Ar     En

small banner

مقابلة على اذاعة لبنان مع جواد بولس – بصوته

 

 


عزيزي القارىء،

هذا الموقع مخصّص لإحياء ذكرى رجل دولة لبناني أفضل ما يمكن أن يقال له هو أنه المنظّر للأمة اللبنانية. ولد جواد بولس في مطلع القرن العشرين، أي في السنوات الأخيرة للإمبراطورية العثمانية. شهد هذا العصر على بداية التعبير عن التطلّعات القومية في الشرق العربي من خلال كتابات وتصاريح نخبة مثقفة كانت في معظمها تستلهم من الغرب، لكنها كانت ترغب بإرساء المبادىء النبيلة للحقوق “البديهية” للانسان ومسعى التقرير الذاتي للمصير في مرسى التجربة التاريخية للشرق العربي.

كان جواد بولس يعتقد، كما أورده في كتاباته لاحقاً، أن لبنان أظهر على مرّ التاريخ ملامح وحدة جغرافية وإجتماعية وإقتصادية تحيطها حدود طبيعية على عكس حدود البلدان الأخرى لدول ما بات يُعرف بمنطقة الشرق الأوسط.  وقال بأن حقيقة وجود الأمة اللبنانية تتخّطى كل من دقّة التحليل العقلاني واختبار التجربة التاريخية على حدّ سواء. فلبنان، على حدّ قوله، كان في الواقع من أقدم الدول في العالم. أما حقيقة أن قوى الاستعمار في ذلك الوقت هي التي وضعت حدود البلد اللبناني النهائية  فلم تتعارض مع رأيه هذا. فرنسا نفسها، بحسب ما أشار إليه على سبيل المثال، شهدت على تبدّل في حدودها على مرّ التاريخ وحدودها الحالية ليست تاريخية بالكامل بالمعني الأساسي للكلمة.  كما انه لم يأبه لمن يشيرون الى الخارطة للبرهان ان لبنان انتزع من سوريا وان الجغرافيا تفرض الوحدة السياسية بين البلدين. وجوابه على ذلك ان لبنان ليس حالة استثنائية. فهل من أحد يعتقد ان البرتغال جزءاً من اسبانيا او أن التشيلي جزءاً من الارجنتين؟

أوضح الرجل السياسي الذي تحوّل مؤرّخاً الأطر الأساسية لفكره حول جزور القومية اللبنانية في بحثه “الأسس الحقيقية للبنان المعاصر” الذي يُعد على الأرجح نتاجه الأوضح والأكثرتحدّياً. أورد فيه طرحه المحوري  وهو أن الأمة اللبنانية لم تجد جذورها في روابط اللغة أوالإتنية أو الدين، بل أنها نتاج جغرافية لبنان التي طبعته بطابع متميز عن مناطق القارة الداخلية، بحيث كانت تجعله مواجهاً للبحر وآفاقه الواسعة  والرحبة بدل مواجهة الصحاري العقيمة والقاسية للمناطق القارية الداخلية. اعتبر بأن جغرافية لبنان حتّمت عليه أن يكون ملاذاً للجماعات البشرية المهدّدة التي كانت ترغب بالمحافظة على حرياتها الدينية والثقافية. وقد ارتبطت تلك الجماعات المتنوعة ببعضها البعض بشكل وثيق حول المبدأ الأساسي “للعيش معاً”، هذا العقد الطوعي الاجتماعي والسياسي الذي اتّفق عليه الشعب اللبناني للعيش المشترك والدفاع جماعياً عن حريته وهو العقد الذي أسّس لواقع الأمّة ولا يزال.

انها فكرة “العيش معاً” نفسها التي تعترضها بقوة اليوم ظاهرة صعود التنظيمات العابرة للحدود والقائمة على ايديولوجيات متطرفة وشديدة التصلب التي تعتمد مبادئ الشمولية الدينية والتمييز بين الناس. ولعل ظهور هذه المنظمات دفع بالمراقبين للتساؤل حول إذا كانت واقعة محو الحدود ستقضي على مبادئ العيش المشترك وإذا كان تفكيك الاثنين معاً بالتزامن مع استهداف الاقليات الدينية سيؤشر إلى سقوط “فكرة” لبنان نفسها.

وكأن بجواد بولس يطمئن لكونه رأى أن خصائص شخصية الانسان اللبناني المستمدة من طبيعة البلد ومناخه لا تسعه سوى الترويج لنظام حكم تشاركي تحديدا لأن الجغرفيا والتجربة التاريخية جعلت لبنان ملجأ للأقليات التي كانت ترغب بالمحافظة على هويتها الجماعية وحرياتها الخاصة على مدى العصور.

جواد بولس الذي كان حريصاً بشدّة على استقلال لبنان عارض بحزم أولئك الذين كانوا يرغبون في استعجال اعلانه. كان حذراً من الرؤية البريطانية لشرق أوسط ما بعد الحرب نظراً لالتزامات الحكومة البريطانية إزاء الحركة الصهيونية التي كانت ستفضي حتماً الى إرساء دولة إسرائيل وإلى سلب حقوق غير اليهود في فلسطين وتهجيرهم إلى دول الجوار  ومنها لبنان. وأدرك أن فرنسا لن تتمكن من حماية انتدابها على دول المشرق بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان مقتنعا بأن لا جدوى من الدفع إلى إخراج فرنسا مكسورة من لبنان في لحظة ضعفها الشديد كونها مهزومة عسكريا في أوروبا. فأين المصلحة في إهانة فرنسا، الصديقة التاريخية للبنان، والدولة الوحيدة المؤهلة لحمايته من المخططات البريطانية ومن الطموحات الصهيونية؟ لِمَ لا نتشاور حول رحيل فرنسا وننتزع منها معاهدة كفيلة بحماية استقلال لبنان خلال الفترة العصيبة القادمة والدفاع عنه؟ الاستقلال لا يكون مجرّد كلمات ومواقف سطحية، بل يكون رهناً بالأعمال وبحشد الطاقات الضرورية للمحافظة عليه. وعندما أُرغمت فرنسا في النهاية على الخروج من لبنان، قال ساخراً بأن الموارنة تخلّوا عن حمايتها التي دامت لقرون دون أية ضمانات بديلة. وهذا من شأنه، على حدّ ما تنبأ به، الإفضاء الى كارثة.

لعب جواد بولس دوراً أساسياً على الساحة السياسية في القرن الماضي. كان معجباً بالرئيس إميل إدّة وقد تدرج في مكتبه وبات حليفاً سياسياً له، وكان عضواً ناشطاً في ائتلاف الكتلة الوطنية لكنه لم يكن يوماً عضواً في حزب إدّه. أصبح حامل لواء التحالف الموالي لفرنسا في الشمال واصطدم مراراً مع الكتلة الدستورية بقيادة حميد فرنجية وعبد الحميد كرامي المدعومة علناً من قبل البريطانيين. كان الجنرال سبيرز، المندوب البريطاني في لبنان، وراء هزيمة الكتلة الوطنية الأكثر شعبية، في انتخابات العام 1943. وعمل البريطانيون بشكل خاص على تقويض لائحة لبنان الشمالي التي كان يرأسها كلّ من جواد بولس وراشد المقدّم الذي تم توقيفه بتهمة ملفّقة ونُفي في ما بعد الى خارج لبنان. كان لهذه الهزيمة تأثير مدمّر على مسيرة جواد بولس الواعدة جداً كما أنها شكّلت نقطة تحوّل بالنسبة للكتلة الوطنية التي لن تتعافى تماماً من تلك النكسة.

لكن مع حلول العام 1958، أصبح جواد بولس أشبه بـ”العقل الخفي” للسياسة في لبنان. فقد كان سياسياً واسع الاطّلاع  يتمتع بثقافة عميقة وله قاعدة سياسية مهمّة وشبكة واسعة من الصداقات الشخصية تمتدّ على مختلف المجتمعات والمناطق والبلدان. إنه حالة نادرة في أوساط السياسيين اللبنانيين، فقد كان مشهوراً بصدقه ونزاهته ومعروفاً بتزهّده. لذا كان يعتبره الكثيرون مرشّحاً موثوقاً به للرئاسة. في سياق حملة رئاسة الجمهورية في العام 1958، لقي تأييد المعسكر الموالي للغرب الذي كان يسعى حثيثاً لإيجاد مرشّح موثوق به ذو قناعات وطنية وجمهورية لخلافة كميل شمعون. كانت حظوظه بالفوز فعلية جداً لدرجة أنه تلقّى تهنئة مبكرة من اللواء فؤاد شهاب عندما التقى الرجلان لمناقشة أفق التعاون بينهما في حال تبوأ بولس سدّة الرئاسة. لكن القدر لعب دوره. وفي الرابع عشر من تموز في العام 1958، قبل أسبوعين فقط على تاريخ الانتخابات، تمت الإطاحة بالمملكة الهاشمية في العراق من خلال انقلاب عسكري أتى باللواء عبد الكريم قاسم الى السلطة. ارتأى حينها المعسكر الغربي، وخصوصاً الولايات المتحدة، التي كانت معنيّة بما اعتبرته تحدّياً شيوعياً للنظام الإقليمي، أن الوضع يستدعي اختيار رجل عسكري لرئاسة لبنان فكانت الرئاسة من نصيب فؤاد شهاب.

 

كانت العلاقة مع الرئيس شهاب متوترة منذ البداية. فقد كان شهاب حذراً من الرجل الذي اعتبره منافساً سابقاً وخصماً. كما كان يخوض الرئيس منافسة سياسية مع الكتلة الوطنية برئاسة ريمون إدّة التي لطالما كان جواد بولس مؤيّداً لقضيتها ووفيا لها. لم يكن أيّ من بولس وإدّة مرتاحاً لارتقاء رجل عسكري سدّة الرئاسة في لبنان. كانا يؤمنان بشدّة بالاستثناء اللبناني وكانا مرتابين لسابقة كانا يخشيان من أن تقود البلد على طريق التسلّط وحكم الرجل الأوحد الذي كان قد أصبح نموذجا في العالم العربي. وقد تحقّقت أسوأ مخاوفهما عندما عزّز شهاب نفوذ المكتب الثاني التابع للمؤسسة العسكرية وحوّله الى أداة للقمع السياسي. ففي حال عجز الرئيس عن تأمين الدعم السياسي لسياساته يلجأ الى المؤسسة الأمنية لممارسة الضغط. ومع تقدّم ولاية شهاب، بدأ الرئيس يعتمد أكثر فأكثر على استخبارات الجيش التي كان يسمح بتوسّع نفوذها. لكن نتيجة القمع المستمر الذي كان يمارسه المكتب الثاني على الأحزاب المعارضة لشهاب، اصطفت تلك الأحزاب في النهاية ضدّه. وعندما نفّذ الحزب القومي السوري انقلابه في 31 كانون الأول العام 1961، تم تأييده من قبل الكثيرين، حتى في الأوساط المعارضة لعقيدة الحزب. وكان  الحزب ينوي استبدال شهاب ببولس لأن قناعاته اللبنانية القومية المترسّخة ستساهم بلا شكّ في التخفيف من حدّة الخوف الذي قد تثيره عقيدة الانقلابيين.

قاد فشل الانقلاب جواد بولس بعيداً عن السياسة ليقع في أحضان حبّه الأول، التاريخ. خلافاً لما هو شائع في عالم المؤرخين، لم يكن جواد بولس أكاديمياً إنما محامياً وسياسياً محترفاً. كان يعتقد أنه بافتقادهم للمعرفة الكافية حول تاريخ منطقتهم، كان السياسيون المحليون يخاطرون كثيراً بتبنّي سياسات خاطئة قد يترتب عليها تداعيات خطيرة على بلدانهم. وكان يرى، نقلاً عن بورك  (Burke)، أن “الشعوب لن تتطلع الى الأجيال القادمة التي لا تنظر بدورها أبداً الى أسلافها”.

كان يعتقد أنه بالرغم من أن دروس التاريخ لا طابع عقائدي لها، ألا أن العبر التي يمكن استنباطها من تقييم الأحداث التاريخية لها قيمة عملية، إذ أنها تقدم دروس يمكن للأفراد والأمم، لا بل عليها الاستفادة منها. يزوّدنا التاريخ، هذه المدرسة القائمة على التجارب الملموسة، بالمعرفة التجريبية للبشرية التي هي أكثر عمقاً وتنوعاً من تلك التي يمكن استخلاصها من ملاحظاتنا الشخصية. وقد أدرك أن تجارب الآخرين لا تنوّر الكثيرين لأننا نميل إلى الاعتقاد بأننا ذات طبيعة “مختلفة”. علماً بأن الحقيقة على حدّ قوله تكون في الواقع عملية أكثر منها عقلانية عندما يتم النظر إليها من منظار التاريخ والسياسة على حدّ سواء، ألا أن صانعي الرأي العام غالباً ما أبدوا استعداداً للانصياع لمذاهب وإيديولوجيات خيالية مستقاة من أفكار تجريدية ولا صلة لها بالواقع إطلاقاً، الأمر الذي يسبّب بالكثير من الإذى  والضرر. استخدم الكثير من منتقدي جواد بولس واخصامه هذه الحجة لمحاربته بالترابط مع دفاعه عن مفهوم الدولة اللبنانية.

أدرك جواد بولس أن تجربة لبنان مع النظام الجمهوري كانت هشّة وأن  الإدارة الناجحة لهذه المحاولة اليتيمة في بناء نظام حكم ديموقراطي فعلي وتشاركي في مشرق ما بعد الامبراطورية العثمانية سوف يتطلّب تضلّع المسؤولين بدروس الماضي والأسس الرئيسية للتجربة التاريخية التي لا يمكن تجاهلها من دون التعرّض لمخاطر كبيرة.

شعر أن عليه أن يأخذ على عاتقه تأمين هذه الأرضية من المعرفة وتحديد تلك الأسس لتشكّل مبادىء توجيهية لتلهم قرارات رجال الدولة. في مقاربته لمواضيعه، كان متأثراً بالمدرسة الفكرية للحتمية التاريخية. وكان يعتقد بأن الباحث المتيقّظ قادر على استنباط “ثوابت” تاريخية من معمعة الأحداث الدرامية وأن تلك الثوابت مرتبطة بدورها بتأثيرات الجغرافيا. كان يردد أن السياسة ابنة التاريخ والتاريخ وليد الجغرافيا، أما الجغرافيا فلا تتغير.

لكن هذا لا يعني أنه كان يؤمن بالحتمية المطلقة. ففي حين زعم أن الإنسان ليس مستقلاً بالكامل عن بيئته، ظلّ يعتبر الاحتمالات التي تولّدها الصدف عاملاً يساهم في دفع عجلة التاريخ لأن البشر  كائنات مستقلة نسبياً على الصعيدين النفسي والعقلي، وأن كل فرد  يتمتع بهامش كبير من الحرّية.  لكن تلك الحرّية ليست مطلقة إنما عرضة للعديد من التأثيرات الخارجية والمواقف المختلفة للبشر. إلا أن المبادرة البشرية، على مرّ الأزمنة التاريخية، لطالما كانت، نتيجة التأثيرات المسهّلة او المعوّقة للطبيعة، محكومة بظروف مقيِّدة تحدّ من تأثيرها و تفرض عليها لعب دور ثانوي.

كانت الشخصية البارزة لهذه المدرسة الفكرية المؤرّخ البريطاني آرنولد توينبي الذي كتب مقدّمة المجلّد الأول من تحفة جواد بولس ونتاجه المميّز “شعوب الشرق الأدنى وحضاراته تاريخ مقارن منذ الأصول حتى أيامنا ” (5 أجزاء) الذي كُتب بالفرنسية ونُشر بين العامين 1961 (المجلّد الأول) والعام 1968 (المجلّد الخامس). خلال تلك الفترة، أرخ أيضا لتاريخ لبنان في كتاب نشره في العام 1970 (لبنان والبلدان المجاورة).

مع بداية ما عُرف بـ”حرب السنتين” (1976-1975) أو بالحرب الأهلية اللبنانية، التسمية الأكثر شيوعاً وإن كانت غير صحيحة، وجد جواد بولس نفسه مرة جديدة في الجبهة الأمامية للساحة السياسية. برفقة شخصيات لامعة أمثال شارل مالك وفؤاد إفرام البستاني وسعيد عقل وإدوار حنين والأباتي شربل قسيس وقادة سياسيين أمثال سليمان فرنجية وبيار الجميل وكميل شمعون، أسّس “الجبهة اللبنانية” التي اجتمعت في عوكر وأصبحت الهيئة المركزية لتحديد التوجهات السياسية للمسيحيين والقوى الوطنية الأخرى في لبنان خلال الحرب. كان للجبهة اللبنانية دور فعّال في تحديد السياسات وتأمين الإدارة وتعبئة الموارد والدعم والتنسيق بين مختلف الأحزاب الوطنية في مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها اليساريون والقوميون السوريون ورعاتهم الأجانب. في العام 1978، استقال من الجبهة بعد مجزرة إهدن، واعتزل في دير “يسوع الملك” حيث عاش السنوات المتبقية من حياته. في العام 1982، قبل بضعة أسابيع على وفاته، نشر عمله الأخير المكتوب أيضاً بالفرنسية إنما المترجم الى العربية بعنوان “التحوّلات الكبرى في تاريخ الشرق الأدنى منذ الإسلام”.

كان الدافع الأول الأساسي لمؤلفات جواد بولس إثبات أصالة الكيان اللبناني على مرّ التاريخ ودحض وجهة النظر القائلة بأن لبنان دولة من ابتكار اتفاقية سايكس بيكو. كانت كتاباته تدعم أيضاً الرأي القائل بأن عقيدة سوريا الكبرى مجرّد تركيبة سياسية نابعة من الخيال وأن سوريا الكبرى هذه التي تشمل بلاد الشام ضمن وحدة سياسية، ليس لها وجود في مجمل تاريخ الشرق. وأراد في كتابه الأخير أن يثبت بأن مفهوم الأمّة الإسلامية المرتبطة بمنطقة جغرافية محددة ضمن الدولة التي أنشأها الخلفاء الأوائل، كان بحدّ ذاته مجرد تركيبة عقائدية لا أسس جغرافية أو تاريخية لها في المشرق. الخلافة الوحيدة التي كانت عربية أصيلة والتي كانت متمركزة في دمشق لم تستمر سوى مئة عام (الخلافة الأموية من العام 640 الى العام 750)، وتلك مجرد رفّة جفن على المستوى التاريخي.  بعد ذلك، أصبحت الخلافات خاضعة لتأثير الفرس والأتراك غير العرب، وانتقل مركزها من دمشق المشرقية، وانفصلت حتى، لبرهة من الزمن، عن المذهب السني (في عهد الفاطميين).

يرى هنري كيسنجر “يتم التعامل مع القضايا بشكل واقعي أكثر من ذي قبل، ترسّخت الفرضية القائلة أنه يمكن العثور على جواب لكلّ سؤال، وأنه لا يجدر التفكير بالمشاكل والحلول بقدر ما يجب “البحث عنها”. لكن في سياق العلاقات بين الدول –في الكثير من المجالات- يجب وضع المعلومات، كي تكون فعّالة بشكل حقيقي، ضمن نطاق أوسع يشمل التاريخ والتجربة كي تتحول الى معرفة فعلية. ويكون المجتمع محظّاً إن استطاع قادته الارتقاء من حين الى آخر الى مستوى الحكمة.”

تلك هي الحكمة التي سعى جواد بولس للكشف عنها ونقلها. ومن سوء حظّنا أن صوته قد خُنق وسط معمعة الممارسة اللبنانية القاضية بـ”أخذ ما استطعت بأسرع ما يمكن” التي كانت سائدة في أوساط الحكومة بعد الاستقلال ولا تزال.

الهدف من إنشاء هذا الموقع الإلكتروني هو إعادة إحياء ذكرى هذا الرجل السياسي الوطني الذي كان مؤمناً بعظمة وطنه وشعبه والذي لم يستكين الى أن وضع المبادىء النظرية التي بنى عليها قناعاته.  يهدف أيضا إلى تعريف الأجيال القادمة التي أقنعت زورا أن بلدهم هو كيان مصطنع أو خطأ تاريخي عابر سيتم تصحيحه حينما يرسى لنظام اقليمي جديد. إنه بشكل أساسي أرشيف للإنتاج الفكري لرجل، لا زلت على قناعة بأن انتصار رؤياه في المجال السياسي، لو تمت،  كانت ستغيّر مجرى تاريخ لبنان الحديث وتحميه ربما من الاضطرابات التي واجهها من النصف الثاني للقرن العشرين الى يومنا هذا.

أخذت قرارا بنشر أعمال جواد بولس على الإنترنت بشكل كتب إلكترونية كي تصبح مرة جديدة في متناول الجمهور العريض. تجدر الإشارة الى أن تلك الكتب لم تعد قيد النشر وهي غير متوفرة في المكتبات. كما يسمح الموقع بالاطّلاع على محاضارات أعطاها ومقابلات أدلى بها ومقالات كتبها وتحقيقات حول نشاطاته وآرائه ورسائل كتبها أو استلمها وآراء شكّلت مراجع له ولعمله. حاولت أن أجعل هذا الأرشيف كاملاً بقدر المستطاع. حتماً ستُضاف وثائق جديدة، ونرحّب بأية مبادرة من القراء لنشر وثائق أو صور أو معلومات قد تكون بحوذتهم بغية إغناء الموقع .جميع المساهمات هي موضع ترحيب.

أشكركم على زيارة الموقع وآمل أن تجدوا بأنه يؤمّن معلومات قيّمة حول تاريخ لبنان والشرق الأوسط وأنه أداة مفيدة للأشخاص الذين يريدون التعمّق في فهم الديناميات التي كانت وراء تشكيل الوطن اللبناني والتي لا يزال لها تأثير على مجمل الشرق الأوسط.

ما كان هذا الموقع ليبصر النور لولا المساهمة السخية للسيد إدمون أبشي. عندما اتصلت بإدمون لاشكره على الهبة التي تقدّم بها سابقاً لتمويل مشروع ترميم ضريح يوسف بك كرم وتمثال البطريرك الدويهي، تحدّاني لأختبر  استعداده للالتزام بتمويل أي مشروع له علاقة بالحفاظ على تاريخ وتراث إهدن، بلدتنا الحبيبة. ففعلت. وكانت النتيجة دعمه السريع والسخي وغير المشروط وغير المحدود لهذا المشروع.  أودّ أن أعرب عن امتناني لهذا الرجل الإستثنائي الذي لم يبتعد عن جذور أجداده والذي بقي وفياً للقيم التي صنعت قوة الموارنة: الإيمان، صلابة الشخصية، الإلتزام، تثمين الحرية، حبّ الأرض، التعلّق بالهوية، وحدة الهدف وسخاء القلب والروح. ليباركه الله وليكثر من أمثاله.

 

جواد سيمون بولس
بيروت في 13 آب، 2015

 ——-

 

2 comments:

  1. Excellent initiative. The young generation must know that Lebanon had great politicians with insight, wisdom, culture and integrity. The lack of such men is the great tragedy of the actual Lebanon.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *