبكيانه ودوره المعروف. اما السيطرة الأجنبية فقد عرفها هذا البلد و باقي بلدان هذا الشرق مراراً وتكراراً، خلال العصور الماضية، عقباً للفتوحات الخارجية. فهذه النكبات المتكررة التي عرفتها ايضاً جميع البلدان الواقعة على عمر عالمي كانت تحد من حرّيات البلد اللبناني ولكنها، بالوقت نفسه، كانت تقضي على استقلال كافّة البلدان المجاورة .
هذا من جهة الكيان والاستقلال. اما من جهة التجانس البشري فإننا نكرّر ان القاعدة الأساسية التي تبنى عليها الأمم والأوطان في البلدان المتمدّنة انما هي الرضى بالتعايش والتعاون والتضامن، في إطار جغرافي معيّن، بين اقوام وجماعات قد تختلف بالجنس والدين واللغة.  ان الأمّة و الوطن بعكس الجماعات القبلية، هي مجتمع بشري اقليمي، مؤلّف من اقوام و عناصر متنوعة، تجمع بينها عوامل جغرافيّة واقتصاديّة وتاريخيّة مشتركة. لا شكّ ان عوامل الدين واللغة اذا وجدت فإنّها تزيد هذا التكوين تجانساً. الا انها ليست اساسية. ان الأمة و الوطن والدولة هي صنيعة التاريخ اي انها نتيجة مشتركة لتفاعل الجماعات البشرية مع العناصر الجغرافية و عامل الزمن .
لقد قيل ان لبنان لبنانان او اكثر ، فهذا القول ينطبق على جميع البلدان المؤلّفة من اقوام او عناصر بشرية متنوعة اذا نظرنا لكل من هذه العناصر على حدة. و لكن لبنان، كبلد ووطن و دولة، هو واحد لا اكثر، كما هو الحال في البلدان المتشابهة و الأقاليم المختلفة . فالإخلاص للوطن ، عند الشعوب المتحضرة ، قد تحل محل الولاء للملوك و السلاطين و الأمراء و الزعماء الزمنيين و الروحيين .
ان أرض الوطن هي اعز شيء لدى الانسان . فهي مسقط رأس الأحياء و مرقد الأموات من آباء و جدود .
ان هذه الحقائق الراهنة و الوقائع المستمرة منذ أقدم العصور ، تثبت بأجلى بيان ان فكرة الوطن اللبناني ليست مستوحاة من نظريات خيالية او من رغبات عاطفية و همية، و ليست وليدة سياسات ومصالح أجنبية. فعلى ذوي الإرادات الطيّبة في هذا البلد من كافة الطوائف و المناطق ان يتّخذوا من هذه الحقائق و الوقائع ، كما هو الحال في البلدان الراقية ، فكرة عامة و عقيدة سامية، تعلو على الفكرة القبلية او الطائفية فتكون ميثاقاً ثابتاً و دستوراً جامعاً لوحدة وطنية متينة ، و لوطن مشترك بين جميع ابنائه. فهذه الحقائق قد اوجدت في نفوس اكثر اللبنانيين ايماناً راسخاً بأن الوطن اللبناني هو تكوين عضوي متين . اني على يقين بأن ما من عنصر من العناصر المختلفة التي تؤلّف هذا الوطن يرغب صادقاً ، ان يكون غير لبناني . وما بعض التصرفات او التصريحات التي تعاكس هذه الحقائق الا نزعات عاطفية ناتجة عن استياء مؤقّت ، او عن منافسات و انفعالات عابرة ، لا خطر منها على الجوهر. ومن جهة الخارج لا اعتقد ان بلداً من البلدان يريد القضاء على كيان لبنان و سيادته لأن هكذا امر ليس من مصلحة احد في هذا الشرق .
يكفي لبنان فخراً ان ينعم ابناؤه بكافة الحرّيات البشرية ، ضمن حدود القوانين والانظمة المرعية. ان جميع الأديان السماوية ولدت في هذا الشرق. و جميع هذه الأديان تعلم ان الإنسان اخ الإنسان، و ان الناس قد ولدوا أحراراً . فالتزاحم و التنافس هي أمور طبيعية و مشروعة في جميع المجتمعات المتمدّنة ، بشرط ان لا تتخذ شكل الصراع العنيف لتسود البلد شريعة الغاب وتزداد الاحقاد والضغائن بين عناصر الوطن الواحد ، دون ان ينتفع احد من هذه الحالات كما اثبتت ذلك الأحداث الأخيرة المؤلمة .
ان العوامل الجغرافية الدائمة ، التي اسهمت في ايجاد الكيان اللبناني و استمراره عبر العصور توجّه ايضاً سياسته و مصالحه الخارجية . فلبنان جزء طبيعي من الشرق العربي ، فهو لا ينكر هذا الواقع و لا يمكن لأحد ان ينكره عليه.
ولبنان هو احد افراد الاسرة العربية الكبرى وهو عضو في جامعة الدول العربية ، ثم ان التاريخ و الثقافة و العادات والاجتماعية و الأخطار الخارجية المشتركة ، لا سيما الخطر الاسرائيلي ، تربط لبنان بالبلدان العربية ارتباطاً وثيقاً.
و في حقل الاقتصاد ان الشرق العربي يؤلّف منذ القدم وحدة اقتصادية راهنة ، نظراً لوقوعه على طريق عالمي يمتد من الخليج الفارسي و المحيط الهندي حتى البحر المتوسط و البحر الأحمر. ان هذه العوامل الجوهرية تحتّم على اللبنانيين ان يكونوا على احسن حال من مودّة وآخاء مع جميع اخوانهم في كافة البلدان العربية، بصرف النظر عن الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعتنقها تلك البلدان .
وفي الحقل الدولي ان لبنان هو عضو في منظمة الأمم المتّحدة. و هو ايضاً مرتبط جغرافيّاً واقتصاديّاً بالبحر الأبيض المتوسّط وما ورائه من البلدان . فجبال لبنان المتّصلة بالبرّ وشطوطه المفتوحة على البحر و مركزه الجغرافي في هذا الشرق ، تجعل من البلد اللبناني ، منذ فجر التاريخ ، ممرّاً عالميّاً ، ومن سكانه ، وسطاء خير وسلم و مدنية . فمع محافظته على صلات المودّة والآخاء و على روح التضامن مع البلدان العربية . ان لبنان المستقل هو بلد علم و تجارة و صناعة و زراعة و سياحة ، بلد امن و امان ، سلم و سلام ، و هو ككل بلد حرّ ، مفتوح لكافّة انواع النشاط المشروع ، و في حقول الاقتصاد و الثقافة .
منذ اقدم العهود كان البحر المتوسّط و لا يزال مدى حيويّاً لهذا البلد الصغير ، فالمراكب اللبنانية ، في العهود القديمة كانت أوّل من فتح هذا البحر للملاحة التجارية فنقلت البضائع والمدنية من الشرق الى الغرب. و في عصرنا الحاضر ان البحر المتوسّط لا يزال طريقاً عامراً يوصل اللبنانيين بكافّة بلدان العالم ، التي تضم ابناء و اخواناً لنا ، يعدون بمئات الألوف و منتشرون في كافّة اقطار المحور .
منذ أقدم العصور كان لبنان دوماً ، كما هو الآن محافظاً على كيانه و شخصيّته ، قائماً بدور الوسيط بين الشرق و الغرب والشمال و الجنوب ينقل منها و اليها البضائع و الأفكار. وفي اعنف العهود الماضية ، ظلّ لبنان محافظاً على شخصيّته ودوره الخاصّ ، و ناعماً بنوع من الإستقلال الذاتي. و في الحقل الفكري والثقافي كان لبنان ، في العهود الماضية كما هو اليوم، أرض التلاقي و التفاعل بين مختلف الحضارات والثقافات والتيارات الفكرية ، الشرقية و الغربية ، مازجاً بينهما و طابعاً مزيجها بطابعه الخاصّ .
فكما أنّ مصر و العراق تفتخران بحق بأنّهما منذ فجر التاريخ قد ابتكرا فنّ الكتابة الهيروغليفيّة والمسماريّة ، التي مكّنت الإنسانيّة القديمة ان تنتقل من كهوف الجهل الى سماء المعرفة والمدنيّة ، كذلك ان لبنان قد ابتكر ، منذ الجيل الثامن عشر قبل الميلاد ، الأحرف الأبجديّة ، التي انتشرت في الشرق و الغرب و التي لا تزال مستعملة ، منذ أربعة آلاف سنة تقريباً ، في عالم قد غيّر كل شيء ، دون ان يغيّر شيئاً جوهريّاً فيه . و يعتزّ لبنان بأن أوّل من قال بالنظريّة الذّرية هو فيلسوف كنعاني اي فينيقيّ من بلدة صيدون أي صيدا .
يفتخر لبنان ، البلد الوحيد في الشرق العربي الذي احتفظ بقسط وافر من الاستقلال الذاتي في عهد السلطنة العثمانية، بأنه احتفظ باللغة العربية لغة قومية ورسمية. بينما أقصيت هذه اللغة من جميع الدوائر الحكومية في باقي البلدان العربية، و حلّت محلّها اللغة التركية .
هذا هو لبنان، بلد عريق و متين و شعب فتي ناهض ، له شخصيته الخاصّة كما فرضتها طبيعة أرضه و موقعه الجغرافي وتاريخه الطويل وخصائص ساكنيه. هو نتيجة حلف طبيعي بين الجبل و البحر ، كما هو أيضاً نتيجة اتّحاد و تضامن بين كافّة طوائفه و اقاليمه .
في منتصف الجيل الماضي عرف لبنان نكبات وفتناً دامية، حرّكها الأجنبي فهزّت هذا البلد هزّاً عنيفاً و أرجعته الى الوراء ، اجتماعياً و اقتصادياً و سياسياً ، و لكنّها لم تؤثّر على حيوية و نشاط ابنائه. يشهد بذلك ما تنبّأ به ، في ذاك الوقت المظلم ، احد الساسة البريطانيين ، الكولونيل تشرشل ، مثل بلاده في الشرق العربي ، اذ كتب سنة 1853 ، و كأنّه يكتب اليوم فقال :
عندما ينفصل لبنان من السلطنة التركية يجب ان يصبح ولاية انكليزية أو دولة جديدة مستقلّة . و بالرغم من أنّه بلد لا مطمع له في التوسّع الجغرافي، و بالرغم من أنّه لا يملك قوّة عسكرية يخشى جانبها ، فأنه يستطيع كدولة مستقلّة ان يحافظ على كرامته و هيبته .
وسيكون لبنان حريصاً بصورة خاصّة على رسالته التي من أجلها وجد، و التي بفضل موقعه الجغرافي يستطيع اداءها على أتمّ وجه، نعني ان يكون مركزاً تجارياً ممتازاً يجذب اليه مختلف الأجناس البشرية المتباينة المتباعدة فيوحّد بينها برباط من الإنسانية و الأخوّة و السخاء.
من جميع ما تقدّم يتبيّن جلياً ان وطناً كلبنان، ولد مع التاريخ و المدنية، منذ خمسة آلاف سنة، وواكبها و أسهم في انمائها، وتطويرها على ممر العصور، محافظاً على شخصيّته و خصائصه، هو تكوين طبيعي متين بحق لابنائه المعاصرين أن يثقوا به و بقدرته على البقاء.
كم من البلدان المتمسّكة بكيانها و شخصيّتها والفخورة بتاريخها القديم و دورها الحاضر، و التي ليس لها من العمر ومن الأعمال الا القليل بالنسبة الى الاجيال العديدة التي عاشها البلد اللبناني وأسهم من خلالها في جميع النشاطات.
فلبنان باق وسيبقى محافظاً على استقلاله واميناً على رسالته ، بفضل تضامن جميع أبنائه ، على اختلاف طوائفهم و نزعاتهم ، لمصلحتهم جميعاً ومصلحة بلدان الشرق العربي .

جواد بولس

IM_9325
IM_9326
IM_9327
IM_9328
IMG_9330
IMG_9331
IMG_9332
IMG_9333