Ar     En
صدى لبنان  27 آذار 1982

صدى لبنان 27 آذار 1982

صدى لبنان 27 آذار 1982

في كتابه الجديد ” التحولات الكبرى في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام ”

جواد بولس : وحده النبيّ العربي حوّل الوحده العربية الى واقع حياة

مصير اسرائيل الى الزوال كما زالت غيرها من الممالك والامبراطوريات العسكرية الصيغة اللبنانية تضعضعت لأنها قامت على أسس عشائريه ولم تراع بناء الوطن.

المؤرخ الكبير جواد بولس الذي نال إعجاب ديغول وتوينبي بمؤلفاته الفرنسيه عن شعوب وحضارات الشرق الأدنى، دفع الى الطبع مؤلفا يعتبره الاهم في حياته الفكرية. لأنه يشكل خلاصة تفكيره في السياسة التي هي بنت التاريخ والذي هو بدوره ابن الجغرافيا والجغرافيا لا تتغير. إلا ان الذي تغير في طرحه الجديد هو ترتيب الاحداث وتقسيمها بشكل يؤدي الى المعنى الحقيقي لهذه الاحداث. وهو بهذا المفهوم دخل في العمق النفسي لهذه الاحداث فقسم كتابه “التحولات الكبرى في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام” الى اثني عشر تحولا اعتبر فيه التحول الاول وهو انبعاث الاسلام بالقرآن والفتوحات ومؤسسة الخلافة حتى سقوط الامويين اهم تحول في حياة هذا الشرق لانه استطاع ان يوحد الناطقين بالعربية في بوتقة الوحدة التي طالما تفنوا بها فعلاً لا قولاً وحسب. وبمناسبة الحديث عن هذا الكتاب كان لابد ان نطرح اسئلة من خلاله لنستكشف الاحداث المعاصرة بمنظار التجربة التاريخية التي هي خير مدرسة للسياسة في كل زمان ومكان .

س – ما هو الجديد في كتابك المنتظر “التحولات الكبرى في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام “بعدما اشبعت هذا الموضوع درسا وتمحيصا في مجلداتك الخمسة عن شعوب وحضارات الشرق الادنى التي كتبتها بالفرنسية ونشرت تباعا منذ أوائل الستينات؟

ج – ان كل ماجئنا به من جديد في هذا الموضوع هو ترتيب الاحداث وتنسيقها وتقسيمها كما يقضي بذلك المفهوم او المعنى الحقيقي لهذه الاحداث.

س – هذا من حيث العرض والمعالجة، من حيث الموضوع ؟

ج –  لقد تناولت موضوع الشرق الادنى منذ الاسلام فركزت على إنطلاق الدعوة بالقرآن والفتوحات ومؤسسة الخلافة واعتبرت هذه المرحلة التحول الوحيد الذي تمت فيه الوحدة الفعلية بين العرب عن طريق الدين… وبقيت مستمرة في الخلافة الراشدية والأموية وتوقفت بعد ذلك تحت عوامل التفكيك بفعل السيطرات الغربية التي توالت على حكم الشعوب العربية. وقد قسمت اجزاء التاريخ الممتد من ظهور الاسلام حتى انهيار الدولة العثمانية الى اثني عشر تحولا قيض خلاله لآل سعود في الجزيرة العربية ان ينعموا ببعض استقلال. وللبنان ان يضمن شبه استقلال في جباله.

س- نفهم من كلامك ان السعودية مهد الاسلام مهيأة للعب دور قيادي في الحركة الاسلامية يكون بمنأى عن التأثيرات والسيطرات التي تحكمت بمصير العرب طوال قرون ؟

ج – مما لاشك فيه ان قوة الايمان والارادة والساعد التي كانت للإسلام في عهد نبيه لم تعد كما كانت في السابق. إلا أن الثروات الارضية الممتلئة بالمخزون البترولي الهائل في السعودية يمكن ان يشكل ساعد الاسلام وسيفه .

أما القول بإمكانية إحياء الدور الذي كان للإسلام فاشك اذ ان الامة الواحدة نادرا ما تلعب اكثر من مرة الدور الكبير ذاته في التاريخ إلا إذا طرأت عليها حالة تجديد عضوي .

وعليه، فإن إنبعاث النهضه لا يحدث دوما إلا في جسم جديد كما يقول المفكر الالماني فون كايسرلنغ.

سولكن اللٌه يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد دينها؟ كما يقول الحديث الكريم وهو يجسٌد حركية الشريعة وديناميتها في مجال صيرورة الزمن ؟

جاشك في ان تتكرر الحالة النادرة التي توافرت معطياتها للرسول والتي أطلقت رسالته في الناس حتى شارفت اقاصي الهند. إلا إذا طرأت عليها حالة تجديد عضوي كما ذكرنا .

سولكن الدين يبقى محركاً رئيسياً لتوحيد الشعوب والتفافها حول قضايا مشتركة ؟

ج – ولكنه في الشرق لم يستطع تجاوز المصالح والرغبات في التسلط فقد كان القيسي واليماني واحداً في الاسلام. وظلا في العصبية المفككة لأوصال الوطن قيسياً ويمانياً، ناهيك بالدول الاسلامية المتعددة التي قام بعضها على بعض و شيد بعضها على انقاض بعض، بإسم العصبية تلك العصبية التي كانت السبب الاول والاهم في سقوطها كلها .

سواللغة الا تلعب دورا ؟

جاللغة وحدها لا توحَد العناصر كما يقول الريحاني . ولا تتغلب على العصبيات. كان اللخمي و الازدي واحداً في العربية. ولكن العصبية ظلت مستحوذة على الاثنين.

ولا تزال العصبيات الدينية و الجنسية متغلبة على عوامل اللغة و الدين… وخير شاهد ما نراه اليوم من تناحر على ارض الدين الواحد واللغة الواحدة.

س – بناء على نظريتك التي تقول ” بدوال الدول ” ألا ينطبق هذا على اسرائيل التي يجمعها الدين ظاهريا و تجسدها القوة العسكرية المتغطرسة ؟

ج – يقول جاك بانفيل : ” في الفتوحات، حريّ بالمنتصر ألا يستولي أبدا على أكثر مما يمكن هضمه، و يعقب عليه المؤرخ الايطالي غ فرارو: “إن العقل… يملي على المنتصر ألا يفرط في استغلال تفوقه: فنتائج القوة مؤقتة. والانتصار حدث عارض. وحدها الحكمة تعرف كيف تستخلص منه النتائج الاخيرة، بحيث لا يطلب من المغلوب إلا ما لن يطالب به، و لو أصبح هو الأقوى في المستقبل… وعلى العكس، لا يحصل سلم، بل هدنة. و الحرب تطول كثيرا حتى الافناء المتبادل”. و من له اذنان سامعتان فليسمع!

س – إذن مصيرنا إلى السلم أو نحن محكومون بالسلم. و لكن السلم الاسرائيلي مَبن على الرعب ؟

ج – إن بناء سلم على الرعب هو تشييد بنيان على الماء كما يقول فرارو. إذ الرعب مؤقت ويزول، والسلم لا يكون سلماً إلا إذا توافرت له حظوظ البقاء.

س – و ما هي برأيك حظوظ البقاء كي يتم سلم في منطقة الشرق الأدنى ؟

ج – الانفتاح والتفاعل في ظل إقرار بحقوق وشروط تكلفها العدالة الدولية.

س – و لكن اسرائيل غير مهيأة لهذا النوع من الاندماج الحضاري فهي لا تقبل بالإندماج الاجتماعي و هو أضعف الايمان ؟

ج – إذا لم تفعل ذلك فإن مصيرها ذات يوم سيكون على غرار الممالك والدول التي دالت.

يقول تاليران : “يمكن أن يعمل كل شيء بواسطة الحراب إلا الجلوس فوقها”.

ويعقب عليه نابليون و هو رجل سيف: ” ليس في العالم إلا قوتان : السيف والفكر. و مع الزمن، ينتصر الفكر على السيف”.

إذن لا مفر من السلم، و لكن السلم المبني على العدل و المساواة في عالم ضاعت فيه المقاييس.

س – و لكن ما رأيك في تجربة لبنان الحضارية التي أشرفت على الاحتضار بفعل العوامل والضغوط الدولية والعربية ناهيك بالمحلية ؟

ج – لبنان سقط في الامتحان لأنه منذ قيامه قام على أسس عشائرية بحيث تقاسمته الطوائف بأشخاص زعمائها دون أن تأخذ في الاعتبار عملية بناء الوطن فالمواطن.

و لكن رغم ما تالب عليه من ظروف داخلية و خارجية فهو ما يزال منيعاً بحكم موقعه الجغرافي المنيع الذي هو في وضع تفاعلي مع كافة الشعوب.

س – و لكن لو أردنا مقارنة الشخصية اللبنانية مع سائر الشخصيات الشرقية. فماذا تقول ؟

ج – نجد أن الشخصية السورية هي الأقرب إليها. غيرأن اختلاف البيئة الجغرافية في البلدين (الجبل والبحر في لبنان والواحات والصحراء في سوريا)، و رغم إلتصاقها جغرافياً، يجعل منها إقليمين مختلفين جغرافياً وسياسياً، مكملين لبعضهما بعضاً إقتصادياً.

إن ما يميز البلدين الواحد عن الآخر، ماضياً وحاضراً، هو سجايا و طبائع ناتجة عن أسباب جغرافية واقتصادية وتاريخية مختلفة. فكل بلد منهما يتميز عن الآخر، على صعيد المناخ والموقع الجغرافي، اللذين يطبعان سكان كل منهما بطابع مختلف. فالمناخ جبلي و بحري في لبنان وصحراوي وبري في سوريا. يفصل بين هذين المناخين اسوار عالية، هي جبال لبنان والسلسلة الشرقية التي تشكل سدا منيعا بين الصحراء والبحر.

إن تاريخ البلدين، سوريا ولبنان، منذ آلاف السنين، يؤكد هذه الحقائق الراهنة: ذهنية ونفسانية برية وقارية وصحراوية في سوريا، وجبلية وبحرية متوسطية في لبنان.

س – و لكن رغم هذه الفوارق الجغرافية ، كان ثمة تفاعل و تعاون بين لبنان و أشقائه. ألا تعتقد أن هذه الحالة من الفوضى العربية يمكن أن تحسم بانتفاضة سياسية تكون في مستوى التحدي ؟

ج – مشكلة العرب أنهم يستغرقون في أمجاد الجزيرة العربية و في أمجاد صنعها قادة غيرعرب فيما بعد.

يقول بول فاليري : ” إن التاريخ هو أخطر إنتاج أعدته كيمياء العقل، فهو يدفع الانسان إلى الاستغراق في الأحلام و يسكر الشعوب… فيولد عندها ذكريات لا أساس لها. تنكأ جروحاتها القديمة، فتغذيها و تقلق راحتها، إذ هي تقودها إلى هذيان العظمة ومهاوي الاضطهاد وتجعل الأمم مريرة متغطرسة مغرورة مزعجة و عقيمة ” .

س – و لكن هذه الحالة تنطبق أيضا على اسرائيل ؟

ج – يقول المفكر الألماني فون كايسرلنغ : لا يمكن أن يغفر لمن يشيد بمزايا شعب على حساب سائر الشعوب أو لمن يزعم أن شعباً ما هو متفوق على غيره بالمعنى المطلق ، في حين أن باقي الشعوب هي من درجة أدنى.

س – إذن العرب مسؤولون عن هذا الفراغ ؟

ج – بدون شك و إلا كيف دخلت اسرائيل وتغلغلت.

س – و لكن الفراغ هو اليوم أقوى بكثير من الماضي و هو ينذر بسيطرة جديدة على المنطقة إذا لم يتدارك العرب الأمر قبل فوات الأوان ؟

ج – لا شك أن انشغال العرب بعضهم ببعض عوض إنشغالهم بالقضية التي تجمعهم و بالقضية اللبنانية التي نشأت عنها ، هو سبب رئيسي من سياسة ” فرق تسد ” لذلك لا امل في المنظور القريب طالما أن العرب متلهون بعضهم ببعض.

س – و لكن أين نحن في لبنان من كل هذا؟ ومن برأيك يستطيع أن ينقذنا من المأزق وبأية وسيلة؟

ج – في الحياة السياسية، لا يعول في أكثر الأحيان، على البرنامج أو المنهاج بقدر ما يعول على الشخصية… فشخصية رجل الدولة هي في الوقت نفسه برنامج سياسي كما يقول ج. كورنيس.

س – ولكن ما هي مؤهلات هذا الرئيس المرشح للإنقاذ ؟

ج – أن يكون رجل دولة.

يقول جاك بانفيل : إن رجل الدولة الذي جهل التاريخ؟ هو طبيب لم يذهب إلى المستشفى ولا إلى العيادة ولم يدرس الحالات ولا السوابق.

سيمون عواد

عن الزميلة ” الأفكار “