Ar     En
جريدة البيرق 17 حزيران 1962

جريدة البيرق 17 حزيران 1962

جواد بولس يتحدث عن معركة الرئاسة
أؤمن بصلابة تكوين لبنان ومتانة إستقلاله إلى الأبد

اجتمعنا إلى الوطني الأستاذ جواد بولس، سألناه رأيه في شؤون الساعة المختلفة، أجاب على اسئلة “البيرق” بما يعهده الناس فيه من نضج وخبرة وعلم وصدق تخللت حديثه اعتبارات تاريخية واستشهادات فلسفية تدل على عمق تبحره بشؤون الحياة وسعة اطلاعه وشمول ثقافته. وبسرور ننقل إلى قراء “البيرق” ما دار بين الأستاذ جواد بولس، السياسي المتمرس والمفكر الجريء وبيننا:

سألنا الأستاذ جواد بولس:

س- هل تعتبر أن البحث بقضية الترشيح لرئاسة الجمهورية في الوقت الراهن سابق لأوانه.

ج- إن البحث في هذه القضية يأتي في حينه لأنه من حق الشعب أن يتعرف إلى الوجوه التي يمكن أن تصل إلى الرئاسة وهي المسؤولة في الدرجة الأولى عن مقدرات لبنان، ولا يحسن بالطبع أن ينتخب الرئيس المقبل بصورة مباغتة، لأن رئاسة الجمهورية، في الواقع هي وكالة عن الشعب وفقاً لأحكام الدستور. وعلى الموكل أن يدرس شخصية الوكيل قبل أن يسند إليه الوكالة. لذلك أرى أنه يستحسن البحث بالشخصيات التي قد تقدم ترشيحها أو قد تصل إلى الرئاسة ليكون لشعب على بينه من أمرها. ولكن هذا لا يعني أن فتح المعركة يجب أن يبدأ اليوم.

البرامج قائمة في أشخاص المرشحين

س- هل تعتقد مع البعض بأن من وجوب الطامحين إلى مركز الرئاسة أن ينشروا برامجهم.

ج- البرامج التي تشير إليها غير موجودة نظرياً. والبلاد، في الواقع تثق بالأشخاص أكثر مما تثق بالبرامج إن كل رجال السياسة عندنا وضعوا ولا يزالون وسيظلون يضعون البرامج ولكن أعمال الأشخاص يمكن الاستيفاح عنها من حياة كل رجل العامة والخاصة. ويجب ألا يفهم من كلامي أن لا يكون لهم برامج، انما توجد هناك مبادئ وخطوط كبرى يفرض أن تكون هدف كل مرشح لأنها هدف اللبنانيين جميعاً، هي أن يستوحي الرئيس لممارسة وظيفته العدل والإنصاف ومبادئ النظام والأمن. هذا هو البرنامج الأساسي، الذي يشكو اللبنانيون من فقدانه. ومما لا ريب أن تبنى وتتطور إلا على أساس العلم، أي العلم النظري والتطبيقي. SCIENCE POSITIVE

الصفات التي يجب أن يتصف بها الرئيس

س- ما هي الصفات والمؤهلات التي يجب أن يتحلى بها رئيس الجمهورية.

ج- في طليعة الصفات والمؤهلات التي ينبغي أن يتحلى بها كل رئيس في بلاد الشرق عامةً وفي لبنان خاصةً أن يكون الرئيس أبن للجميع عملا بالنهج الذي يفهمه أهل بلادنا والقائم على ما اسميه السلطة الأبوية PATERNALISME. وأن يعتبر جميع اللبنانيين أبناء واخوانا، وأن يشرف على توزيع العدل بين الجميع طوائف وأفراد وفي لبنان بنوع خاص، وفي المرحلة التطورية التي نجتازها اليوم يشكل لبنان في الواقع، نوعاً من الإتحاد الطائفي. Federation de Communautés

وعليه فان سياسة الدولة يجب أن تستلهم في الداخل والخارج في هذا الإزدواج، وبنوع خاص في الداخل بتوزيع منافع الدولة وأعبائها على الطوائف بعدل وإنصاف، وفي الخارج، بأن تكون سياسة الدولة مستمدة من هذا الإزدواج أيضاً.

ثم إن فلسفة الحكم في الشرق مؤسسة في ذهنية شعوبه على جوهر العدل والإنصاف ولا أدل على ذلك من تسمية السلطة والسلطات بكلمة حاكم وحكومة. وكلمة حكومتا حاكم وحكومة مشتقتان من كلمة محكمة. فكل حاكم، بالتالي هو قاضٍ كبير عليه أن يستوحي ممارسة وظيفته من روح العدل والإنصاف.

هناك ايضاً مشكلة ولدها التطور الإجتماعي الحاضر وهي المشكلات الإجتماعية فعلى الدولة أن تهتم أولاً فأولاً لهذه المشكلات بطريقة تسعى لتحسين أحوال الطبقات الكادحة سواء أكان في المدن أو في الأقاليم والقرى النائية لأن لبنان نظراً لصغر مساحته يشكل في الحقيقة مدينة كبيرة، فكل تباين بين الطبقات أو بين المناطق يظهر للعيان، حتى في بيروت ذاتها حيث نلمس الغنى المفرط والفقر المدقع. وهذه المشكلة مشكلة دقيقة جداً. وإذا لم يهتم بها بصورة عملية وسريعة فإنني أخشى أن تتحول إلى مأساة.

المصلحة الوطنية: لمن وبني من؟

س- ما رأيك بالمساعي القائمة الآن من أجل المصالحة الوطنية.

ج- لا أعتقد بوجود خصام في صفوف الشعب، وجل ما هنالك مزاحمات بين رجال سياسيين كما هو الحال في كل البلدان الديمقراطية الحرة، بل انها شرط من شروط حياة البلاد الديمقراطية.

حل المجلس الحالي: قضية ثانوية

س- ما رأيك في حل مجلس النواب الحالي

ج- ولماذا يحل، لا يوجد خلاف بينه وبين السلطة التنفيذية حتى تستفتي الأمة – بأمره. أما مسألة عدده فغير مهمة وهي قضية ثانوية. فالعدد لا تأثير له.

على لبنان تحديد سياسة الحياد الخارجي

س- ما رأيك في سياسة لبنان الخارجية.

ج- الظاهر أن السياسة اللبنانية الخارجية ضاعت حيال تشابك النظريات والمصالح في الدول العربية وهي النظريات والمصالح التي تبدلت ولم تعد قائمة على أساس الوحدة العربية أو سواها بل اعتراضها نشوء مشاكل إجتماعية كالإشتراكية.

وبات على لبنان تحديد سياسة حيالها قومها الحياد، ولكن ليس على أساس الماضي، بل عملاً بوحي ما قاله بوانكاره : السلم خلق متواصل La Paix Est une Creation Continue

لذلك ينبغي كل يوم خالق شيء جديد والإهتمام بالأحداث الجديدة.

المغتربون: على لبنان الإستفادة من رسمالهم

س- هل لك من كلمة عن المغتربين

ج- إن المغتربين قوى سياسية ومعنوية وإقتصادية وعلى لبنان أن يعرف قيد ينتفع من هذا الرأسمال الكبير، ولذلك طرق عديدة.

النظرة إلى مستقبل لبنان : نظرة تفاؤل

وطرحنا على الأستاذ جواد بولس السؤالين الأخرين الذين إستفاض في الجواب عليهما.

قلنا:

س- ما هي نظرتك إلى مستقبل لبنان.

ج- انها نظرة تفاؤل ولا شك لأنني أؤمن بوجود لبنان كتكوين طبيعي رغم تعدد الطوائف فيه وقد عاش وتطور على ممر الأجيال والسنين ممثلاً في الداخل والخارج الدور ذاته الذي يمثله اليوم. ورغم كل الأحداث التاريخية، من فتوحات وغزوات وسواها فقد ظل هذا البلد محافظاً على كيانه وشخصيته في هذا الشرق.

ويثبت التاريخ أن لبنان بالنظر إلى تكوينه من جبال شامخة تطل على البحر المتوسط، إن هذين العاملين – الجبل والبحر – أوجدا في نفوس سكانه حب الحرية والإستقلال والمغامرات خارج الحدود. ويؤكد ذلك تطور هذا البلد على الصورة المذكورة مدة حوالي خمسة آلاف سنة.

“قد يقول البعض أنه من خلال هذه الأجيال فقد لبنان استقلاله مرات عديدة. هذا الأمر صحيح. ولكن في أكثر الأحيان بقي إستقلال لبنان الداخلي قائماً بينما كان جيرانه خاضعين لحكم مباشر من الغزاة.

“فاستناداً إلى ذلك أؤمن بصلابة التكوين ومتانة الإستقلال اللبنانيين. وقد كنت دوماً، ولا أزل متفائلاً بمستقبل هذا البلد بالنسبة إلى الجهات الخارجية طبعاً.

س- هل ايمانك بالدمقراطية اللبنانية يوازي ايمانك بالكينونة اللبنانية؟

ج- للأسباب الجغرافية التي ذكرت، يعيش اللبناني حسب الحرية وروح الأستقلال. فهواء الجبل يولده. ومما يثبت ذلك أنه حتى العهود الكنعانية أو الفينيقية القديمة، كان يعاون كل ملك أو رئيس دولة مجلس الشيوخ يشترك معه في تسيير دقة الأحكام، وفي بعض الأوقات كان المجلس يتخذ قرارات ضد ارادة الملك، في حين كان الملك عند جيراننا يومذاك الله بذاته أو إبن أمه على الأرض. وكان نظام لبنان مؤلفاً، حتى في تلك الأيام، من ممثلين عن مختلف شاهين وأعلن الجمهورية اللبنانية الملك. وأمعاناً في التدليل على تمسك اللبنانيين بالحرية، فقد حصلت في تلك الأيام السحيقة بضع ثورات إجتماعية إنقلب فيها الشعب على الملك وقلبه.

“وحتى منذ مئة سنة تقريباً قام رجل من لبنان إسمه طانيوس شاهين وأعلن الجمهورية اللبنانية.

“وأخبرني جدي أسعد بولس وكان جدي في شبابه من أكبر قواد يوسف بك كرم – إن يوسف بك أرسله لإقناع البطريرك الماروني بالنسبة للأحداث المذكورة بالعدول عن مغادرة لبنان، فذهب إلى جونيه حيث وجد البطريرك وحاشيته مستعدين للعود إلى باخرة كانت في انتظارهم، فتمكن جدي من ارجاعهم. وقال لي أن بين الحاشية كان يوجد كاهن حاملاً حقيبة بيده، إسمه إلياس الحويك (البطريرك الحويك في ما بعد).

“وكان يوسف بك يسمي رجاله: يا رفاقي والمشيخة كانت لأخيه الكبير بطرس.

IMG_7197a