Ar     En
جريدة الأنوار 15 آذار 1979

جريدة الأنوار 15 آذار 1979

جريدة الأنوار 15 آذار 1979جواد بولس : التاريخ مدرسة السياسة

وجهه يتشح بالكآبة .. و ان ابتسم فابتسامة مؤنسة ، سريعة ، خجولة ، حائرة .. تضيئ ثم تنطفئ .. كشعاع شمس وسط سماء غائمة قلقة ..

تكسو قسماته كآبة وتلفها الغربة.. غربة من ابتعد عن عالمه وعايش منذ سنوات عوالم التاريخ .. عوالم الماضي القريب و البعيد ..

يقول جواد بولس:

“ما عدت أؤمن سوى بما هو محسوس بعد انصرافي الكلي الى التاريخ .. الى حد انني اصبحت لا اتذوق الشعر ولا تهزني الموسيقى ” .

  • والحب؟
  • احببت في حياتي .
  • والايمان ؟

يؤمن بكائن اسمى .. يعترف بوجود اسرار .. لا يخشى الموت .. يتوقعه كما يتوقعه كل كائن حي و مدرك. يريده انتقالاً سريعاً من دنيا الى الدنيا الاخرى .. وان خشي شيئاً فهو يخشى ألما قد يرافق ساعات العبور .. وقد يطول .

نذكر “رينان” وكلمة له حول الايمان .. كان الكاتب الفرنسي قد فقد ايمانه منذ زمن .. فصعد التاوهة، اذ قال :

“الايمان يؤثر حتى بعد فقدانه..”

ولعل اكثر من يشعرون بهذا التأثير من يدعون الالحاد اليوم .

  • من هو؟

ولد مع ولادة القرن العشرين في زغرتا ، لبنان الشمالي سنة 1900. تلقى دروسه الثانوية في مدرسة عينطورة ايام ازدهارها واقبال ذوي الوجاهة عليها ..عرفت مدرسة الآباء العازاريين في عينطورة في تلك الفترة وقبلها، بأنها ملتقى ابناء الذوات على اختلاف مللهم و بعد مناطقهم .

شهادة الحقوق، وجواد بولس في الاساس محام ، نالها من كلية الحقوق التابعة للجامعة اليسوعية سنة 1922.. ابتدأ بممارسة مهنة المحاماة مختارا مدينة طرابلس ، حيث انتمى الى نقابة محامي الشمال.. بعد تسع سنوات انتخبه محامو الشمال نقيباً وأعادوا انتخابه سنة 1938، تاريخ فوزه بمقعد النيابة عن منطقته!

أصبح جواد بولس وزير دولة سنة 1943 الى جانب الامير خالد شهاب في عهد الدكتور ايوب تابت.. شاغلا وزارات الخارجية والاشغال العامة والصحة والاسعاف العام.. حكومة ثلاثية تمنعت بحق اصدار مراسيم تشريعية.. ثم استقال الثلاثة للاسباب المعروفة .

منذ العام 1945 تخلى جواد بولس عن المحاماة .. باعد بينه و بين السياسة حاصرا نشاطه في كتابة موسوعته المشهورة باسم : ” شعوب و حضارات الشرق الادنى، منذ الاصول حتى اليوم ..” خمسة اجزاء باللغة الفرنسية صدرت ما بين عامي 1961 و1968 من دار لموتون وشركاهم في لاهي، باريس ولندن . قدم لها المؤرخ الكبير” أرنولد توينبي “.. وفي العام 1973 صدر لجواد بولس مؤلف باللغة العربية جعل عنوانه: ” لبنان و البلدان المجاورة “، عن مؤسسة بدران للطباعة .

تزوج سنة 1937 و لم يرزق بنين .. توفيت زوجته عام 1958 ، و بعد ثمانية اعوام تزوج للمرة الثانية من ارملة الكونت نجيب صعب.

أكثر من تأثر به من اقربائه جده أسعد بولس ، قائد قوات يوسف بك كرم .. توفي الجد و حفيده في السابعة عشرة .. ادمن أسعد بولس على القراءة .. و كان أفضلها لديه “رسائل” القديس بولس .

يروي جواد بولس ان جده نصحه غير مرة قائلا : ” اقرا بوسويه…”

سألته : كان جدك يعني بوسويه؟

يضحك – الضحك نقد نادر وعزيز – ويجيب :

- تبين لي انه كان بالفعل يعني بوسويه ويقرأ له مترجماً الى العربية : “الخطاب حول تاريخ الكون.

و في رأي جواد بولس ان الحكام الفاشلين لم يقراوا التاريخ بعناية كافية، او انهم لم يتعظوا باحداثه .

  • مقدمة توينبي هي الوحيدة لغير مؤلفاته هو :

“شعوب و حضارات الشرق الادنى منذ الاصول حتى اليوم” ذاعت و انتشرت باجزائها الخمسة.. اعتمدتها كبريات جامعات العالم ، ما عدا الجامعة اللبنانية ، في تدريس تاريخ شعوب و حضارات الشرق الادنى.

عند قدومه الى لبنان وفي اول زيارة الى دير يسوع الملك حيث يمضي جواد بولس، كسواه من محبي الهدوء و السكينة أشهر الشتاء ، اجتمع اليه السفير البابوي المونسنيور ” كارلو فورنو”.. ما ان سمع السفير باسم الؤرخ اللبناني حتى رفع ذراعيه مرحبا ، و قال :

“شعوب و حضارات الشرق الادنى” مما يثبت ذيوع الموسوعة وعناية رجال الدولة والدبلوماسية، ورجال الفكر بها.

المؤرخ البلجيكي الكبير “جاك بيرين ” صاحب كتاب “التيارات الكبرى لتاريخ الكون ” بأجزائه الثمانية ، التقى جواد بولس في مدينة بروكسيل ، و قال له :

– لقد منحك توينبي لقب مؤرخ و منعه عني .. انا لست في رأيه عالم تاريخ بل عالم اقتصاد …”

ماذا قال “توينبي ” في المقدمة ؟

كتب “توينبي” في مقدمته لموسوعة جواد بولس، بتاريخ الثالث عشر من شهر ايار 1957، يقول:

“يتفرد مصنف السيد جواد بولس في تاريخ آسيا الغربية بخصائص جعلته يضيف الى بيان معرفتنا عن ذلك الموضوع اضافة بالغة النفاسة .

فأولى تلك الخصائص ان السيد بولس نفسه سليل تلك البقعة التي يجلو تاريخها، وكان الفضل في معظم التآليف الحديثة عن تاريخ آسيا الغربية، الى الان، لمؤلفين اوروبيين او امركيين، حتى صدر اخر الامر تاريخ دبجته براعة علامة موطنه لبنان، باب منطقة هي في الصميم من العالم المتحضر.

وثانيتها ان السيد بولس تناول موضوعه بنظرة شاملة على رحابة أطرافه، فقدم لنا سجلاً لتاريخ آسيا الغربية من قبل ان ينتظمها التاريخ حتى اليوم .

وثالثتهما ان هذا المؤرخ الغربي – الآسيوي ما فتىء يقظا الى ظاهرة التتابع المستمر التي يعرضها تاريخ هذا الجزء من العالم ،فبسطها، ولمس في الوقت نفسه ، العناصر الدائمة في المشهد التاريخي ، كما وضع اصبعه على عوامل ثابتة جغرافية كانت او نفسية ، تتوثق فيما بينها من خلال جميع مظاهر التغيرات الطاغية على صفحة الحياة .

وان تراث شعوب اللغة العربية ، في مذهب السيد بولس، لهو التحقيق الكامل للحضارة في هذه البقعة ذاتها حيث انبثقت الحضارة اول ما انبثقت.

“لذلك سيجد القراء العرب ، شأنهم شأن القراء الغربيين ، في دراسة هذا المصنف الكثير مما يعوزهم عليه ..”

ارنولد توينبي

13 آذار 1957″

  • التاريخ اكسبني التواضع و الترفع عن المادة

قلت لصاحب الموسوعة :

  • انت مؤرخ كبير .. و المكانة التي تحتلها في الاوساط العلمية ، الشرقية منها و الغربية ، هي ولا ريب ، مكافاة على علم واسع أوتيته بفضل عمل دائب شاق و ذكي .. فهلا قلت ولو عمل دائب شاق و ذكي .. فهلا قلت ولو بشيء من الايجاز ، ماذا علمك التاريخ لا على الصعيد السياسي بشكل خاص ، بل على الصعيد الانساني بشكل عام؟

- ان التاريخ و هو خزان كبير للتجارب البشرية المتراكمة عبر الاجيال هو كذلك مدرسة اختبارية للانسانية ، اشمل و اكثر تنوعا من الملاحظات الشخصية .

اول فائدة شخصية اكسبني اياها التاريخ هي التواضع و الترفع عن المادة. فالبشر كبارهم و صغارهم ، الشعوب و الافراد مضوا دون ان يأخذوا معهم شيئا من خيرات هذه الدنيا.. والاخرون لاحقون بمن سبقهم ان عاجلا ام آجلا . “

ثم ان المعرفة التاريخية وحدها تتيح لنا مجال اكتشاف سر تركيب الاحداث الحالية و مدى تجاوبها مع احداث اخرى. فضلا عن ان هذه المعرفة تفسح امامنا في مجال استخلاص العلائق او الاسباب العميقة التي تحرك تلك الاحداث .. و بخاصة ثوابت تاريخية تجعلنا نكتشف روابط المشاكل السياسية و حلولها . و التاريخ يعلمنا ان سننا تسيرعالم الطبيعة و عالم الحياة ، لا يستطيع احد خرقها ولا مخالفتها دون عقاب ، ان لم يكن اليوم او بعد غد… ” الله يمهل ولا يهمل..”

  • كان فاليري يسخر ، وانت تعلم مبلغ نقمته على التاريخ و المؤرخين ، من القول المأثور : “التاريخ يعيد نفسه ” .. فما هو سبب سخرية فاليري من هذا القول ؟ و ما رأيك انت في هذا القول ؟

صحيح ان “بول فاليري” كان يسخر من التاريخ .. فهو الذي قال ما معناه : ” ان التاريخ يسوغ ما نريد .. فهو لا يعلم شيئا بدقة لانه يحتوي على كل شيء و يعطي أمثلة عن كل شيء ” .

لاشك في ان فاليري كان كاتبا و مفكرا و فيلسوفا من طبقة عالية.. الا انه لم يكن مؤرخا .. ثم اني ارى نقمته على التاريخ نوعا من الفكاهة .. يثبت اعتقادي هذا ما ورد على لسانه حول التاريخ اي حول احداث الماضي .. اذ قال في كتابه ” نظرات على العالم المعاصر ” صفحة 19 ما ترجمته : الماضي يؤثر في المستقبل بقدرة تعادل قدرة الحاضر نفسه.. فالمستقبل بطبيعته لا صورة له .. التاريخ يوفر له الوسائل التي تجعل تصورهمتيسرا “.

  • نابليون و ديغول اعتبرا التاريخ مدرسة السياسة :
  • يروى عن ديغول ، وهو من قلة كانت فرائصهم ترتعد امام التاريخ، قوله : رجال التاريخ هم ” مغامرون ” . ويذكر ديغول في هذا المجال نابليون الذي لم يكن واثقاً بالنصر صبيحة “اوسترليتز”.. و في ” بورودينو ” خيل اليه انه انتصر لان الروس تركوا الميدان .. سأل كم عدد الاسرى ؟ اجابوه : لا يوجد اسرى ، يا صاحب الجلالة .. عندئذ ادرك انه خاض معركة لا طائل تحتها و ظفر بنصر وهمي .. وكذلك الاسكندر في مجابهة ” بيريس ” فهل تذكر بعض “المغامرين ” في تاريخنا القديم والحديث ، ونتائج “مغامراتهم” على حياتنا ماضيا وحاضرا؟

امثال نابليون بعد هزيمته في روسيا و الاسكندر و ديغول من الرجال العظام آمنوا بالتاريخ واتعظوا بتعاليمه .. فالتاريخ ساعد كلا منهم على بلوغ ما بلغ اليه من السلطة .. الاسكندر تتلمذ على ارسطو .. نابليون و ديغول اعتبرا التاريخ مدرسة السياسة .. وبخاصة الجنرال ديغول الذي مكنه تعمقه بالتاريخ من النظر الى المستقبل نظرة صائبة جعلت منه المرشد المسموع الكلمة في مجال السياسة العالمية .

  • وطالما نحن مع ديغول و فاليري .. فقد آمن الاول بكلمة للثاني تقول بأن دروس التاريخ لم تجد اي نفع ولم تعد بأية فائدة : وكان ” تويمبي” ، صديقك واستاذك كما تحب ان تدعوه، بخالفهما في هذا الرأي .. مع ان ديغول صنع التاريخ و”تويمبي” كتبه! فإلى اي جانب تقف، مع العلم بانك لم تكتف بكتابة التاريخ ، بل قدر لك في فترة من الزمن ان تسهم في صنع تاريخ بلادك؟

- اما القول المنسوب الى ديغول او فاليري بأن “دروس التاريخ لم تجد اي نفع ولم تعد باي فائدة”، فهو – أي القول – وبخاصة من قبل ديغول، لا يعني شجبا للتاريخ ، بل هو يدل على ان الغالبية، و منهم من حصل على قسط وافر من الثقافة ، لا تؤثر فيهم امثولات التاريخ .. فالانسان بغرائزه و نزواته يعتقد بان لا حاجة به الى عبر تصدر عن سواه ، تصدر عن الغير .. والتاريخ ما هو الا حصيلة اختبارات الغير .

شارل الثاني عشر ، ملك اسوج ما بين 1697 و 1718 كان عسكرياً بارعاً احرز انتصارات عديدة ضد الدانمارك وبولونيا و روسيا.. غير انه اخفق في غزوه العالم الروسي حيث اهلكت جيوشه عناصر الطبيعة في فصل الشتاء .. تاريخ شارل الثاني عشر كتبه الفيلسوف و المؤرخ الفرنسي “فولتير”.

بالرغم من اطلاعه على التاريخ ملك اسوج ، فان نابليون لم يتعظ وغزا البلاد الروسية حيث لاقى مصير شارل الثاني عشر.. وجاء دور هتلر.. لم يتوقف طويلا عند هزيمته لحقت بأعظم نابغة في الفن العسكري، و اقدم على مغامراته ظانا انه ابعد نظرا واوفر مقدرة من سابقيه .. فكان ان اتت الامطار و الثلوج الروسية على جيوشه .. و سجل التاريخ هزيمة للفوهرر في روسيا كانت السبب الرئيسي في زوال الدولة الهتلرية . “خلاصة القول ان الذين يصنعون التاريخ هم غير الذين يكتبونه .. حتى اذا ما اجتمع صانع التاريخ و كاتبه في شخص واحد ، كما في ديغول مثلا، يكون حظه من النجاح وافرا بلا شك، على الصعيدين السياسي و الاجتماعي .

  • قراء هذا النوع من الكتب قليلون في الشرق:
  • لنعد الى كتابة التاريخ .. لي هنا سؤالان .. الاول يتعلق بكتابك بل بموسوعتك .. لماذا وضعتها بالفرنسية ؟ و السؤال الثاني : ما رأيك في الجدل القائم حول تاريخ لبنان و ما ينبغي ان يحتوي عليه وكيف يجب ان يكتب ويدرس في المرحلة الثانوية و المرحلة الجامعية ؟

- مؤلفي التاريخي : “شعوب و حضارات الشرق الادنى منذ الاصول حتى ايامنا هذه “وضعته باللغة الفرنسية لعدة اسباب .. اولها انني ادركت اطلاع العالم المتطور على حقيقة تارخ بلدان هذا الشرق على يد مؤرخ شرقي ، بلغة يقرأها المثقفون في كل من اوروبا و امريكا . قال المؤرخ البريطاني الكبير “ارنولد نوينبي” في ما قدم به لكتابي ، ما ترجمته :

كان الفضل في معظم التآليف الحديثة عن تاريخ آسيا الغربية يعود حتى الان الى مؤلفين اوروبين وامركيين.. حتى صدر آخر الامر تاريخ دبجته براعة علامة موطنه لبنان، باب منطقة هي في الصميم من العالم المتحضر ” .

سبب آخر ، اقولها بأسى ، حملني على اعتماد اللغة الفرنسية هو كون قراء هذا النوع من الكتب قليلون جدا في بلدان الشرق ..

اما الجدل القائم حول تاريخ لبنان وما ينبغي ان يحتوي عليه و كيف يجب ان يكتب و يدرس في المرحلة الثانوية و المرحلة الجامعية ، فرأيي فيه ان الصدق و الاخلاص هما من اولى واجبات المؤرخ .. عليه ان يكيف التطورات السياسية الانية على احداث التاريخ الصحيحة .. لا ان يكيف هذه الاحداث لخدمة مبادىء وافكار سياسية بعيدة عنها ..

فالتاريخ نوعان : نوع سرد وقائع ماضية حدثت فعلا .. و نوع اخر هو استخلاص الحقائق الراهنة من هذه الوقائع .. فاذا خرج التاريخ عن هذه الغاية يصبح نوعا من الرواية او مسخرا لخدمة افكار سياسية وهمية خيالية ينتج عنها الضرر لا الفائدة. لا شك في ان الطلاب و الرأي العام تلذه المبالغات التارخية التي يعتمدها الكتاب، غير ان هذه اللذة عابرة لا تلبث ان تنقلب الى عكسها .

لقد قيل الكثير حول أصل اللبنانيين.. بعض الكتاب اكد انهم ينحدرون بالسلالة من الفينيقيين.. وذهب آخرون الى انهم كنعانيون.. وثمة من ينسبهم الى الصليبيبن او الى العرب.. الى ما هنالك من انساب..

والحقيقة ان سكان لبنان ، لبنانيون من اصل لبناني، كما ان المصري مصري والسوري سوري، والفرنسي فرنسي.. الخ .. فالعلم يجزم بان الشعوب وليدة الجغرافيا و التاريخ ، وأن الافراد والجماعات تتكيف خصائصها الجسدية ونفسيتها وفقا للمحيط الجغرافي الذي تعيش بعد مئة سنة اي قرابة ثلاثة اجيال ، انى كان البلد الذي قدم منه هؤلاء الافراد والجماعات.

يثبت التاريخ كذلك ان الجامع بين الشعوب في البلدان المتطورة هي الارض اي الوطن الجغرافي.. بحيث يصبح سكانه الاصليون اقرباء بحكم الجوار ضمن حدود الوطن الواحد.

  • التاريخ هو توالي ثقافات في المكان أكثر منه في الزمان :
  • يرى سبنغلر صاحب كتاب le déclin de l’occident ان التاريخ هو توالي ثقافات في المكان أكثر منه في الزمان و ان الثقافة الغربية هي احدى هذه الثقافات .. فما هو رأيك ؟

- قلت أن الشعوب هي وليدة الجغرافيا و التاريخ ، و كذلك الحضارات. فالحضارة العربية الاسلامية التي ظهرت في بغداد في أوائل عهد الخلفاء العباسيين و التي أنارت الشرق و الغرب خلال بضعة أجيال ، هي في الاساس شرقية عراقية ، كحضارة ملوك بابل و نينوى الاقدمين ..زيد عليها ما ولدته الحضارة العربية الاسلامية بعد انتشار الاسلام في الشرق على اثر الاتصالات المباشرة لهذه الحضارة بحضارات و بثقافات البلدان التي أخضعها الفتح العربي و اعتنقت الدين الاسلامي ، كبلاد فارس و الاندلس و غيرهما.

“وكذلك فإن الأسس التي ترتكز عليها الثقافة الغربية المعاصرة – أوروبا الغربية و البلدان الأميريكية – هي حضارات ظهرت ماضيا حول البحر المتوسط كالحضارات القديمة في مصر وبابل، وفينيقيا، واليونان ، والرومان .. و ما أخذته عن الدين المسيحي.

  • ما هي الحدود بين التاريخ و فلسفة التاريخ ، و السيرة و المذكرات و اليوميات ؟

- كتابة التاريخ أنواع .. منها التاريخ التقليدي فهو اخباري، أو وصفي، أو تحليلي.. و منها التاريخ الفلسفي، أو فلسفة التاريخ، ومنها التاريخ العلمي.

فالتاريخ الفلسفي أو فلسفة التاريخ لم يعد يحتل مكانا هاما… باعتبار أن كل كاتب أو فيلسوف يأتي بأفكار أو مبادىء خاصة، يحاول اثبات صحتها بأمثلة مأخوذة من التاريخ. و لما كانت أحداث التاريخ تعطي كل أنواع الأمثلة ، لذلك لم تعد فلسفة التاريخ ذات قيمة. أما التاريخ العلمي فهو الذي يعتمد طريقة العلم.

التاريخ في رأي العلم هو البحث عن الأسباب التي أنتجت الحضارة و دفعتها إلى الأمام منذ أقدم العصور و خلال الأزمات المتعددة.. التاريخ العلمي ليس مسلسلا من الأحداث بل هو حصيلتها.. ينحو الى ارساء حقائق عامة تستخلص من تنوع الاحداث الخاصة.. و ينحو كذلك الى اكتشاف الاسباب العامة، أي السنن أو ” الثوابت ” التي يمكن من خلالها شرح تسلسل الأحداث المعروفة.

الانسان يعيش في الماضي أو في المستقبل :

  • إلى أي مدى يمكن الاعتماد على التاريخ من حيث الصدق و الامانة ؟

- الاعتماد على الصدق و الامانة في كتابة التاريخ ، ترتبط ارتباطا مباشرا بشخصية المؤرخ ، شرط أن يكون تخصص في هذا العلم و وقف له حياته.

  • ألا يعتمد المؤرخون على من سبقهم حتى لو ارتكب هؤلاء أخطاء ؟

- واجب المؤرخ دراسة ما كتبه سابقوه من المؤرخين ، فيكشف أخطاء ارتكبوها ان كان ثمة أخطاء.. ليتفادى الوقوع بما وقعوا فيه.

  • من هو المؤرخ ؟

المؤرخ هو كاتب تخصص في كتابة التاريخ و نجح .. في حين أن من يكتفي بتدريس مادة التاريخ لا يعتبر عادة من المؤرخين.

الحديث طال و تشعب .. جواد بولس يحن إلى التاريخ .. يعيش في طياته من العام 1945 .. ألف أبطاله و صادقهم.. يرى أن التاريخ مدرسة السياسة .. من لا يتتلمذ على أساتذة هذه المدرسة ويتعظ بأقدارهم من الحكام ، مصيره الفشل .. يقول في نهاية الحديث :

- الانسان لا يعيش حاضره.. يحن الى الماضي، يتحسر عليه أو يسعى الى المستقبل.. يستميت في الوصول الى هدف معين، حتى ما بلغه سعى الى سواه ..

صاحب الموسوعة التاريخية الشهيرة يقول كلامه هذا بألم .. تراه يحن إلى سنوات لم يعش حاضره خلالها، بل عايش ماضي شعوب الشرق الأدنى ؟

اصدق الكلام

ما يطالعه جواد بولس ، بل ما يدمن على مطالعته ” ملاحظات حول السياسة ” لجاك بانفيل .. كتاب صدر العام 1941 و الحرب العلمية مشتعلة ، و فرنسا وطن الكاتب ، تئن من الهزيمة و ترزح تحت ثقل الوجود النازي.

الكتاب يرافق جواد بولس دائما .. يقلب صفحاته قبل أن ينام .. يقرأه بلذة ، يوافق جاك بانفيل على كل ما كتب. و قد كتب بانفيل في المقدمة يقول :

“وسط الفظاعة و الهول المسيطرين على الكون ، يتوثب الفكر نحو أزمنة أفضل.. يشيد عالما لا يعرف المجازر.. ليست هذه أول مرة يولد فيها مشهد الحرب توقا الى سلام أبدي. ليست أول مرة يسعى فيها الناس الى اقامة مؤسسات قادرة على الحؤول دون أن تمزق الشعوب بعضها بعضا..

“من يجرؤ على منع المتعبين و المتألمين أن يحلموا.. المستقبل يصنعه الالم البشري ، و العالم يولد و يتجدد كما يولد و يتجدد البشر أنفسهم وسط الأنات و النواح .. لكن الاحلام هي أيضا بحاجة لان تأخذ شكلا معينا ، و السياسة وحدها تستطيع اعطاءها هذا الشكل.. ”

و من ملاحظات جاك بانفيل على السياسة ، هذه :
” مهمة السياسة هي حل صعوبات تتولد باستمرار .. و مهمة السياسة كذلك توقع هذه الصعوبات وعدم اتاحة مجال اخذها – اي السياسة – على حين غرة..”

“الثقة بعرفان الجميل لدى الجمهور أشبه باقامة مبدأ الاستمرار على الرمل..”

“الدبلوماسية السلبية تفقد مواقعها الواحد بعد الآخر ، و تنتقل من تخفيض الى تخفيض حتى تصل الى الصفر”

“وفقا لقاعدة ثابتة لا تتغير ، لا يفيد من الحروب الاهلية الا الغريب..”

“ليس اسوأ من صبينة رجال المال حين يتدخلون في السياسة”

“ليس ما هو صعب شفاؤه مثل الغباوة”

“خور و تخلف النخبة يعرضان شعبا كبيرا الى الزوال.. من اجل السلامة العامة ، وجب الضرب كما تضرب الصاعقة على المرتفعات ”

طعم جواد بولس هذه الأقوال بكلمة لتاليران ، داهية السياسة الذي رافق في فرنسا أكثر من عهد ، اذ قال :

“لا يكتب أربعين صفحة من يكون معه حق ”

و في مجال التمييز بين كاتب التاريخ و فيلسوف التاريخ ، أورد هذا القول لهنري بوفكاري و هو غير رجل الدولة الفرنسي ريمون بوافكاري :

“يبنى البيت بواسطة الحجارة ، لكن كومة من الحجارة ليست بيتا..”

IMG_7136s