Ar     En
جريدة الأحرار 1 أيلول 1982

جريدة الأحرار 1 أيلول 1982

في مؤتمر صَحافي بمَقر الجبهة اللبنانية
جواد بولس قدَّم كتابَه الجديد
” التحولات الكبيرة في الشرق الادنى منذ الاسلام “
حنين : استخلاص لثوابت تضيء الحَاضر و المستقبل

عقد المؤرّخ جواد بولس مؤتمراً صحافياً في العاشرة و النصف من قبل ظهر امس ، في دير مار جرجس – عوكر ، في حضور الامين العام للجبهة اللبنانية النائب ادوار حنين ، و الرئيس العام للرهبانية اللبنانية الاباتي بولس نعمان و الدكتور شارل مالك ، و جمع غفير من الشخصيات السياسية.

ادوار حنين مقدّماً

قدّم المؤرّخ في مؤتمره النائب حنين بالكلمة التالية :

جواد بولس ، الذي دعاكم ، اليوم ، ليقدّم الى اللبنانيين على يدكم كتابه الجديد . في موضوع ” التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الادنى ، منذ الاسلام ” .

ولد مع القرن العشرين في السنة 1900 . و هو يتمتّع بصحّة قد لا يتمتع بمثلها احد في القرن العشرين بالذات .

جواد بولس ، من عائلة شمالية زغرتاوية من العائلات الخمس الكبيرة ، جدّه كان قائد جيوش يوسف بك كرم . و هو كان قائداً ، و لا يزال لعشيرته ( آل المكاري ) .

مارس المحاماة : فانتخب ، بالاجماع مرّـين ، نقيباً للمحامين في الشمال . و مارس السياسة : فانتخب نائباً عن زغرتا ، و عُيّن وزيراً للخارجية في حكومة الثلاثة : ايوب ثابت . خالد شهاب . و في السنة 1945 ، رأى خيراً له و للبنان ان يتخلّى عن مهنة المحاماة و عن ممارسة السياسة العملية لينصرف ، بكلّيته ، الى درس التاريخ ، و الى الكتابة فيه .

و اذا بعد عشرات السنين يضع ، بالفرنسية ، موسوعة من خمسة أجزاء ، في موضوع : ” شعوب الشرق الادنى و حضاراته ” الذي استحقّ له شهرة دولية بين المؤرّخين العالميين .

ثم وضع بالعربية كتابه : ” لبنان و البلدان المجاورة ” الى ان وضع الكتاب الذي نحن بصدده الان .
جواد بولس ، نظراً الى التاريخ ، على طريقة هيرودوتس و ابن خلدون ، كعلم و كفلسفة .

الامر الذي قاد خطاه الى استخلاص الثوابت التاريخية التي هي منارات منقذة في مسيرة الامم و الشعوب ، و التي بدون أضوائها تظل الحوادث الجارية منقطعة الصلة بين ما سبب حدوثها ، و بين ما سيتسبب ، بدورها من حوادث.

أيّها السادة : في كل ما قرأت في المواضيع التاريخية ، القديم منها و الحديث . كتاب واحد يمكن ان يتميز عن كل ما كتب في التاريخ كفلسفة و علم و هو كتاب ” ثوابت التاريخ ” لرينيه غروسّيه ، و ثانية في موضوع الامبراطورية النابوليونية الفرنسية لجاك بانفيل ، يتساويان ، من حيث القيمة التاريخية مع موسوعة جواد بولس. اما الكتاب الذي يطرح عليكم الان فتميزه ، في الشرق ، عن كل ما سبقه في موضوعه و قد يكون متميزاً ، في العالم ، عن كل ما صدر في موضوع الشرق الادنى . و يوم تقرؤونه تحكمون .

كلمة جواد بولس

ثم قال السيّد بولس :

أشكركم جميعاً على تلطُّفكم ، بحضور هذا الاجتماع الثقافي ، و خصوصاً الزملاء الصحافيين ، الذين سيتولون نقل وقائع هذا المؤتمر الصحافي الى القرّاء . انّ وصفي الصحافيين بالزملاء ليس ناتجاً عن زلّة لسان او قلم ، ان هذه التسمية في نظري ، تعبّر عن حقيقة واقعية راهنة .
أوّلاً انني احد اعضاء اسرة مجلّة ” الفصول اللبنانية ” ، و احرر فيها مقالاً رئيسيّاً منذ صدور العدد الاول منها . ثانياً انّني أعتبر أنّ مهنة المؤرّخ و مهنة الصحافي تتشابهان ، اذ تجمعان احداثاً و اخباراً و تتولّيان وصفها و تحليلها و عرضها كتابة على القرّاء . مع فارق ان المؤرّخ يهتمّ بالاحداث الماضية ، و الصحافي بالاحداث الحاضرة .

على أي حال ، فالتاريخ اي الماضي ، و السياسة اي الحاضر يتّهم احدهما الاخر . فرجل السياسة ، كالصحافي ، لكي يفهم حقيقة الحاضر ، عليه ان يتفهّم الاسباب التي يعود اصلها ، في معظم الاحيان ، الى الماضي البعيد او القريب ، اي الى التاريخ . كما ان المؤرّخ ، لكي يفهم الحاضر اي السياسة و تعقيداتهم ، عليه ان يبحث عن الاسباب العميقة اي الثوابت التاريخية التي هي وراء الاحداث الحالية و تعقيداتها السياسية . و هذا مت يؤمّنه للقرّاء كتابي الجديد .

ان المؤرّخ جواد بولس الحاضر بينكم الان ، لم يكن مؤرّخاً في البدء . لولا ان السياسة العملية دفعته دفعاً الى التعمّق في علم التاريخ . ولدت في زغرتا ، من اعمال لبنان الشمالي ، السنة 1900 ، في بلدة و أسرة ساهمتا فعلياً مع الغير من اللبنانيين في عهد الدولة التركية العثمانية بعد هذا العهد ، في ساحات القتال و غيرها من اجل الحرية و الاستقلال في لبنان .

بدأت نشاطي في الحياة الاجتماعية كمحام ، السنة 1923 مسجّلاً في نقابة محامي طرابلس و لبنان الشمالي . ثم انتخبت نقيباً للمحامين مرّتين ، الاولى في دورة 1932 – 1933 و الثانية في دورة 1938 – 1939 .

دخلت المجلس النيابي ، كنائب عن الطائفة المارونية و عن لبنان الشمالي . السنة 1937 ، هذا المجلس الذي صار تعليقه ، السنة 1939 ، من قبل المفوّض السامي الفرنسي ، بحلول الحرب العالمية الثانية . و في آذار من السنة 1943 ، عيّنت ، عن الطائفة المارونية ، وزيراً للخارجية و الاشغال العامة و الصحة و الاسعاف العام ، في حكومة ثلاثية مكلّفة اجراء الانتخابات النيابية و اعادة الدستور اللبناني المعلّق و السير بالبلاد نحو الاستقلال. الا ان حكومتنا استقالت في تموز 1943 لاسباب سياسية يعرفها كثيرون .

و في السنة 1945 ، و رغبة مني بالتعمّق علمياً في معرفة الاسباب الحقيقية و الخفيّة للمشاكل السياسية الكبيرة في بلدان الشرق الادنى و لبنان منه و فيه ، و طرق معالجتها و انصرفت كلياً الى الدرس و التأليف ، في تاريخ شعوب الشرق الادنى ، و حضاراتها قبل الاسلام و بعده . ذلك ان التاريخ هو سياسة الماضي ، و سياسة الحاضر هي تاريخ المستقبل . الخلاصة ان حياتي السياسية الماضية هي التي قادتني نحو التعمق في علم التاريخ.
ان الاحداث السياسية الكبيرة ، الداخلية و الخارجية ، التي عرفتها بلدان الشرق الادنى ، و منها لبنان منذ سقوط الدولة العثمانية السنة 1918 : احتلالات و سيطرات و انتدابات اجنبية فضلاً عن ظهور دولة غريبة بالقوة في فلسطين ، استقلال و نزاعات و ثورات و معارك و حروب دامية و شبه دائمة ولّدتها هذه الاحداث المؤلمة ، ليست ، كما يشهد التاريخ النزيه ، سوى تكرار لاحداث مماثلة حصلت مراراً في هذه البلدان خلال العصور الغابرة ، ثم زالت مع الزمن ، و بقي هذا الشرق لابنائه الاصليين و للذين اندمجوا معهم في حضارة مشتركة .

و انتقل الان الى الموضوع الذي من اجله دعيتم اي الى الكلام ، بصورة مختصرة ، على كتابي الجديد .

ان الدافع العميق الذي حملني على وضع هذا الكتاب و اصداره هو الذي حملني في الستينات على كتابة مؤلّفي ، باللغة الفرنسية ذي الخمسة اجزاء ، و عنوانه : ” شعوب الشرق الادنى و حضاراتها ” . هذا المؤلّف الذي لقي رواجاً واسعاً في البلدان الاوروبية و الاميركية ، و الذي قدر اهميته عدد كبير من المؤرّخين و اساتذة الجامعات الاجنبية و بالأخصّ الجنرال ديغول ، و المؤرّخ و الفيلسوف البريطاني أرنولد توينبي ، الذي كتب مقدّمته ، و هي المقدمة الوحيدة التي كتبها توينبي لغير مؤلّفاته الشخصية . و اذكر هنا بعض ما قاله توينبي لغير مؤلّفاته الشخصية. و اذكر هنا بعض ما قاله توينبي عن مؤلّفي ، في مقدمته المذكورة : ” . . . كان الفضل ، في معظم التآليف الحديثة عن تاريخ آسيا الغربية لمؤلفين أوروبيين أو أميركيين . الى ان صدر آخر الامر تاريخ دبجته براعة علامة موطنه لبنان ، بأن هذه المنطقة التي هي في الصميم من العالم المتحضّر . . . كما ان السيّد بولس كشف عن وجود عوامل ثابتة جغرافية ، كانت او نفسية ، تتوثّق في ما بينها من خلال جميع مظاهر التغييرات الطاغية على صفحة الحياة .

و بعد ان اطلق على المؤلّف لقب مؤرّخ ، هو ضنين في اطلاق هذا اللقب ، ختم مقدمته بالعبارة التالية : ” ان القرّاء العرب و القرّاء يتعلمون كثيراً من مطالعة هذا الكتاب ” ( ارنولد توينبي ، 13 أيار السنة 1957 ) .

و في بعض ما قاله ديغول عن مؤلّفي المذكور في رسالة : و اني لقادر كون هذا المؤلّف ، الذي سيلقى رواجاً كبيراً. قد كتب باللغة الفرنسية ، ( شارل ديغول ، باريس 18 تشرين الاول 1961 ) .
اما كتابي الصادر باللغة العربية و عنوانه ” لبنان و البلدان المجاورة ” و الذي اعيد طبعه السنة 1973 فهو تاريخ مقارن للبنان و سورية و فلسطين ، منذ الاصول حتى اليوم ، يبقى الحديث عن كتابي الجديد ” التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام ” و الذي تولّت اصداره دار عوّاد للطباعة و النشر في بيروت ” فان الغاية الاولى من كتابته و اصداره في هذا الوقت بالذات و باللغة العربية ، هي اطلاع القراء و خصوصاً في البلدان العربية ، على الاسباب العميقة التي جعلت من بلدانهم و سائر بلدان الشرق الادنى ، منذ استقلالاتها ، منتطق لم تعرف الاستقرار و لا الامن و لا الراحة . فكما ان اطباء الجسم هم اطباء الافراد ، و رجال الدين هم اطباء النفوس ، فان المؤرّخين هم اطباء المجتمعات البشرية على الصعيد السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و النفسي .

قال الشاعر : و من وعى التاريخ في صدره أضاف أعماراً الى عمره ” .

ان معظم البلدان و الدول الراقية و المتطورة ، في العالم الحاضر ، يسوسها حكام و مسؤولون يحسنون تاريخها و تاريخ البلدان المجاورة لها . أو يعاونهم اختصاصيون في هذه المواضيع .

و لسوء الحظ ، فمعظم المسؤولين عن مقدرات البلدان العربية ، بما فيها لبنان ، يجهلون تاريخ بلدانهم الحقيقي . فأكثرهم يخلط بين تاريخ عرب الجزيرة العربية ، الذي برز لامعاً في القرن السابع بعد الميلاد ، هذا التاريخ الذي هو من أمجد التواريخ التي اعطتها الانسانية ، و بين تاريخ بلدانهم الخاص ، الذي هو أقل من عادي منذ الاسلام، جاهلين أو متجاهلين أن بلدانهم قد فتحت من قبل عرب الجزيرة في القرن السابع الميلادي ، الذين حرروها من قهر الأجنبي ( الغربي و الفارسي ) ، الذي كان مسيطراً عليها منذ بضعة قرون ، أما هم ، فاكتفوا مجداً بأن اعتنقوا الاسلام تدريجياً ، فيما بعد ، و حلت اللغة العربية تدريجياً كذلك ، محل لغاتهم الاصلية . الخلاصة ان مجد العرب التاريخي هو لعرب الجزيرة العربية ، دون سواهم من المسلمين و المتعربين . فتاريخ البلدان العربية خارج الجزيرة هو تاريخ الشعوب الآسيوية ، الاسلامية و غير الغربية ، التي سيطرت على هذه البلدان بعد سقوط الدولة العربية الأموية السنة 750 ، كالفرس و الأتراك و غيرهم من المسلمين الآسيويين .

أثبت العلم الحديث ” أن التاريخ هو سياسة الماضي ، و سياسة الحاضر هي تاريخ المستقبل و ” ان السياسة هي بنت التاريخ و التاريخ هو ابن الجغرافيا ، و الجغرافيا لا تتغير نسبياً ” ، يزعم البعض و منهم مفكرون و علماء ان التاريخ لا مفهوم له و لا وضوح فيه و انه لا يصلح لان يكون مرشداً للشعوب في مشكلاتها الداخلية و الخارجية.

قد يكون هذا القول صحيحاً في اطار التاريخ التقليدي ، الذي يكتفي بجمع الوقائع و الأحداث الماضية و سردها و وصفها و تحليلها ، أما في اطار التاريخ كعلم و فلسفة ، فالأمر يختلف ، اذ ان المؤرّخ يبحث عندئذ عن السنن و الأسباب و الثوابت التاريخية التي توجّه الاحداث و تسيّر مجراها ، ان التاريخ ، بمنظار العلم ، هو البحث عن الأسباب التي ، من أقدم العصور و خلال الأزمات العديدة ، انتجت الحضارة و دفعتها قدماً الى الأمام .

فالأحداث الماضية هي الأسباب و النتائج معاً ، و هذه الاسباب ، منها ما هو عميق و بعيد و منها ما هو مباشر . فالأسباب العميقة و البعيدة هي التي تحتّم الأحداث او تجعلها ممكنة ، بينما الاسباب المباشرة تثيرها و تفجرها . و لسوء الحظ ، و في اغلب الأحيان ، نرى رجال السياسة المسؤولين يعالجون الأسباب المباشرة ، التي قد تسكّن الأزمة مؤقتاً ، و لكنها لا تشفي من الداء .

فالتاريخ العلمي ينحو الى ارساء حقائق عامة تستخلص من تنوع الاحداث الخاصة ، و الى اكتشاف الاسباب العميقة، اي السنن و الثوابت التاريخية ، التي يمكن من خلالها شرح تسلسل الاحداث المعروفة .

و في تتابع الاحداث ، كما في تسلسلها المنطقي المتتالي ، لا ينبغي التوقف الا عند الوقائع الكبيرة المألوفة ، التي تجري بصورة ” ثابتة ” او ” دورية ” . و ينبغي ايضاً النظر الى مجرى التاريخ من مدى شاهق . للاحاطة بأكبر زمن و أوسع نطاق ممكن . باختصار ان التاريخ بات ” علماً حقيقياً ” ، لهع سننه و له مفهومه . و على هذا الاساس، فهو يمد السياسة و علم الاجتماع بتوجيهات مفيدة ، شرط ان نحسن تفسيره .

و في هذا العلم ، ان الجغرافيا هي عامل جوهري ، بسبب تأثيرها العميق في الافراد و الجماعات ، جسمياً و نفسياً .
زغم البعض ان نظريات جواد بولس في علم التاريخ هي نظريات غربية جديدة ، لا مفعول لها في بلدان الشرق و في تطورات شعوبها .

ان هذا القول مرتجل و غير مسؤول ، فسنن التاريخ ، كسنن الطبيعة ، تفعل فعلها في كل مكان و زمان ، رضي الناس أو أبوا .

ان التاريخ كعلم و فلسفة ليس بجديد . فأول من قال بسنن التاريخ هم علماء و فلاسفة اغارقة قدامى ، مثل هيرودوتس و توسيدليس و كزينافون ، في القرن الخامس قبل الميلاد . ثم خلَفهم ، بعد زمن طويل ، أي في القرن الرابع عشر بعد الميلاد ، عالم مسلم عربي من تونس ، هو ابن خلدون . فهو اول من اعتبر التاريخ علماً و فلسفة بعد الاغارقة ، و أول من قال بتأثير العوامل الجغرافية على البشر و تصرفاتهم ، افراداً و جماعات . و قد ألّف ، في هذا الموضوع كتابه المعروف ” المقدمة ” و لم يظهر بعد ابن خلدون علماء في هذا الميدان قبل ماكيافيللي ، في ايطاليا ، في القرن الخامس عشر ، و بوسوييه و مونتسكيو ، في فرنسا ، و فيكو ، في ايطاليا ، في القرن السابع عشر ، و غيرهم في أزمنة لاحقة .

أما انتشار التاريخ كعلم ، فقد بدأ في القرن التاسع عشر على أثر تقدم الثورة التقنية و انتشارها في أوروبا . و في القرن العشرين ، و مع ازدياد التقدم التقني و التكنولوجي ، ازداد الاهتمام بالتاريخ العلمي و الفلسفي ، كما بغيره من العلوم الانسانية . و في العالم العربي الحديث ، يوجد مفكرون و أدباء كبار يقرّون هذه الحقائق التاريخية العلمية .

ان لدي كتاباً من الأديب و المفكر المصري طه حسين ، وصلني منه قبل صدور مؤلّفي باللغة الفرنسية . و كان قد اطلع مني إثر علاقات ثقافية نشأت بيننا ، على الخطوط الرئيسة للكتاب . قال في احدى فقرات كتابه : ” و اني انتظر الكتاب الذي تضعونه في تاريخ الشرق الادنى و فلسفته . واثقاً بأن المؤرّخين سيجدون فيه غذاء و متعة . و بأن الشرقيين سيجدون فيه توجيهاً لما سيرسمون لحياتهم الحاضرة و المستقبلية من خطط ( طه حسين ) ” .

و لسؤ الحظ لم يأخذ السياسيون الشرقيون ، على علمي ، بنصيحة طه حسين في كتابه المذكور .
و هناك أيضاً مصري آخر شغل مسؤوليات حساسة في زمن كان فيه الثقل العربي لمصر هو الاستاذ محمد حسنين هيكل ، رئيس تحرير صحيفة ” الأهرام ” سابقاً ، و قد قرأت له حديثاً أجري معه في تونس في اطار ندوة ” جامعة الدول العربية ” و نقلته جريدة ” النهار ” في عددها الرابع من أيار 1982 .

قال هيكل بالحرف : ” علينا أن نوازن بين الحقائق السياسية ، التي قد نتفق عليها أو لا نتفق ، و الحقائق التاريخية غير قابلة للاجتهاد ” . . .

ثم قال : ” ما تملكه الحكومات ، يمكن التصرّف فيه بقرار ، اما ما تملكه الشعوب فيخضع لثوابت الجغرافيا و التاريخ و الحضارة “. فهل يكون سبب اقصاء الاستاذ هيكل عن مسرح السياسة في مصر معرفته بثوابت التاريخ و السياسة ؟

تتحمس شعوب بلدان الشرق الادنى عند ذكر كلمتي الاستقلال و الحرية ، و تغتاظ عند سماع كلمتي الاستعمار و الامبريالية .

اني شخصياً ، كأي انسان يحترم نفسه ، أقدر فكرة استقلال كل البلدان و حرية كل الشعوب ، و أشجب فكرة الاستعمار . و لكني ، كمؤرّخ و رجل خبر الحياة و البشر ، أرى ان الاستعمار ، بمفهومه التقليدي القديم ، قد ولّى ، لأنه أصبح يكلف المستعمر جهوداً عسكرية و نفقات مالية تفوق قيمة المنافع التي يتوخاها من البلد المستعمر .

قال المؤرّخ توينبي : ” ان الاستعمار هو اختبار غير مستحب ، و لكنه ، عند معظم البلدان ، ثمن يُدفع لتعلم الحياة العصرية .

اما الامبريالية ، اي النفوذ و السيطرة الاقتصادية و السياسية التي تمارسها دولة او بلد على بلد والتي ما تزال موجودة في أيامنا هذه . فهي ناتجة غالباً عن قوة هذه الدولة على الصعيد الاقتصادي و المالي و العلمي و التكنولوجي و العسكري . فهذه الامبريالية تصعب مقاومتها . اي الوقوف امام انتشارها و توسعها ، بواسطة الخطب و الاحتجاج و التغني بالماضي المجيد ، او بالاستناد الى القوانين و الشرائع الدولية . ان مقاومتها يجب ان تحصل بواسطة التقدم الاقتصادي و العلمي و الثقافي و التكنولوجي ، و بمساعدة الزمن .

قال توينبي : في عصرنا الحاضر ، تقاس حيوية الشعوب و قوتها بعدد الناس الملمين بالمعارف العلمية ، و الذين يملكون كفاءات تقنية ، ات الشعوب القوية ، علمياً و ثقافياً و إقتصادياً و التي هي مستقلة فعلاً ، لا تتغنّى بالاستقلال و الحرية لأنّهما حق طبيعي لها .

قال الفيلسوف الالماني نيتشه : ” ان الحرية هي فكرة عبيد ” و قال العالم اينشتاين : ان القومية هي مرض اطفال.

 

5
6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *